الكاتب والمخرج يوسف. ي الخوري/ذا “شخطة زيح” في البحر سكَّرَتكم، فماذا لو صنعتُم السلام ….هذا ما جناه اللبنانيون من احتلال حزب الله لقرارهم، وما عاد أمامهم إلّا الرضوخ لمشيئة الغرب وإسرائيل والخائن حزب الله، أو العودة إلى نهج وفكر الجبهة اللبنانيّة المقاوم. فهل اتّضحت الصورة لماذا أقول “إنّ لا غاز حتّى لو وُجِد غاز”؟

351

إذا “شخطة زيح” في البحر سكَّرَتكم، فماذا لو صنعتُم السلام !!؟
الكاتب والمخرج يوسف ي الخوري/نقلاً عن موقع الكلمة اولاين/21 تشرين الأول/2022

كيف يُريدوننا أن نستهبل ونتظاهر بأنّنا صدّقنا أكاذيبهم عشيّة وصولهم إلى تفاهم حول ترسيم الحدود، وألّا نُستفّز ونسعى للوصول إلى الحقيقة كي لا نظهر بمظهر الأغبياء الذين سقطت عنهم صفة الآدميّة!؟

وكما أخبرتكم في مقالة سابقة، بتاريخ 09 أيار 2020، وتحت عنوان “طبّلوا وزمّروا ما شِئتم، فلا غاز حتّى لو وُجِد غاز”، أؤكّد اليوم على أنّني لا زلتُ عند رأيي، وأجزم بمعلوماتي، وسأدلوَ بما في دَلوي للحدّ من التضليل الممنهج للرأي العام، ومن باب واجبي الأدبي الإجهار بالحقيقة للجميع.

عندما نجهد لإظهار أمور مخفيّة، يكون هناك محفّز، وما محفّزي إلى التعمّق في ترسيم حدودنا الجنوبيّة مع دولة إسرائيل، إلّا نفوري الشديد من استخفاف المسؤولين اللبنانيين بعقولنا من خلال ترويجهم أخبارًا لا تَركب على قوس قزح، فإذا كشفنا نفاقهم ومحاولاتهم قنص الفرص أمسينا خونة ومُفترين وحتّى مُلاحقين قانونيًّا، وإذا سكتنا عنهم أمسينا هُبلًا وخنوعين، لا بل مشاركين في جريمتهم.

كيف يُريدوننا أن نستهبل ونتظاهر بأنّنا صدّقنا أكاذيبهم عشيّة وصولهم إلى تفاهم حول ترسيم الحدود، وألّا نُستفّز ونسعى للوصول إلى الحقيقة كي لا نظهر بمظهر الأغبياء الذين سقطت عنهم صفة الآدميّة!؟

بدأوا استعراض بطولاتهم، وصواريخ “مقاومتهم”، بالادّعاء أنّهم لن يتركوا إسرائيل تستخرج غازها قبل أن يحصّل لبنان حقوقه، ويُسمح له بأن يَستخرج بدوره نفطه، بيد أنّ إسرائيل كانت تتريّث في عملية الاستخراج، بالرغم من إنجازها كلّ عمليّات التنقيب، لأنّه لم يكن لديها زبون ليشتري غير شركة كهرباء الأردن (راجع مقالة 09 أيّار 2020)، والبرهان، لو أنّ إسرائيل هي فعلًا متأثّرة ومرتعبة من صواريخ محتلّي القرار اللبناني، وعندها شاري لغازها، ماذا كان يمنعها البيع من حقول أخرى تملكها ولا نزاع عليها مع لبنان؟

وتتالت البطولات بالادّعاء انّ حدود لبنان هي الخطّ 29، مع الإعلان للملأ أنّ الـ 29 هو خطّ للمناورة، أي ببساطة طرح محتلّو القرار اللبناني الشيء ونقيضه، وراحوا يلهّوننا بإعلاء الصوت والكذب على طريقة أحمد سعيد لتضليلنا، لكن لم يكن في حسبانهم أن تندلع الحرب بأوكرانيا، ويهتم الأوروبيون بشراء الغاز الإسرائيلي ليفضحوا كذبهم ويوقعونهم في ورطة. راحوا من تحت الطاولة يتوسّلون الأمريكاني للإسراع في انجاز الترسيم بأيّ وسيلة، ولشدّة غبائهم استمروا فوق الطاولة بالشهيق “يا أرض اشتدّي ويا بحر وَدِّي”، حتّى أخرج الإسرائيلي اللعبة من تحت الطاولة متحدّيًا كلّ تهديداتهم ومزاعمهم بعبارة مبسّطة لا لبس فيها: “لا نقاش في المقترح اللبناني. كاريش بالكامل لنا. لا تنازل عن مليمتر مكعّب واحد من حصّتنا في قانا. سنباشر استخراج نفطنا.”

فجأة، تحوّل صراخ القبضايات اللبنانيين إلى انتصارات وهميّة؛ أعاد سيّدهم حسن صواريخه البلاستيكيّة إلى مخازنها، وباشر بأكل العنب، ونحمد الله أنّه لم يغصّ بالعنب وإلّا كان الشرق الأوسط سيشتعل.

جبران التيّار سحب النصر من فم العدو الإسرائيلي، لكنّنا لم نرَ إلّا الإسرائيلي يسحب نفطه.

سمير القوّات تلاعب على الممكن وغير الممكن من ضمن الممكن.

سامي وتغييريّو الـ Tinky Winky طالبوا عَرَضًا باطلاع المجلس النيابي على الاتّفاق، وليس رسميًّا وبالطرق القانونيّة.

وليد، الكذوب الحَذِق، كعادته سار مع الموجة ورأى أنّ سلاح “المقاومة” استُخدم بجدارة هذه المرة، ممهدًا بذلك لأبواق محتلّ القرار اللبناني، وضفادعه الالكترونيّة، التأكيد مجدّدًا على أهميّة حفظ سلاح هذا المحتلّ في وجه عدوّهم الإسرائيلي.

خلقوا لنا “راجح” من نوع آخر، اسمُه الياس بو صعب، في الظاهر قومي سوري اجتماعي، لكنّه منفتح على أمريكا الشيطان الأكبر، وعلى أكتافه نقل الى البحر زيح الترسيم مع إسرائيل التي لا يعترف بوجودها وما أكثر الصور التي التُقطت له معانقًا الوسيط الأميركي صاحب الأصول الإسرائيليّة.

ذكّرتني هذه الأوهام الإلهيّة عند المسؤولين اللبنانيين بطرفة رواها لي المطرب فؤاد حجازي، وهو صديق أردني أصله لبناني، مفادها أنّه أبّان حرب الـ 1967 بين العرب وإسرائيل، كان فؤاد على الهواء في إذاعة بالضفّة الشرقيّة، يؤدّي نشيدًا حماسيًّا داعمًا للجيوش العربيّة ومبشّرًا إسرائيل بإزالتها من الوجود وبقرب التحام الجيوش العربيّة البطلة في القدس. خلال ذلك، كان يُشاهد من خلف الزجاج العازل، حركة جنود مسلّحين في الاستوديو، يتبسّمون له ويشجعونه، وبدوره كان يفرط في تحيّتهم، وما أن انتهى من أداء النشيد حتّى دخل عليه أحد هؤلاء المسلّحين ليقول له “أنت موقوف بأمر من جيش الدفاع الإسرائيلي”. يتابع صديقي فؤاد ممازحًا بالقول إنّه يومها أرعب الإسرائيليين، فهم لم يتجرّؤوا على توقيفه إلّا بعدما أنهى أغنيته.

هكذا، وبعد مرور 55 سنة على هذه الطرفة، لا زلنا نحارب إسرائيل بالنظارات والتنظير، وننتصر عليها بالخيال وكثرة الحكي. فأين هي الحقيقة التي يجب أن يعرفها كلّ لبناني، ومَن هم المنتصرون وماذا حقّق كلّ منهم؟

إسرائيل ستستخرج غازها من كاريش حتّى لو لن يتمّ التوقيع على الاتّفاق، وستبيعه إلى أوروبا بأغلى الأسعار.

أوروبا سوف تُغطّي من 6% إلى 8% لا أكثر من حاجتها، ولا يوهمنّا أحد بأنّ الغاز الإسرائيلي سيُنقذ أوروبا من الأزمة التي وقعت فيها جرّاء وقف تدفّق الغاز الروسي إليها، وما تكبير الحجر واشاعة أنّ أميركا وأوروبا ضغطوا على المفاوضين اللبنانيين لإنقاذ القارة العجوز، إلّا أضاليل و “سعدَنات” لتبرير تخاذل ووهن المسؤولين اللبنانيين تجاه مَن يسمّونه العدوّ الغاشم.

فرنسا ستتابع تمثيليّة إيهامنا بأنّ لدينا ثروة نفطيّة (راجع مقالة 09 أيّار 2020)، ليس حبًّا بنا، بل مسايرةً لحزب الله الخائن، وصاحب النفوذ الفعلي في لبنان، وحفاظًا على مصالحها التجارية مع إيران.

الإيرانيون كسبوا من الصفقة، على حساب لبنان، 15 مليار دولار حرّرها لهم الأميركيون من أموالهم المحجوزة مقابل استدارة سيّدهم حسن من الهجوم والتهديد إلى أكل العنب.

حزب الله، ودائمًا في حال تمّ التوقيع، سيكون مكسبه كبيرًا، إذ بعدما باركت إسرائيل انتشار قوّات اليونيفل في الجنوب اللبناني، وعفت حزب الله من مهمّة اجتياح القدس، وحَمَت ظهره من البرّ، ها هي اليوم بِـ “شخطة زيح” على المياه، تحمي ظهره من البحر، وتضمن له إدارة سلاحه نحو الداخل، لترسيخ احتلاله، والعبور نحو جمهوريّة الملالي الشيعيّة.

هؤلاء هم الرابحون من رسم الزيح 23، أمّا الخاسرون فقلّة؛ لبنان الرسالة التعدّدية سيتحوّل إلى جمهوريّة ملالي أحاديّة ويتغيّر وجهه وحضارته وانتماؤه، وكذلك سيخسر الشعب اللبناني الذي سيلفظ الملالي، لكن للأسف إمّا هروبًا وإمّا باعتناق “الذميّة”.

أمّا جبران التيّار وراجح بو صعب… عفوًا الياس بو صعب، فوضعهما ووضع كثر مثلهما لا يندرج ضمن الخاسرين ولا ضمن الرابحين، فما يدّعونه إنجازًا هو أشبه بـ “الكويرية”، أي لا انثى ولا ذكر، فلو كانت إسرائيل هي مَن تُهرّب إليها السلع اللبنانيّة المدعومة، ورسمة الزيح ستوقف التهريب، كنّا قلنا هذا انجاز. ولو كانت إسرائيل هي مَن سرق أموالنا من البنوك وسيردعها الزيح، كنّا اعترفنا بأنّ هذا إنجاز. ولو كانت إسرائيل هي مَن تسبّب بنزوح السوريين إلى لبنان وبتحميل خزينتنا 40 مليار دولار لإيوائهم ومساعدتهم، وأتى الزيح 23 ليوقف هذا الهدر، لكنّا أثنينا على إنجازكم وحكّمناكم برقابنا. ولو كانت إسرائيل هي مَن عطّشنا، ومَن أحلّ بنا الظلمة، ومَن فجّر مرفأنا، ومَن هجّر طاقاتنا الشبابيّة، …الخ… والزيح سيُعيد لنا كلّ شيء على طبيعته، كنّا هنأناكم وقلنا لكم Bravo يا Bro. أمّا وانّ إسرائيل لم ترتكب أيّا من هذه الآثام، وأنتم حلفاء المجرم الحقيقي الذي ارتكبها، ووعدتمونا بتسليم العهد أفضل ممّا استلمتموه، واليوم لم يبقَ عهد لتسلّموه، فأين الإنجاز يا Bro؟؟؟

تدّعون بوقاحة أنّكم تركتم لنا بلدًا نفطيًّا، لا وأبدًا، فاحتمالات وجود غاز في قانا هي 28%، وهي نسبة متدنيّة، فإذا وفّق الله وعرفنا كيف نستخرج غاز قانا، من دون أن يضع اليد عليه المحتلّ حزب الله، وشركاؤكم في المنظومة، فنحن أقلّه نحتاج إلى خمس سنوات للاستفادة منه، لكن بعد خمس سنوات تكون أوروبا قد تحوّلت بالكامل إلى الطاقات البديلة، عندها عليكم وعلى انجازكم النفطي السلام، إذ كلّ ما سيكسبه لبنان من الغاز حينها، لن يتجاوز المائتي مليون دولار سنويًّا.

هذا ما جناه اللبنانيون من احتلال حزب الله لقرارهم، وما عاد أمامهم إلّا الرضوخ لمشيئة الغرب وإسرائيل والخائن حزب الله، أو العودة إلى نهج وفكر الجبهة اللبنانيّة المقاوم. فهل اتّضحت الصورة لماذا أقول “إنّ لا غاز حتّى لو وُجِد غاز”؟

ملاحظة
لقراءة كل مقالات الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري المنشورة على موقعنا منذ العام 2019 اضغط هنا

رابط (اضغط هنا) مقالة الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري المشار إليها كمرجع في مقالته التي أعلى وهي نشرت في شهر 09 أيار سنة 2020، تحت عنوان: /طبّلوا وزمّروا ما شئتم؛ فلا غاز حتّى لو وُجد غاز…