web analytics
4.7 C
Mississauga
Thursday, October 29, 2026
Home مقالات سياسية وإيمانية عربية وانكليزية للياس بجاني الياس بجاني/الأحزاب العربية في دولة إسرائيل، النشأة، الخلفيات الفكرية والسياسية، مواقعها في النظام...

الياس بجاني/الأحزاب العربية في دولة إسرائيل، النشأة، الخلفيات الفكرية والسياسية، مواقعها في النظام السياسي، علاقتها بالهوية الفلسطينية، الإسلام السياسي، القومية العربية، اليسار، يهودية الدولة، منظمة حماس، والمشاركة في الحكم

31

الياس بجاني/الأحزاب العربية في دولة إسرائيل، النشأة، الخلفيات الفكرية والسياسية، مواقعها في النظام السياسي، علاقتها بالهوية الفلسطينية، الإسلام السياسي، القومية العربية، اليسار، يهودية الدولة، منظمة حماس، والمشاركة في الحكم
الياس بجاني/29 تشرين الأول/2026

في هذه الدراسة الموجزة، المستندة إلى مراجع توثيقية ومصادر إعلامية ومواقع إلكترونية، إضافة إلى الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي، سوف أحاول تسليط الضوء على الأحزاب العربية في دولة إسرائيل، من مختلف جوانبها التاريخية والفكرية والسياسية، بما يشمل نشأتها وخلفياتها الأيديولوجية، ومواقعها في النظام السياسي الإسرائيلي، وعلاقتها بالهوية الفلسطينية والقومية العربية والإسلام السياسي والتيارات اليسارية. كما تتناول الدراسة مواقف هذه الأحزاب من تعريف إسرائيل دولةً يهودية، ومن حركة حماس والقضية الفلسطينية، فضلاً عن رؤيتها للمشاركة في الحكم، وحدود تأثيرها في صناعة القرار السياسي الإسرائيلي، والتباينات القائمة بينها في مقاربة حقوق المواطنين العرب ومصالحهم، والعلاقة بين المواطنة الإسرائيلية والهوية الوطنية الفلسطينية.

مقدمة: من هم عرب 48، وما موقعهم في الدولة الإسرائيلية؟
يُطلق تعبير «عرب 48» على العرب الذين بقوا داخل الأراضي التي قامت عليها دولة إسرائيل عام 1948، وعلى أبنائهم وأحفادهم، ويُستخدم أيضاً تعبير «المواطنون العرب في إسرائيل» و«الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل». ويعيش هؤلاء ضمن المجتمع الإسرائيلي، ويحمل معظمهم الجنسية الإسرائيلية، ويتمتعون بحق الانتخاب والترشح للكنيست، (مجلس النواب) مع استمرار الجدل حول المساواة الفعلية في الحقوق والموارد والاعتراف بالهوية القومية الفلسطينية. هذا ويشكّل المواطنون العرب نحو خُمس سكان إسرائيل، أي قرابة 20%، مع اختلاف النسبة الدقيقة تبعاً للسنة والتعريف الإحصائي والفئات السكانية المشمولة. وهم ليسوا كتلة سياسية أو اجتماعية متجانسة؛ بل يتوزعون بين المسلمين والمسيحيين والدروز، وبين اتجاهات إسلامية محافظة، ويسارية وشيوعية، وقومية فلسطينية، وتيارات مدنية براغماتية، إضافة إلى أفراد ومجموعات تصوّت لأحزاب إسرائيلية يهودية أو تمتنع عن المشاركة الانتخابية. وتنبع أهمية الأحزاب العربية من كونها تعمل داخل نظام سياسي تعرّف فيه إسرائيل نفسها دولة يهودية وديمقراطية، بينما يطالب جزء أساسي من التمثيل السياسي العربي بإعادة تعريف العلاقة بين هوية الدولة اليهودية، والمواطنة المتساوية، والحقوق القومية الجماعية للعرب الفلسطينيين.
ولا يقتصر الخلاف بين هذه الأحزاب على الموقف من إسرائيل أو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ بل يشمل أيضاً سؤالاً عملياً أساسياً: هل يمكن انتزاع الحقوق المدنية والميزانيات والخدمات من خلال المشاركة في الحكومات الإسرائيلية، أم أن المشاركة قد تمنح شرعية سياسية لنظام لا يعترف بالمساواة القومية الكاملة؟ يشار إلى أنه  تجسّد الأحزاب الأربعة التي تتناولها هذه الدراسة اتجاهات مختلفة في الإجابة عن هذا السؤال: القائمة العربية الموحدة (رعام)، والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش)، والحركة العربية للتغيير (تعال)، والتجمع الوطني الديمقراطي (بلد). هذا ومن الضروري التمييز منذ البداية بين هذه الأحزاب الأربعة وبين جميع العرب في إسرائيل؛ فالأحزاب هذه لا تمثل بالضرورة مواقف كل المواطنين العرب، كما أن المواقف السياسية تتغير بين مرحلة وأخرى، وبين القيادات والقواعد الانتخابية.

أولاً: الخلفية التاريخية لتشكّل الأحزاب العربية
لا يمكن فهم الأحزاب العربية الحالية من دون العودة إلى التحولات التي عرفها المجتمع العربي الفلسطيني الذي بقي داخل إسرائيل بعد حرب 1948.
1. من الحكم العسكري إلى المشاركة البرلمانية
عاش المواطنون العرب في إسرائيل خلال السنوات الأولى من قيام الدولة تحت نظام الحكم العسكري الذي فُرض على معظم المناطق العربية حتى عام 1966. وترك ذلك النظام آثاراً عميقة في العلاقة بين الدولة ومواطنيها العرب، ولا سيما في قضايا حرية الحركة، والأراضي، والتنظيم السياسي، والمساواة في الحقوق.وفي العقود اللاحقة، تطورت الحركة السياسية العربية عبر مسارات متعددة:
المسار الشيوعي واليساري: استند إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي، الذي جمع عرباً ويهوداً في إطار سياسي مشترك، ورفع شعارات المساواة الاجتماعية وإنهاء الاحتلال.
المسار القومي الفلسطيني: ركّز على الهوية الوطنية الفلسطينية، والاعتراف بالعرب في إسرائيل أقلية قومية ذات حقوق جماعية، وانتقد تعريف الدولة باعتبارها دولة يهودية.
المسار الإسلامي: نشأ من تنامي النشاط الديني والاجتماعي الإسلامي، وتبلور في الحركة الإسلامية داخل إسرائيل، ثم انقسم إلى تيارين رئيسيين.
المسار المدني البراغماتي: أعطى الأولوية لتحسين الظروف المعيشية للمواطنين العرب، وتطوير البلدات العربية، والحصول على الميزانيات، ومحاربة الجريمة، وتوسيع المشاركة في المؤسسات الحكومية.
وقد أسهمت هذه المسارات في تشكيل الأحزاب الأربعة موضوع الدراسة، وإن كانت الحدود بينها غير مطلقة؛ فبعض الأحزاب تجمع بين المطالب الوطنية والاجتماعية، وبعضها يوازن بين الهوية الفلسطينية والعمل ضمن المؤسسات الإسرائيلية.

2. لماذا تتحد الأحزاب العربية أحياناً وتنقسم أحياناً أخرى؟
تُعدّ «القائمة المشتركة» أبرز تجربة لتوحيد قوى سياسية عربية مختلفة. فقد تأسست قبل انتخابات عام 2015، وجمعت أربعة مكونات سياسية، هي رعام وحداش وتعال وبلد، وفازت بـ13 مقعداً. وعادت الأحزاب الأربعة إلى التحالف في انتخابات 2020، وحصلت على 15 مقعداً.
لكن الخلافات الأيديولوجية والشخصية والاستراتيجية أدت إلى تفكك التحالف، خصوصاً بعد قرار رعام خوض انتخابات 2021 منفردة، بهدف اتباع نهج أكثر استعداداً للتفاوض مع الأحزاب اليهودية والمشاركة في الائتلاف الحكومي.
أما في انتخابات 2026، فقد عادت حداش وتعال وبلد إلى خوض الانتخابات ضمن قائمة مشتركة، فيما خاضت رعام الانتخابات منفردة. وتُظهر هذه الصيغة أن الخلاف الأساسي ليس حول ضرورة معالجة قضايا المواطنين العرب، بل حول الوسائل السياسية والحدود التي يمكن تجاوزها لتحقيق تلك المطالب. ومن المهم هنا التمييز بين الحزب السياسي والقائمة الانتخابية: فالقائمة المشتركة تحالف انتخابي يضم أحزاباً تحت مظلة واحدة، وليست بالضرورة حزباً اندمجت فيه جميع تلك الأحزاب تنظيمياً وفكرياً.

ثانياً: القائمة العربية الموحدة — رعام (Ra’am)
1. القائمة العربية الموحدة 
بالعبرية: רע״ם — بالعربية: رعام
التيار: إسلامي محافظ ذو توجه سياسي براغماتي.
أبرز شخصية: منصور عباس.
التأسيس: 1996.
القاعدة الفكرية: الحركة الإسلامية الجنوبية في إسرائيل، مع تركيز على المصالح المدنية والاجتماعية للمواطنين العرب.
أ. الخلفية الفكرية والتنظيمية
تُعدّ رعام الجناح السياسي المرتبط بالفرع الجنوبي للحركة الإسلامية في إسرائيل. وتعود جذور الحركة الإسلامية إلى النشاط الديني والاجتماعي الذي نشأ بين فلسطينيي الداخل، متأثراً بمدارس الإسلام السياسي والحركات الإسلامية في المنطقة، ومنها فكر جماعة الإخوان المسلمين. لكن من الضروري عدم التعامل مع كل تيار إسلامي باعتباره نسخة مطابقة عن جماعة أخرى؛ فرعام تعمل ضمن النظام السياسي الإسرائيلي، وتخوض الانتخابات للكنيست، وتتفاوض مع أحزاب مختلفة، وتتبنى استراتيجية تركز على تحقيق مكاسب مدنية ملموسة. وانقسمت الحركة الإسلامية في إسرائيل في التسعينيات بشأن المشاركة في انتخابات الكنيست. واتجه الفرع الجنوبي إلى المشاركة السياسية، بينما اتخذ الفرع الشمالي موقفاً رافضاً لهذه المشاركة، قبل أن تحظر السلطات الإسرائيلية الفرع الشمالي عام 2015. ويفسر هذا الانقسام جانباً مهماً من هوية رعام: فهي ترى أن العمل البرلماني والتفاوض مع الحكومة يمكن أن يوفرا أدوات عملية لتحسين حياة المواطنين العرب، حتى مع بقاء الخلافات حول الهوية القومية للدولة والسياسات الإسرائيلية.
ب. التوجه الاجتماعي والسياسي
تجمع رعام بين المحافظة الاجتماعية ذات المرجعية الإسلامية، والعمل السياسي البراغماتي. ومن أبرز الملفات التي تركز عليها:
مكافحة الجريمة المنظمة والعنف المسلح في البلدات العربية.
توسيع الميزانيات المخصصة للسلطات المحلية العربية.
معالجة أزمة الأراضي والتخطيط والبناء والسكن.
تطوير البنية التحتية، والتعليم، وفرص العمل والمناطق الصناعية.
تحسين الخدمات العامة وتقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية.
ولا يعني هذا التوجه أن رعام تخلت عن القضية الفلسطينية؛ فهي تؤيد إقامة دولة فلسطينية، وإنهاء الاحتلال وتفكيك المستوطنات، وتعلن دعم حقوق الفلسطينيين. غير أن استراتيجيتها السياسية تعطي وزناً كبيراً لما يمكن تحقيقه مباشرة لمصلحة المواطنين العرب داخل إسرائيل.
ج. منصور عباس وتجربة المشاركة في الحكومة
أصبح منصور عباس الشخصية الأبرز في رعام، وقاد الحزب إلى اتخاذ خطوة سياسية غير مسبوقة في انتخابات 2021، حين انضم إلى الائتلاف الذي دعم حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد. كانت تلك أول مرة يدخل فيها حزب عربي مستقل، بهذه الصيغة، في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي. وقد استند القرار إلى قناعة بأن القدرة على التأثير في الميزانيات والسياسات المدنية قد تتطلب التعامل مع أحزاب يهودية تختلف معها رعام في قضايا الهوية والقومية.
وأثار القرار جدلاً واسعاً بين العرب في إسرائيل:
أنصار المشاركة رأوا أن المقاطعة الدائمة تترك الحكومة تتخذ القرارات من دون تأثير عربي كافٍ، وأن التفاوض يمكن أن يحقق مكاسب ملموسة.
منتقدو المشاركة اعتبروا أن الانضمام إلى حكومة إسرائيلية قد يمنحها شرعية سياسية، من دون ضمان تغيير السياسات التي يعتبرونها تمييزية أو من دون تحقيق تقدم كافٍ في القضية الفلسطينية. وهكذا أصبحت تجربة رعام اختباراً عملياً للسؤال المتعلق بحدود البراغماتية السياسية: ما الذي يمكن الحصول عليه من المشاركة، وما الثمن السياسي الذي قد يترتب عليها؟
د. موقف رعام من يهودية الدولة
تُعدّ رعام أكثر استعداداً من الأحزاب القومية العربية للدخول في مفاوضات عملية مع مؤسسات الدولة التي تعرف نفسها دولة يهودية وديمقراطية. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الحزب يتبنى كل عناصر الصهيونية أو يتنازل عن المطالبة بالمساواة والاعتراف بالمواطنين العرب أقلية قومية.
والأدق هو القول إن رعام تفصل، في ممارستها السياسية، بين الخلاف حول تعريف الدولة وبين إمكان التوصل إلى اتفاقات مدنية داخل نظامها القائم.
هـ. موقفها من حماس والعنف السياسي
ينبغي التمييز بين رفض قتل المدنيين، والموقف من حماس بوصفها حركة سياسية وعسكرية، والموقف من الحقوق الوطنية الفلسطينية. فقد اتخذ منصور عباس مواقف أدانت الهجمات التي استهدفت المدنيين في 7 أكتوبر 2023، فيما ظل الحزب متمسكاً بضرورة معالجة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي سياسياً. ولا يصح اختزال موقف رعام في عبارة واحدة، مثل تأييد حماس أو رفض الشعب الفلسطيني؛ فهذه مسائل مختلفة. كما أن الموقف من استخدام القوة لا يساوي بالضرورة الموقف من الحقوق الوطنية الفلسطينية أو من حل الدولتين.
نقاط القوة والضعف
نقاط القوة:
القدرة على التفاوض مع أحزاب إسرائيلية مختلفة.
التركيز على قضايا يومية تمس حياة المواطنين العرب.
الاستعداد لتحويل التمثيل البرلماني إلى نفوذ تفاوضي.
نقاط الضعف والتحديات:
احتمال خسارة جزء من القاعدة الانتخابية التي ترى أن المشاركة تقدم تنازلات سياسية.
صعوبة التوفيق بين المرجعية الإسلامية المحافظة والتعددية الاجتماعية.
محدودية القدرة على فرض تغييرات جوهرية في السياسات الحكومية، خصوصاً عندما تكون رعام خارج الائتلاف أو عندما تكون مطالبها متعارضة مع أولويات شركائها.
الخلاصة: تمثل رعام نموذجاً للإسلام السياسي البراغماتي الذي يسعى إلى تحسين أوضاع المواطنين العرب من داخل النظام الإسرائيلي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تبني جميع الأسس القومية والأيديولوجية للدولة.

ثالثاً: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة — حداش 
2. الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواةبالعبرية: חד״ש — بالعربية: حداش
التيار: يساري اشتراكي وشيوعي، عربي ويهودي.
من أبرز الشخصيات تاريخياً: أيمن عودة، عوفر كسيف، عايدة توما سليمان، ويوسف جبارين.
الخلفية: امتداد للتقاليد السياسية للحزب الشيوعي الإسرائيلي، مع تركيز على المساواة المدنية والعدالة الاجتماعية والشراكة العربية اليهودية.
أ. النشأة والجذور الفكريةتعود جذور حداش إلى الحركة الشيوعية الإسرائيلية، التي تشكلت في سياق الصراع الأيديولوجي بين الرأسمالية والاشتراكية، وتأثرت تاريخياً بالفكر الماركسي واللينيني وبالحركة الشيوعية الدولية. وتطورت حداش باعتبارها إطاراً سياسياً أوسع من الحزب الشيوعي وحده، إذ ضمت شخصيات عربية ويهودية تؤيد السلام والمساواة الاجتماعية والاقتصادية، وتعارض الاحتلال والاستيطان. ومن المهم التمييز بين حداش وبين حزب عربي قومي صرف؛ فهي تؤكد أن التعاون السياسي بين العرب واليهود، على أساس المساواة ومعارضة الاحتلال، جزء من هويتها الأساسية.
ب. المبادئ السياسية والاجتماعية
تستند حداش إلى مجموعة من المبادئ المترابطة:
المساواة الكاملة بين المواطنين العرب واليهود في الحقوق والواجبات.
مكافحة التمييز في التعليم والسكن والعمل وتوزيع الموارد العامة.
الدفاع عن حقوق العمال والفئات الفقيرة والعدالة الاجتماعية.
إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967.
دعم قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل.
إقامة شراكة عربية يهودية قائمة على الاعتراف المتبادل والمساواة.
وعلى المستوى الاقتصادي، تختلف حداش عن الأحزاب التي تتبنى سياسات السوق الحرة بصورة أساسية، إذ تميل إلى دور أكبر للدولة في توفير الخدمات العامة، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وحماية العمال.
ج. هل حداش حزب عربي أم يهودي عربي؟
حداش إطار سياسي عربي يهودي، لكن قاعدته الانتخابية يغلب عليها المواطنون العرب. وهي تحاول الجمع بين مطلب المساواة المدنية داخل إسرائيل وبين مشروع سلام ينهي الاحتلال ويعترف بحقوق الشعب الفلسطيني. ويتيح هذا التوجه لها التواصل مع شرائح من اليسار الإسرائيلي اليهودي، لكنه يضعها أيضاً أمام تحديات سياسية؛ فالشراكة العربية اليهودية ليست سهلة في ظل الحروب والتوترات القومية، كما أن مواقفها من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تختلف جذرياً عن مواقف أحزاب اليمين الإسرائيلي.
د. موقف حداش من يهودية إسرائيل
تعارض حداش تعريف إسرائيل باعتبارها دولة قومية يهودية على نحو يمنح اليهود امتيازات قومية على حساب المواطنين العرب. وتنتقد قانون القومية الذي أقره الكنيست عام 2018، وتطالب بالمساواة الكاملة والاعتراف بالحقوق الجماعية للأقلية العربية. ويتمحور تصورها حول دولة ديمقراطية لجميع مواطنيها، مع حقوق متساوية للأفراد واعتراف بالهوية القومية العربية. وهذا لا يعني أن حداش تتبنى بالضرورة الصيغة نفسها التي يطرحها التجمع الوطني الديمقراطي؛ فحداش تربط هذا المطلب تقليدياً بالشراكة اليهودية العربية وببرنامجها اليساري.
هـ. موقفها من حماس وحرب غزة
تعارض حداش الحرب الإسرائيلية على غزة وتدعو إلى وقف القتال وحماية المدنيين، كما تؤكد الحقوق الوطنية الفلسطينية وتعارض الاحتلال. لكن ينبغي عدم مساواة انتقاد العمليات العسكرية الإسرائيلية بتأييد حماس أو تأييد كل أعمالها. فحداش إطار سياسي له مواقفه الخاصة من العنف والحرب، ولا يجوز تعميم تصريحات فردية لأحد أعضائه على جميع أعضائه أو اعتبار الدفاع عن الحقوق الفلسطينية موقفاً تلقائياً مؤيداً للعمل العسكري. كذلك، فإن وصف حماس بأنها حركة فلسطينية لا يحسم وحده الموقف من هجمات 7 أكتوبر، أو من استهداف المدنيين، أو من استخدام القوة المسلحة.
نقاط القوة والضعف
نقاط القوة:
خبرة سياسية وتنظيمية متراكمة.
خطاب يجمع بين القضايا الاجتماعية والقضية الفلسطينية.
قدرة على بناء تحالفات مع قوى يسارية عربية ويهودية.
اهتمام بالمساواة المدنية وحقوق العمال والفئات الأقل دخلاً.
نقاط الضعف والتحديات:
تقلص نفوذ اليسار الإسرائيلي عموماً مقارنة بمراحل تاريخية سابقة.
صعوبة بناء شراكة يهودية عربية واسعة خلال الحروب والأزمات الأمنية.
التوتر بين البرنامج الطبقي الاشتراكي وبين الأولوية التي تمنحها قطاعات من المجتمع العربي للهوية القومية الفلسطينية.
الاتهام، من خصومها القوميين، بأنها تعطي الأولوية للشراكة مع اليسار اليهودي على حساب استقلالية الخطاب الوطني الفلسطيني.
الخلاصة: حداش هي التيار الذي يحاول الجمع بين الاشتراكية والمساواة المدنية والتعاون العربي اليهودي، مع معارضة الاحتلال ودعم الحقوق الفلسطينية.

رابعاً: الحركة العربية للتغيير — تعال (Ta’al)
3. الحركة العربية للتغييربالعبرية: תע״ל — بالعربية: تعال
التيار: عربي فلسطيني، مدني ووطني، مع نهج براغماتي.
القيادة التاريخية والوجه الأبرز: أحمد الطيبي، الطبيب والسياسي وعضو الكنيست المخضرم.
الخلفية: حركة تتمحور بدرجة كبيرة حول الحقوق المدنية والوطنية للعرب الفلسطينيين في إسرائيل، والمشاركة البرلمانية، والدفاع عن القضية الفلسطينية.
أ. النشأة والخلفية السياسية
تأسست تعال بقيادة أحمد الطيبي، الذي سبق له العمل مستشاراً سياسياً للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. وقد أسهمت هذه الخلفية في إعطاء الحركة صلة واضحة بالخطاب الوطني الفلسطيني، مع احتفاظها باستراتيجية تقوم على العمل البرلماني داخل إسرائيل. وتختلف تعال عن حداش في أنها ليست حزباً شيوعياً أو اشتراكياً بالمعنى التنظيمي، كما تختلف عن رعام في أنها لا تنطلق من مرجعية إسلامية. وهي أقرب إلى تيار سياسي عربي مدني يركز على حقوق المواطنين العرب وحقوق الشعب الفلسطيني.
ب. أحمد الطيبي ودور القيادة الشخصية
يرتبط اسم تعال ارتباطاً وثيقاً بأحمد الطيبي، الذي بنى حضوراً سياسياً وإعلامياً بارزاً في الكنيست، وعُرف بخطاباته وانتقاداته الحادة للسياسات الإسرائيلية المتعلقة بالفلسطينيين. ويعكس هذا الارتباط قوة شخصية قيادية قادرة على الوصول إلى الجمهور، لكنه يثير أيضاً سؤالاً تنظيمياً: إلى أي مدى تستطيع الحركة توسيع قاعدتها وتجديد قياداتها خارج إطار الزعامة الشخصية؟ ولا يعني هذا أن تعال تقتصر على شخص واحد، بل إن حضور الطيبي الطويل يجعل شخصيته جزءاً محورياً من صورتها العامة.
ج. البرنامج السياسي
تركز تعال على:
المساواة المدنية بين المواطنين العرب واليهود.
مكافحة التمييز في الموازنات والخدمات العامة.
الدفاع عن حقوق اللغة العربية والثقافة والهوية الفلسطينية.
معالجة مشكلات السكن والتخطيط والبناء في البلدات العربية.
مكافحة الجريمة والعنف وتحسين التعليم وفرص العمل.
الدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، وإنهاء الاحتلال، وإقامة دولة فلسطينية.
وتعتمد الحركة على العمل البرلماني والخطاب السياسي والإعلامي لتحقيق أهدافها، من دون أن يكون لها البرنامج الاشتراكي الشامل الذي تتميز به حداش أو المرجعية الإسلامية التي تميز رعام.
د. موقف تعال من يهودية الدولة
تعارض تعال السياسات والتشريعات التي تراها مكرسة لعدم المساواة بين العرب واليهود، ولا سيما قانون القومية لعام 2018. وتطالب بمواطنة متساوية وبالاعتراف بالهوية القومية العربية والحقوق الجماعية للفلسطينيين داخل إسرائيل. لكنها، مثل حداش، تعمل ضمن المؤسسات البرلمانية الإسرائيلية، وتستخدم الكنيست منصة للاعتراض والمطالبة بالتغيير. لذلك يجب التمييز بين المشاركة في البرلمان وبين القبول بكل الأسس الأيديولوجية للنظام السياسي القائم.
هـ. موقفها من حماس والصراع الفلسطيني الإسرائيلي
تتعامل تعال مع القضية الفلسطينية من منظور وطني، وتنتقد السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وتدافع عن حقوق الفلسطينيين. لكن من غير الدقيق افتراض أن كل خطاب وطني فلسطيني يساوي تأييد حماس أو دعم هجماتها العسكرية. فالموقف من حقوق الشعب الفلسطيني، والموقف من حماس كتنظيم، والموقف من استهداف المدنيين، ثلاثة ملفات ينبغي بحث كل منها بصورة مستقلة.
نقاط القوة والضعف
نقاط القوة:
خبرة برلمانية وإعلامية واسعة لدى قيادتها.
قدرة على طرح القضايا العربية أمام الجمهور الإسرائيلي والعربي.
الجمع بين الحقوق المدنية والهوية الوطنية الفلسطينية.
مرونة أكبر من التيارات العقائدية الصلبة في بعض التحالفات الانتخابية.
نقاط الضعف والتحديات:
الاعتماد النسبي على شخصية أحمد الطيبي.
صعوبة المحافظة على استقلالية القرار الوطني مع العمل داخل مؤسسات الدولة.
المنافسة مع حداش وبلد على الجمهور العربي الذي يرفض تعريف إسرائيل كدولة يهودية حصرياً.
محدودية قدرة أي حزب عربي منفرد على فرض تغييرات كبيرة في السياسات الحكومية.
الخلاصة: تمثل تعال تياراً وطنياً فلسطينياً مدنياً وبراغماتياً، يجمع بين العمل البرلماني والدفاع عن الحقوق القومية الفلسطينية، مع مرونة سياسية نسبية مقارنة بالتيارات الأكثر أيديولوجية.

خامساً: التجمع الوطني الديمقراطي — بلد (Balad)
4. التجمع الوطني الديمقراطيبالعبرية: בל״ד — بالعربية: بلد
التيار: قومي فلسطيني، علماني وديمقراطي.
المؤسس الفكري الأبرز: عزمي بشارة.
من أبرز قياداته في السنوات الأخيرة: سامي أبو شحادة.
الفكرة المحورية: تحويل إسرائيل إلى «دولة جميع مواطنيها»، مع الاعتراف بالعرب الفلسطينيين أقلية قومية لها حقوق جماعية.
أ. النشأة والخلفية الفكرية
تأسس التجمع الوطني الديمقراطي في التسعينيات، وبرز فيه المفكر والسياسي عزمي بشارة، الذي أسهم في بلورة مشروع سياسي يرفض حصر تعريف إسرائيل في هويتها اليهودية، ويدعو إلى نظام ديمقراطي يقوم على المساواة بين المواطنين، مع الاعتراف بالهوية القومية الفلسطينية للعرب داخل إسرائيل.  ويمثل بلد تياراً قومياً فلسطينياً علمانياً، ويختلف بذلك عن رعام ذات المرجعية الإسلامية، وعن حداش ذات الخلفية الشيوعية والاشتراكية، وعن تعال التي تتميز بنهج وطني براغماتي مرتبط بقيادة أحمد الطيبي.
ب. ماذا تعني عبارة «دولة جميع مواطنيها»؟
هذا الشعار هو جوهر المشروع السياسي لبلد، ويعني أن الدولة ينبغي ألا تمنح مجموعة قومية امتيازاً دستورياً على حساب مجموعة أخرى، وأن تكون المواطنة المتساوية أساس الحقوق السياسية والمدنية. ويطالب التجمع بالاعتراف بالعرب الفلسطينيين في إسرائيل بوصفهم أقلية قومية أصلية، لا مجرد أفراد يحملون الجنسية الإسرائيلية، وبضمان حقوقهم الجماعية في اللغة والثقافة والتعليم والتمثيل السياسي. ويتضمن هذا التصور انتقاداً جوهرياً للتعريف القومي الإسرائيلي للدولة، بما فيه قانون القومية لعام 2018، الذي ينص على أن حق تقرير المصير القومي في دولة إسرائيل خاص بالشعب اليهودي. لكن ينبغي التمييز بين مطلب المساواة الدستورية وبين التفاصيل المتعلقة بكيفية تطبيقه؛ فمفهوم «دولة جميع مواطنيها» لا يعني بالضرورة إلغاء المواطنة الإسرائيلية أو طرد اليهود، بل يطرح تغييراً في الأساس القومي الذي تُعرّف الدولة نفسها على أساسه.
ج. الهوية الفلسطينية والحقوق الجماعية
يرى بلد أن المساواة الفردية وحدها لا تكفي إذا بقيت الهوية القومية العربية خارج الاعتراف الدستوري الكامل. ولذلك يطالب بضمانات للحقوق الجماعية، ومنها:
الاعتراف بالعرب الفلسطينيين أقلية قومية.
حماية اللغة العربية والثقافة والهوية الوطنية الفلسطينية.
المساواة في توزيع الأراضي والموارد والميزانيات.
إنهاء التمييز في مجالات السكن والتعليم والعمل.
الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال.
معالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة وفق الطرح الوطني الفلسطيني.
ويختلف بلد عن حداش في أن الخطاب القومي الفلسطيني يحتل مركزاً أساسياً في مشروعه، بينما تحاول حداش الجمع بين الهوية الفلسطينية والشراكة العربية اليهودية والبرنامج الاجتماعي اليساري.
د. الموقف من الصهيونية والرموز الوطنية الإسرائيلية
يُعدّ بلد الأكثر وضوحاً بين الأحزاب الأربعة في معارضته تعريف إسرائيل كدولة يهودية، وفي مطالبته بإعادة صياغة أسسها الدستورية على قاعدة المواطنة المتساوية. ويتصل هذا الخلاف بقضايا مثل قانون العودة، والرموز الوطنية، والعلاقة بين الدولة والهوية اليهودية، والحقوق القومية للعرب الفلسطينيين. لكن من الضروري عدم الخلط بين رفض الامتيازات القومية وبين رفض حقوق الأفراد اليهود أو الدعوة إلى إلغاء وجودهم. فالمشروع المعلن للحزب يتمحور حول إعادة تعريف الدولة وضمان المساواة والحقوق القومية الفلسطينية، وإن كان خصومه يرون أن بعض مقترحاته تتعارض مع طبيعة إسرائيل كدولة قومية يهودية.
هـ. الموقف من حماس والصراع المسلح
يتبنى بلد خطاباً قومياً فلسطينياً أكثر تشدداً من رعام في رفض تعريف إسرائيل السياسي القومي، وقد أثارت بعض مواقفه وتصريحات قياداته بشأن المقاومة الفلسطينية جدلاً واسعاً. وتعرض الحزب وقياداته لمحاولات استبعاد من الانتخابات، خصوصاً في سياق الاتهامات المتعلقة بتأييد الكفاح المسلح أو نفي الطابع اليهودي للدولة. وتبقى هذه الاتهامات والقرارات القانونية خاضعة للوقائع المحددة والإجراءات القضائية، ولا يصح التعامل مع كل اتهام سياسي على أنه حكم قانوني نهائي. ومن المهم أيضاً الفصل بين تأييد الحقوق الوطنية الفلسطينية، وتأييد حماس كتنظيم، وتبرير استهداف المدنيين. فهذه مواقف مختلفة، وينبغي تحديد ما قاله الحزب أو أحد قادته فعلياً في كل حالة.
نقاط القوة والضعف
نقاط القوة
وضوح الهوية القومية الفلسطينية.
طرح مباشر لقضية المساواة الدستورية والحقوق الجماعية.
نقد متماسك للأسس القومية التي يقوم عليها تعريف الدولة الإسرائيلية.
استقطاب قطاعات ترى أن الأحزاب الأخرى تقدم تنازلات أكبر في مسألة الهوية.
نقاط الضعف والتحديات:
صعوبة بناء تحالفات مع أحزاب إسرائيلية تقبل تعريف الدولة باعتبارها دولة يهودية.
احتمال أن تؤدي المواقف الأيديولوجية الحادة إلى تقليص فرص المشاركة في الحكم.
المنافسة على الأصوات مع حداش وتعال.
التعرض المتكرر لمحاولات الاستبعاد الانتخابي، وما يرافقها من نزاعات قانونية وسياسية.
الخلاصة: يمثل بلد التيار القومي الفلسطيني الأكثر وضوحاً في المطالبة بإعادة تعريف إسرائيل لتصبح دولة جميع مواطنيها، مع الاعتراف بالحقوق القومية الجماعية للعرب الفلسطينيين.

سادساً: مقارنة شاملة بين الأحزاب الأربعة

المقارنة التالية تلخص الاتجاهات العامة للأحزاب، وليست بديلاً عن مراجعة برامجها وتصريحاتها الرسمية في كل قضية.

المعيار

رعام

حداش

تعال

بلد

الخلفية الفكرية

إسلامية محافظة

يسارية وشيوعية

وطنية مدنية

قومية فلسطينية علمانية

أبرز شخصية مرتبطة بالحزب

منصور عباس

أيمن عودة تاريخياً؛ يوسف جبارين في قيادة القائمة المشتركة لعام 2026

أحمد الطيبي

عزمي بشارة مؤسساً؛ سامي أبو شحادة قيادياً

الأولوية السياسية

المصالح المدنية والخدمات

المساواة والعدالة الاجتماعية والسلام

الحقوق المدنية والوطنية

الحقوق القومية الفلسطينية

المشاركة في الحكومة

الأكثر استعداداً لها عملياً

أكثر تحفظاً تجاه الائتلافات التي تقودها أحزاب صهيونية

براغماتية في العمل البرلماني

الأكثر تشدداً في رفض الائتلافات التي تتطلب قبول الأسس القومية الإسرائيلية

تعريف إسرائيل كدولة يهودية

أكثر مرونة في التعامل مع الواقع القائم

تعارض الامتياز القومي الحصري

تعارض التمييز القومي

ترفض تعريف الدولة كدولة يهودية حصرياً

الموقف من حل الدولتين

مؤيد

مؤيد

مؤيد عموماً

يتصل بمشروع قومي فلسطيني أوسع، مع تركيز على دولة جميع المواطنين داخل إسرائيل

المرجعية الدينية

إسلامية

علمانية

مدنية

علمانية

أسلوب العمل

التفاوض على المكاسب المدنية

العمل السياسي والاجتماعي والتحالفات

العمل البرلماني والخطاب الوطني

الضغط لتغيير تعريف الدولة وحقوق الأقلية القومية

وتبرز من هذه المقارنة ثلاثة اتجاهات استراتيجية:
نهج المشاركة والتفاوض: تمثله رعام بصورة أوضح، إذ ترى أن العمل داخل الائتلافات يمكن أن يحقق مكاسب للمواطنين العرب.
نهج الشراكة والعدالة الاجتماعية: تمثله حداش، التي تربط المساواة المدنية بالتعاون العربي اليهودي وإنهاء الاحتلال.نهج الحقوق الوطنية الفلسطينية: يظهر في تعال وبلد، مع اختلاف واضح بينهما في درجة التشدد الأيديولوجي، وطبيعة المشروع القومي، والمرونة السياسية.
ولا تعني هذه الاتجاهات أن الأحزاب لا تتقاطع؛ فهي قد تتفق على مكافحة الجريمة أو زيادة الميزانيات أو رفض الاستيطان، ثم تختلف على تعريف الدولة أو المشاركة في الحكومة.

سابعاً: الأحزاب العربية وانتخابات 2026
شهدت انتخابات الكنيست التي جرت في 27 أكتوبر 2026 تطوراً مهماً في التمثيل السياسي العربي. فقد خاضت رعام الانتخابات منفردة، بينما خاضت حداش وتعال وبلد الانتخابات ضمن القائمة المشتركة. وكان الهدف من توحيد الأحزاب الثلاثة الحد من تشتت الأصوات، وزيادة فرص تجاوز العتبة الانتخابية، وتعزيز الحضور العربي في الكنيست. وتبلغ العتبة الانتخابية في إسرائيل 3.25% من الأصوات الصحيحة، وهو ما يجعل التحالفات ذات أهمية خاصة للأحزاب الأصغر. وبحسب التقارير المنشورة في 29 أكتوبر، كانت النتائج لا تزال أولية وقيد استكمال الفرز، ولا سيما الأصوات المحسوبة ضمن المظاريف المزدوجة. وأشارت بعض التقديرات إلى حصول القائمة المشتركة على 11 مقعداً ورعام على 8 مقاعد، بمجموع 19 مقعداً للأحزاب العربية، مع احتمال تغير التوزيع بينهما أثناء استكمال الفرز.
ماذا تعني هذه النتائج سياسياً؟ تعزيز قدرة الأحزاب العربية على التأثير في الحسابات البرلمانية وتشكيل الحكومات.
إعادة طرح السؤال حول إمكانية دعم حكومة من دون الانضمام الرسمي إليها.
زيادة الضغط على الأحزاب اليهودية المعارضة لتحديد موقفها من التعاون مع الممثلين السياسيين العرب.
إبراز الفرق بين التمثيل الانتخابي الكبير نسبياً وبين القدرة الفعلية على تحويل الأصوات إلى سياسات حكومية.
ومع ذلك، فإن امتلاك 19 مقعداً لا يعني أن الأحزاب العربية تشكل كتلة متجانسة، ولا يضمن مشاركتها في الحكومة. فالخلافات بين رعام والقائمة المشتركة قد تكون حاسمة في تحديد طبيعة أي تعاون مستقبلي.

ثامناً: الأحزاب العربية وقانون القومية الإسرائيلي
أقر الكنيست في يوليو 2018 قانون أساس: إسرائيل — الدولة القومية للشعب اليهودي، المعروف اختصاراً بقانون القومية. ويؤكد القانون أن حق تقرير المصير القومي في دولة إسرائيل خاص بالشعب اليهودي، ويعطي اللغة العبرية مكانة اللغة الرسمية للدولة، فيما يقرر أن للغة العربية مكانة خاصة. كما يتناول رموز الدولة وعاصمتها والاستيطان اليهودي. وقد انتقدت الأحزاب العربية الأربعة القانون، وإن اختلفت في تفسير جذور المشكلة والحل المطلوب:  رعام: تركز على المساواة المدنية والحقوق العملية، مع مرونة أكبر في التعامل السياسي مع الإطار الإسرائيلي القائم.
حداش: ترى أن القانون يكرّس عدم المساواة القومية، وتربط معارضته بمشروع ديمقراطي واجتماعي أوسع.
تعال: تعارض ما تعتبره انتقاصاً من حقوق المواطنين العرب ومن مكانة هويتهم ولغتهم.
بلد: ترى أن القانون يعكس المشكلة البنيوية في تعريف إسرائيل كدولة قومية يهودية، وتطالب بإعادة تعريفها دولة لجميع مواطنيها.
ويكشف هذا الخلاف أن القضية لا تتعلق بالحقوق الفردية وحدها، بل أيضاً بمن يملك حق تعريف هوية الدولة، وما إذا كان بالإمكان الجمع بين تعريف إسرائيل دولة يهودية وبين الاعتراف الكامل بالعرب الفلسطينيين أقلية قومية أصلية ذات حقوق جماعية.

تاسعاً: علاقة الأحزاب العربية بالقضية الفلسطينية وحماس
تُعدّ القضية الفلسطينية من أهم الملفات التي تتقاطع عندها الأحزاب الأربعة، لكن الاتفاق على الحقوق الوطنية الفلسطينية لا يعني تطابقها في المواقف من جميع الفصائل الفلسطينية أو من وسائل النضال السياسي والعسكري.
1. الحقوق الوطنية الفلسطينية
تؤيد الأحزاب الأربعة، بدرجات وصيغ مختلفة، حقوق الشعب الفلسطيني، وتعارض الاحتلال والاستيطان، وتدافع عن المساواة وحقوق الفلسطينيين. غير أن رعام تميل إلى إعطاء الأولوية للمصالح المدنية لمواطني إسرائيل العرب، بينما تربط حداش هذه المطالب بالسلام والعدالة الاجتماعية، وتبرز تعال الهوية الوطنية الفلسطينية، ويضع بلد مسألة الحقوق القومية الفلسطينية في صلب مشروعه السياسي.
2. الموقف من حماس
من الضروري عدم استخدام عبارة «الأحزاب العربية تؤيد حماس» أو «الأحزاب العربية ترفض حماس» باعتبارها وصفاً موحداً؛ فالمواقف تختلف بين القيادات والأحزاب والوقائع.ولفهم أي موقف بصورة دقيقة، يجب الفصل بين أربعة أسئلة:
هل يدعم الحزب حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره؟
هل يعترف بحماس بوصفها حركة موجودة في المجتمع الفلسطيني؟
هل يؤيد برنامج حماس السياسي أو حكمها في غزة؟
هل يبرر الهجمات التي تستهدف المدنيين أو يدعم العمل العسكري ضدهم؟
الإجابة عن سؤال لا تحدد تلقائياً الإجابات عن الأسئلة الأخرى. كما ينبغي التمييز بين التصريحات السياسية والقرارات الرسمية للحزب.

3. حرب غزة بعد 7 أكتوبر 2023
أدت الحرب إلى تعميق التوتر بين المجتمع العربي الفلسطيني داخل إسرائيل والمؤسسات الحكومية الإسرائيلية، وأصبحت حرية التعبير والتظاهر ومواقف الأحزاب من الحرب موضع خلاف سياسي وقانوني واسع.وفي هذه البيئة، واجهت بعض الأحزاب والقيادات اتهامات أو محاولات استبعاد انتخابي بسبب مواقفها من الصراع الفلسطيني أو من تعريف إسرائيل. لكن من الضروري تقييم كل حالة وفق تصريحاتها المحددة والإجراءات القانونية التي اتخذت بشأنها، وعدم الخلط بين النقد السياسي والتأييد المباشر للعنف.

عاشراً: الدروز والمسيحيون العرب والبعثيون — هل يمثلهم أحد هذه الأحزاب؟
أ. المواطنون الدروز
يتمتع المواطنون الدروز في إسرائيل بهوية دينية واجتماعية مميزة، ولهم مسارات سياسية متعددة. ويخدم كثير من الرجال الدروز في الجيش الإسرائيلي، كما ينشط أفراد من الطائفة في أحزاب يهودية إسرائيلية، في حين يشارك آخرون في أحزاب عربية أو قوائم محلية. ولا يصح اعتبار جميع الدروز كتلة مؤيدة لاتجاه سياسي واحد؛ فهناك خلافات داخل المجتمع الدرزي حول الهوية، والعلاقة بالدولة، والخدمة العسكرية، والحقوق المدنية، والعلاقة بالفلسطينيين.

ب. المسيحيون العرب
ينتمي المسيحيون العرب في إسرائيل إلى جماعات وكنائس متعددة، ويشاركون في الأحزاب العربية وفي أحزاب إسرائيلية أخرى. ولا يوجد حزب واحد يمثل جميع المسيحيين العرب أو يعبر عن موقف موحد لهم. وتتداخل خياراتهم السياسية مع قضايا الهوية العربية والفلسطينية، والحقوق الدينية، والتعليم، والعمل، والأمن، والمساواة المدنية.

ج. هل توجد أحزاب بعثية بارزة؟
لا تشكل البعثية اليوم أحد التيارات الأساسية في التمثيل البرلماني العربي الإسرائيلي. فقد كان الفكر القومي العربي، بما فيه بعض التيارات المتأثرة بالبعثية، حاضراً في البيئة الفكرية العربية الأوسع، لكن الأحزاب الأربعة الرئيسية الحالية تستند إلى خلفيات مختلفة:
رعام: الإسلام السياسي والعمل المدني.
حداش: اليسار والشيوعية.
تعال: القومية الفلسطينية المدنية والبراغماتية.
بلد: القومية الفلسطينية العلمانية والديمقراطية.
ولذلك لا يصح تصنيف بلد أو تعال على أنهما حزبان بعثيان لمجرد تبنيهما خطاباً قومياً عربياً أو فلسطينياً؛ فالقومية العربية ليست مرادفاً للبعثية.

الحادي عشر: ما الذي يحدد تأثير هذه الأحزاب في المجتمع العربي؟
لا يُقاس تأثير الأحزاب العربية بعدد المقاعد البرلمانية وحده، بل بقدرتها على تحويل التمثيل السياسي إلى نتائج ملموسة، وبعلاقتها بالمجتمع المحلي وبالمؤسسات الحكومية.
وتبرز خمسة عوامل رئيسية:
المشاركة الانتخابية: كلما ارتفعت نسبة التصويت العربي، زادت قدرة الأحزاب على الفوز بمقاعد والتأثير في الحسابات البرلمانية.
الوحدة الانتخابية: يمكن للتحالفات أن تمنع ضياع الأصوات التي لا تتجاوز العتبة، لكن الخلافات الشخصية والأيديولوجية قد تضعف فرص استمرارها.
القدرة على التفاوض: قد تحقق الأحزاب التي تدخل في اتفاقات حكومية مكاسب في الميزانيات والخدمات، لكنها تواجه أيضاً خطر تقديم تنازلات سياسية.
الملفات الاجتماعية والأمنية: تؤثر الجريمة والعنف وأزمة السكن والتعليم والعمل مباشرة في ثقة الناخبين بالأحزاب.
الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: تؤثر الحروب والأزمات الأمنية في العلاقة بين المواطنين العرب والدولة، وفي قدرة الأحزاب على المناورة السياسية. وهناك أيضاً عامل بنيوي لا تستطيع الأحزاب العربية تجاوزه بمفردها، وهو أن تمثيلها البرلماني يبقى أقل من أن يمنحها سلطة مستقلة لتشكيل الحكومة، ما لم تدخل في تحالفات أو تحصل على دعم كتل أخرى.

الثاني عشر: التقييم النهائي — أربعة أحزاب وأربع رؤى للعلاقة مع إسرائيل
تُظهر دراسة الأحزاب العربية في إسرائيل أن المجتمع العربي الفلسطيني داخل الخط الأخضر ليس كتلة سياسية واحدة، بل مجتمع متعدد الاتجاهات، تتنافس داخله رؤى مختلفة للمواطنة والهوية والحقوق القومية والمشاركة في الحكم.
رعام تراهن على التفاوض والعمل البرلماني لتحقيق مكاسب مدنية، وتقبل التعامل مع مؤسسات الدولة القائمة بدرجة أكبر من منافسيها.
حداش تربط المساواة المدنية بالعدالة الاجتماعية والشراكة العربية اليهودية، وتعارض الاحتلال والتمييز القومي من منظور يساري.
تعال تجمع بين الهوية الوطنية الفلسطينية والعمل البرلماني، وتمنح أهمية كبيرة لقيادة أحمد الطيبي وللمطالب المدنية والقومية للعرب.
بلد يطرح بصورة أكثر وضوحاً مشروع إعادة تعريف إسرائيل باعتبارها دولة جميع مواطنيها، مع الاعتراف بالحقوق الجماعية للعرب الفلسطينيين.
ولا يمكن الجزم بأن أحد هذه النماذج يمثل جميع العرب في إسرائيل، أو أن أيّاً منها قادر وحده على حل التناقضات القائمة بين المواطنة الإسرائيلية والهوية الفلسطينية والتمييز القومي والصراع الإقليمي. والنتيجة الأساسية هي أن الأحزاب العربية تواجه معضلة سياسية مزدوجة: كيف تحمي الحقوق المدنية والقومية للفلسطينيين داخل إسرائيل، وكيف تؤثر في قرارات الدولة من دون أن تتحول المشاركة السياسية إلى تنازل عن المبادئ التي نشأت للدفاع عنها؟ وتختلف إجابات الأحزاب الأربعة عن هذا السؤال، لكن هذا الاختلاف نفسه يعكس تنوع المجتمع العربي الفلسطيني، وتعدد تصوراته لمستقبله داخل إسرائيل، وعلاقته بالشعب الفلسطيني وبالصراع العربي الإسرائيلي.

ملاحظة توثيقية
تعتمد هذه الدراسة على الخلفيات التاريخية والسياسية المعروفة للأحزاب، وعلى مصادر تحليلية وتقارير منشورة حتى 29 أكتوبر 2026. أما أرقام انتخابات 2026 فهي أولية في تاريخ إعداد الدراسة، وقد تتغير مع استكمال الفرز وإعلان النتائج النهائية. وللاستخدام البحثي أو الصحافي، يُستحسن الرجوع إلى البرامج الرسمية للأحزاب وإلى النتائج النهائية المنشورة من لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية.

المراجع التي يمكن البدء بها:
المعهد الإسرائيلي للديمقراطية — ملفات الأحزاب العربية والقائمة المشتركة: دليل الأحزاب والانتخابات الإسرائيلية.
دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية — بيانات السكان: الموقع الرسمي.
The Times of Israel — تقارير تشكيل القائمة المشتركة وانتخابات 2026: الموقع الإخباري.
Al Jazeera — تقارير عن الأحزاب العربية والمشاركة السياسية: الموقع الإخباري.
**الكاتب ناشط لبناني اغترابي
عنوان الكاتب الألكتروني
Phoenicia@hotmail.com
رابط موقع الكاتب الالكتروني على الإنترنت
https://eliasbejjaninews.com

 

Share