الياس بجاني/عربي، انكليزي، نص وفيديو: جهاد الاقتراع: كيف يستخدم الإسلام السياسي الانتخابات في أوروبا وأميركا سلاحاً لاختراق الغرب والوصول إلى التمكين والأسلمة
جهاد الاقتراع: كيف يستخدم الإسلام السياسي الانتخابات في أوروبا وأميركا سلاحاً لاختراق الغرب والوصول إلى التمكين والأسلمة؟ إلياس بجاني / 04 تشرين الثاني / 2026
مقدمة: أميركا تنتخب، والإسلام السياسي يسعى لفرص مبدأ التمكين والأسلمة
لم تكن الانتخابات الأميركية التي جرت أمس، الثلاثاء 03 تشرين الثاني 2026، مجرد استحقاق انتخابي عادي أو تداول ديمقراطي تقليدي للسلطة. فالنتائج التي انتهت إلى سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلسي الكونغرس، بعد خسارة الجمهوريين عدداً كبيراً من المقاعد، أعادت إلى الواجهة سؤالاً بالغ الخطورة حول مستقبل الغرب، وحول قدرة الديمقراطيات الغربية على حماية نفسها من الحركات الأيديولوجية التي تستعمل الحريات المتاحة فيها للوصول إلى السلطة وتوسيع النفوذ. فإن ما يستحق التوقف عنده ليس فقط انتصار الديمقراطيين وهزيمة الجمهوريين، بل طبيعة التحالفات الانتخابية التي تشكلت داخل المجتمع الأميركي، وكيف استغلت واستثمرت القوى السياسية المختلفة في الكتل السكانية والدينية والثقافية، ومنها الكتل الانتخابية المسلمة المنظمة، للوصول إلى مراكز القرار. وهنا تحديداً يجب أن يفهم الأميركيون والغربيون عموماً أن الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي، وخصوصاً التيارات الإخوانية، لا ينظر إلى الانتخابات بالطريقة التي تنظر إليها الديمقراطيات الليبرالية. فكل هذه الحركات تتعامل مع الانتخابات باعتبارها وسيلة للوصول إلى السلطة، وبناء المؤسسات والنفوذ، وتحقيق مشاريعها العقائدية والسياسية والدينية.
جهاد الاقتراع.
فبعد الجهاد المسلح، والانقلابات، والاغتيالات، والإرهاب، أصبح صندوق الانتخابات في حسابات الحركات الإسلامية الجهادية كافة سلاحاً سياسياً وتنظيمياً بالغ الأهمية. والهدف ليس مجرد الفوز بمقعد نيابي أو بلدي، بل استثمار الفوز لبناء سلطة ونفوذ يصعب على الخصوم مواجهتهما لاحقاً.
نتائج الانتخابات الأميركية ورسالتها السياسية
أظهرت نتائج انتخابات الأمس تحولاً كبيراً في موازين القوى الأميركية، إذ تمكن الديمقراطيون (يسار، مثليون، إسلام سياسي) من استعادة الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، وحققوا انتصارات في ولايات كانت تُعتبر معاقل جمهورية.
ومن أبرز الوقائع فوز د. عبد السلام السيد بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، وهو المعروف بانتمائه العقائدي لجماعات الإخوان المسلمين وكذلك عائلته، وذلك ليصبح أول مسلم ينتخب عضواً في هذا المجلس في تاريخ الولايات المتحدة.
هذه الواقعة لها أهمية سياسية وديموغرافية وانتخابية، لكنها لا تعني بحد ذاتها أن الإسلام السياسي استولى على المؤسسات الأميركية، ولا تثبت أن جميع الناخبين المسلمين يصوتون وفق توجيهات تنظيمية واحدة.
المشكلة التي نناقشها أعمق من ذلك بكثير.
إن الكتل الانتخابية المنظمة، أياً كانت هويتها، تستطيع أن تصبح مؤثرة في الدوائر المتقاربة النتائج، وأن تتحول إلى قوة تفاوضية تفرض شروطها على الأحزاب الكبرى. وعندما تستثمر تنظيمات عقائدية من مثل الإخوان المسلمين في هذه الحقيقة، يصبح من الضروري مراقبة برامجها وارتباطاتها وأهدافها السياسية. فالديمقراطية الأميركية تسمح للمواطن المسلم ولغير المسلم بأن ينتخب ويرشح نفسه ويصل إلى أعلى المناصب، وهذا حق دستوري لا يجوز المساس به. لكنها لا تمنح أي تنظيم إسلامي أو غير إسلامي حق استخدام هذه الحريات لإلغاء حريات الآخرين أو فرض حكم عقائدي عليهم.
جهاد الاقتراع… السلاح الجديد للإسلام السياسي
يجب أن نكون واضحين في مقاربة خطط وألاعيب وتقية الإسلام السياسي الذي لا يحتاج دائماً إلى بندقية أو تفجير انتحاري أو ميليشيا مسلحة كي يحقق أهدافه. فهو يستطيع أن يستخدم الانتخابات، والتحالفات الحزبية، والجمعيات، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، والبلديات، والنقابات، باعتبارها جبهات متعددة لمعركة سياسية واحدة، وهذا هو جوهر ما نسميه جهاد الاقتراع. ففي المجتمعات الديمقراطية، تتوفر للحركات الإسلامية السياسية مساحة واسعة من الحرية والتنظيم والتعبير، وتستطيع أن تستفيد من القوانين التي تحمي التعددية الدينية والسياسية. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الحريات إلى أدوات لبناء مشروع سلطوي جهادي وديني لا يؤمن فعلياً بحق الآخرين في ممارسة الحريات نفسها، وتقوم استراتيجية التمكين الانتخابي لدى هذه التنظيمات الإسلامية الجهادية والإرهابية على:
تعبئة الناخبين على أساس الولاء الديني والعقائدي والتنظيمي.
استثمار الثقل الديموغرافي في الدوائر الانتخابية المتقاربة.
الضغط على الأحزاب الكبرى للحصول على تنازلات سياسية.
بناء تحالفات انتخابية مرحلية مع قوى تختلف معها عقائدياً.
السيطرة التنظيمية أو التأثير الواسع في مؤسسات المجتمع المدني.
إدخال كوادرها إلى المجالس البلدية والمؤسسات التشريعية ومراكز التأثير.
تحويل المكاسب الانتخابية إلى نفوذ سياسي وتشريعي وإعلامي طويل الأمد.
وهكذا يصبح صندوق الاقتراع، في حسابات هذه الحركات، جبهة من جبهات الجهاد السياسي…. إنها معركة لا تُخاض بالضرورة بالسلاح، والعمليات الإرهابية بكافة أنواعها، بل بالأصوات، والتنظيم، والمال، والتحالفات، واستغلال الثغرات القانونية والسياسية. والسؤال الذي يجب أن يطرحه الغرب هو: هل تقبل هذه التنظيمات بالديمقراطية باعتبارها مبدأ دائماً، أم تقبل بها فقط عندما تكون طريقاً إلى السلطة؟
الإخوان المسلمون ومشروع التمكين
من المستحيل فهم جانب أساسي من الإسلام السياسي المعاصر بشقيه السني والشيعي على حد سواء من دون دراسة مفاهيم وعقائد ومخططات ومشاريع جماعة الإخوان المسلمين، التي أسسها حسن البنا في مصر عام 1928. فالإخوان ليسوا مجرد جمعية خيرية أو حركة دينية تقليدية، بل حركة أيديولوجية ذات مشروع سياسي وتنظيمي عابر للحدود، يقوم على جعل الإسلام مرجعية للحكم والمجتمع والدولة. وقد تطورت وسائل عمل الجماعة وفروعها عبر العقود، ودخلت بعض هذه الفروع الانتخابات والبرلمانات، وأقامت تحالفات سياسية، ووصل بعضها إلى الحكم. لكن المشاركة الانتخابية لا تعني تلقائياً التخلي عن المشروع العقائدي الجهادي أو قبول جميع أسس الدولة المدنية والديمقراطية الليبرالية. فإن مفهوم التمكين في أدبيات كل التيارات الإسلامية الجهادية يشير إلى الانتقال من مرحلة بناء التنظيم والقاعدة الاجتماعية إلى مرحلة توسيع النفوذ والوصول إلى مراكز السلطة، وهنا تكمن أهمية مراقبة ما تعلنه هذه الحركات في برامجها الانتخابية، وما تقوله في أدبياتها الداخلية، وما تمارسه عندما تصبح صاحبة سلطة. لذلك لا يجوز للغرب أن يكتفي بسماع الشعارات الديمقراطية، بل عليه أن يسأل عن الموقف الحقيقي من حرية الاعتقاد، وحقوق المرأة، وحقوق المسيحيين واليهود، وحرية التعبير، واستقلال القضاء، والتداول السلمي للسلطة.
التقية والتدرج والناسخ والمنسوخ… إشكالية الخطاب المرحلي
إن من القضايا التي يجب التوقف عندها في دراسة الخطاب الديني السياسي لجماعات الإخوان المسلمين بكافة تنظيماتها وفروعها مسألة التدرج في العمل، والتفاوت بين الخطاب المعلن والممارسة السياسية، وكيفية توظيف النصوص الدينية في خدمة الأهداف العقائدية. فهذه الحركات تقدم نفسها في المجتمعات الغربية باعتبارها حركات معتدلة، ومدافعة عن الحريات والتعددية وحقوق الأقليات، بينما تتبنى في أدبياتها أو مواقفها الأخرى تصورات مختلفة عن الدولة والمجتمع ومصدر التشريع. كما لا يجوز أن نعتبر كل خطاب معتدل خداعاً، أو أن ننسب التقية إلى كل مسلم، لكن من حقنا، بل من واجبنا، أن نسأل عن مدى تطابق الخطاب العلني مع البرنامج السياسي الفعلي. وهنا تبرز أهمية دراسة مفاهيم التقية والتدرج والتمكين في سياقاتها الفقهية والتنظيمية، وعدم السماح باستخدامها لتبرير إخفاء الأهداف السياسية أو التهرب من المساءلة. أما تقسيم الآيات القرآنية إلى آيات مسالمة في مرحلة الضعف وآيات قتال في مرحلة القوة، فهو موضوع تفسيري وفقهي معقد، ولا يجوز اختزاله في معادلة واحدة تنطبق على جميع المسلمين. لكن ما يجب أن يفهمه الغرب هو أن الشعارات الدينية والانتخابية لا تكفي للحكم على أي حركة. المعيار هو برنامجها الحقيقي وسلوكها عندما تمتلك القوة.
التحالف الانتهازي بين اليسار والإسلام السياسي والمثليين
من المفارقات التي تستحق النقد والدراسة في السياسة الغربية نشوء تحالفات انتخابية ومصلحية بين تيارات من اليسار الراديكالي وجماعات الإسلام السياسي والمثليين. إن هذا التحالف لا يقوم على وحدة العقيدة أو القيم، بل على تقاطع المصالح الانتخابية والسياسية الآنية. فاليسار يحتاج إلى أصوات الناخبين المسلمين في بعض الدوائر، والإسلام السياسي يحتاج إلى أبواب المؤسسات التي يملك اليسار نفوذاً فيها، وإلى التحالفات التي تساعده على توسيع حضوره السياسي… والمثليين يحتاجون إلى قوى تدعم مطالبهم… وهنا تظهر مفارقة صارخة. الجماعات الإسلامية السياسية تتبنى مواقف شديدة المحافظة، وترفض المثلية الجنسية، وتعارض جوانب أساسية من الحريات الفردية التي تدافع عنها جماعات اليسار. ومع ذلك، نجد تقاطعات انتخابية وسياسية بين الأطراف الثلاثة عندما تتلاقى مصالحها ضد خصم مشترك. اليسار يرفع شعارات التنوع والتعددية، بينما تتبنى حركات إسلامية حليفة له تصورات دينية وسياسية لا تقبل التعددية بالمعنى الليبرالي… ونفس المعادلة الانتهازية تنطبق على تحالف المثليين مع من يسكت أو يؤيد مطالبهم الحياتية والحقوقية.. فأي تحالف هذا؟ وأي انسجام فكري بين مشاريع وتطلعات ومفاهيم وقيم وأنماط حياة متناقضة. إنه تحالف مصالح وأصوات، وليس تحالف مبادئ.
والخطر أن بعض الأحزاب الغربية قد تكتشف متأخرة أن الأصوات التي استثمرت فيها لا تتبنى بالضرورة المشروع الاجتماعي والثقافي الذي تدافع عنه.
مثال حماس وغزة… ماذا يفعل الإسلام السياسي بعد الفوز؟
إن تجربة حماس الفلسطينية تقدم نموذجاً لا يجوز تجاهله عند مناقشة علاقة الإسلام السياسي بالانتخابات. ففي كانون الثاني 2006، فازت حماس الجهادية والإرهابية بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، في انتخابات شاركت فيها حركة فتح وسائر القوى السياسية. لكن في حزيران 2007، وبعد مواجهات مسلحة دامية مع فتح، سيطرت حماس بالقوة على قطاع غزة، وطردت السلطة الفلسطينية منه، وأقامت حكماً منفرداً لم تُجرَ في ظله انتخابات عامة جديدة. هذه الوقائع ليست مجرد تفاصيل تاريخية، بل تطرح سؤالاً جوهرياً عن الفرق بين الفوز الانتخابي واحترام الديمقراطية. فالانتخابات تمنح الفائز حق الحكم ضمن الدستور والقانون، ولا تمنحه حق إلغاء المعارضة أو استخدام السلاح ضد الخصوم أو احتكار السلطة إلى أجل غير مسمى. وهنا يظهر الفارق بين الديمقراطية كقيمة سياسية ثابتة، والديمقراطية كوسيلة تكتيكية للوصول إلى الحكم.
هتلر والدرس التاريخي الذي لا يجوز نسيانه
التاريخ الأوروبي نفسه يقدم مثالاً صارخاً على خطورة وصول الحركات الشمولية إلى السلطة عبر المسارات السياسية والدستورية. فأدولف هتلر وصل إلى منصب المستشار في 30 كانون الثاني 1933 بتعيين رئاسي، بعد أن أصبح الحزب النازي قوة انتخابية كبيرة واستفاد من التحالفات والمناورات السياسية.
وبعد وصوله إلى الحكم، استعمل مؤسسات الدولة والقوانين الاستثنائية لتفكيك الديمقراطية، وحظر الأحزاب المعارضة، وأقام نظاماً ديكتاتورياً. هنا الدرس التاريخي واضح: الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات أو الإجراءات الدستورية لا يثبت وحده أن الحركة ملتزمة بالديمقراطية. فمن حق الشعوب أن تعرف مسبقاً ما إذا كان من يصل إلى الحكم سيحافظ على حقوق خصومه، أم سيستخدم سلطته لإلغاء وجودهم السياسي.
دور قطر وتركيا وإيران… المال والتنظيم والسلاح
لا يمكن دراسة الإسلام السياسي السني والشيعي القائم على أسس وقواعد وأيديولوجية مفاهيم جماعات الإخوان المسلمين الإرهابية بمعزل عن شبكة النفوذ الإقليمية والدولية التي تدعمه وتستثمر في تمدده، وتبرز هنا ثلاث دول ذات أدوار مختلفة: قطر: تمتلك أدوات مالية وإعلامية ودبلوماسية واسعة، ولها تاريخ من العلاقات مع حركات وشخصيات مرتبطة بالإسلام السياسي، إضافة إلى نفوذ إعلامي دولي مؤثر. تركيا: في عهد رجب طيب أردوغان، أصبحت حليفاً سياسياً لعدد من التيارات الإسلامية، وتستخدم أدواتها السياسية والإعلامية والاقتصادية لتعزيز نفوذها الإقليمي. إيران: تقود مشروعاً إسلامياً سياسياً وعسكرياً شيعياً تحت سلطة ولاية الفقيه، وتستعمل التنظيمات المسلحة التابعة لها في المنطقة لتوسيع نفوذها على حساب سيادة الدول.
الإسلام السياسي السني والشيعي ليسا تنظيماً واحداً، لكنهما يتقاطعان في حالات كثيرة في تقديم المرجعية العقائدية والتنظيمية على مفهوم الدولة الوطنية المستقلة. فالشق السني يضم تيارات وتنظيمات متعددة، منها الإخوان المسلمون وحماس والقاعدة وبوكو حرام، مع اختلاف كبير في البنية والأهداف والوسائل بينها.
أما الشق الشيعي فتبرز فيه أذرع النظام الإيراني، وفي مقدمتها حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، وفصائل مسلحة عراقية مرتبطة بطهران. وهذه التنظيمات ليست كلها متطابقة في أهدافها أو أساليبها، لكن وجودها يفرض على الدول الغربية التعامل مع التمويل الخارجي والتنظيمات العابرة للحدود والتدخلات السياسية والعسكرية بجدية وشفافية.
الرسالة المشرقية إلى الغرب
نحن في الشرق الأوسط لا نقرأ هذه المسائل من الكتب وحدها. لقد عشنا تجارب طويلة مع أنظمة دينية وسياسية، ومع تنظيمات مسلحة، ومع دول انهارت فيها التعددية أمام سلطة العقيدة والسلاح. ففي لبنان، نعرف جيداً ماذا يعني أن يصبح هناك تنظيم مسلح يمتلك قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة، وأن يتقدم الولاء لمرجعية خارجية على الولاء للدستور والوطن، ونعرف أيضاً كيف يمكن أن تتحول الشعارات الدينية والمقاومة والجهاد إلى أدوات لتبرير احتكار السلطة والقرار. ولهذا فإن التحذير الذي نوجهه إلى الغرب ليس تحذيراً من المسلمين، بل من الإسلام السياسي الذي يريد تحويل الدين إلى سلطة سياسية فوق الدستور والقانون. فالمسلم الذي يعيش في أميركا أو كندا أو أوروبا، ويحترم الدستور، ويؤمن بالمساواة، ويقبل بحق الآخرين في ممارسة حرياتهم، هو مواطن كامل الحقوق والواجبات. أما التنظيم الذي يريد استغلال الديمقراطية لإقامة نظام لا يعترف بحقوق غير أتباعه، فهو خصم لمبادئ الديمقراطية، بصرف النظر عن الدين الذي يتخذه غطاءً لمشروعه.
الخلاصة: من الجهاد بالسيف إلى الجهاد بالاقتراع
إن الانتخابات الأميركية الأخيرة يجب أن تكون مناسبة لقراءة أعمق لمستقبل الديمقراطية الغربية، وللتنبه إلى أن الصراع السياسي في المجتمعات الحديثة لا يجري دائماً بالسلاح، بل قد يجري من خلال صناديق الاقتراع والتحالفات الحزبية والمؤسسات والمال والإعلام. فإن جهاد الاقتراع هو التعبير السياسي عن استخدام الانتخابات كوسيلة للتمكين، عندما تصبح الغاية من المشاركة الديمقراطية الوصول إلى السلطة، لا احترام قواعدها وقيمها ومبادئها، والإسلام السياسي، بشقيه السني والشيعي، يستحق دراسة نقدية جادة لا تجامل ولا تساير، ولا تخلط بينه وبين الإسلام كدين أو المسلمين كمواطنين. من هنا لا يجوز للغرب أن يتعامل بسذاجة مع التنظيمات التي ترفع شعارات الديمقراطية في المعارضة، ثم ترفض التعددية عندما تصل إلى الحكم. كما لا يجوز لليسار أن يتجاهل التناقضات العقائدية والسياسية مع حلفائه الانتخابيين لمجرد الحصول على أصوات إضافية… وفي نفس السياق لا يجب على المثليين أن يتحالفوا مع من يُجرم ويُحرم ويخوّن نمط حياتهم الاجتماعية… والأهم أنه لا يجوز للمؤسسات الغربية أن تتغاضى عن أي تمويل خارجي أو ارتباط تنظيمي أو محاولة لفرض سلطة دينية على المجتمع المدني. إن صندوق الاقتراع ليس سلاحاً ضد الديمقراطية، لكن يمكن تحويله إلى سلاح سياسي ضدها عندما تستخدمه حركات لا تقبل بالتداول السلمي للسلطة ولا بالمساواة بين المواطنين. إن الجهاد بالسيف دمّر دولاً ومجتمعات، وجهاد الاقتراع قد يتحول إلى طريق آخر للتمكين إذا غابت المحاسبة والشفافية وحماية المؤسسات. احذروا أن يتحول صندوق الاقتراع إلى حصان طروادة يدخل منه أعداء التعددية وجماعات الإرهاب والبربرية إلى مؤسسات الديمقراطية!
فالديمقراطية لا تحمي نفسها بمجرد فتح صناديق الانتخاب، بل بحماية الدستور والقانون والحريات وحق كل مواطن في أن يعيش حراً، مهما كان دينه أو أصله أو معتقده. يبقى أن الغرب ليس مطالباً بالتخلي عن ديمقراطيته، بل مطالب بأن يفهم أن من حق الجميع المشاركة في الانتخابات، وليس من حق أي جهة استخدام هذه المشاركة لإلغاء الديمقراطية نفسها.
وفي النهاية من المهم جداً أن يفهم العالم بكافة دوله وأنظمته حقيقة تناقضات طروحات الإخوان المسلمين:Post
في مرحلة الضعف في الغرب وفي أي بلد من بلدان العالم (دار الحرب) يرفع الإخوان المسلمون آيات مكة – آيات الصبر والمسالمة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا” [آل عمران: 200] “وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ” [النحل: 127] “إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ” [البقرة: 153] “وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ” [الأنفال: 61] “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ” [البقرة: 256] “لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ” [الكافرون: 6] بهذه الآيات يخاطبون الغرب: نحن معتدلون، ديمقراطيون، نؤمن بالتعايش.
وعند التمكين والقوة (دار الإسلام) في أي بلد كان، يطبق الإخوان المسلمون آيات المدينة – آيات السيف والتمكين التي تنسخ ما قبلها: “فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ” [التوبة: 5] “قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ” [التوبة: 29] “وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ” [الأنفال: 39] “وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا” [الأحزاب: 26]
***الكاتب ناشط لبناني اغترابي رابط موقع الكاتب الإلكتروني https://eliasbejjaninews.com عنوان الكاتب الإلكتروني phoenicia@hotmail.com
رابط فيديو تعليق مهم للمفكر والكاتب والإعلامي ابراهيم عيسى يتاناول من خلاله نجاح نواب للإخوان المسلمين في الإنتخابات الأميركية عنوانه..عبدول فاز وترامب خسر والاخوان وصلوا وكونجرس جديد ضد مصر