البعبع … في تاريخنا المجيد!
نبيل بو منصف/النهار/06 أيار/2026
في عز النكبات المتدحرجة على رؤوس اللبنانيين، تحلو السخرية المريرة حيال مفردات متفلتة من معايير التعبير التقليدي خصوصا وان لبنان يشهد ما يتجاوز تداعيات الحروب المتناسلة على ارضه خطورة في انفجار هستيريا الشتيمة والكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي كأنها إعلان دفن لحضارة بلد كان له زمن عظماء. من هنا لا ندري ما يثير السخرية اكثر، هل وصف السفير الأميركي اللبناني الأصل واللبناني النطق بنبرة بلدية لنتنياهو بالبعبع في معرض استغرابه طبعا لعدم قبول الرئيس اللبناني لقاءه الان؟ ام هي زلة لسان متعمدة للرئيس نبيه بري في المقارنة بين عوكر وعنجر؟
نقول السخرية المريرة لان السفير ميشال عيسى، وان كان يخضع لامتحان نجاح تجربته كسفير لأقوى دولة في العالم في بلده الذي يصنف أضعف الدول اطلاقا، ابتكر عفويا التعبير الوصفي السائد لنتنياهو الذي صار “ملك إسرائيل” الحديثة اقله منذ زلزال “طوفان الأقصى” الذي أغرقت بعده إسرائيل الشرق الأوسط بحروب مستدامة لا نهاية لها ومن ضمنها لبنان. ولكن الأمر ليس هنا فقط بل في توسيع الذاكرة اللبنانية التي يمكنها ان تجنح بعيدا جدا لاستحضار منظومة وسلسلة “بعابع” مروا في تاريخ الحروب والكوارث اللبنانية اقله منذ انفجار لبنان عام 1975 وحتى الساعة، سواء كانوا في دول الجوار والمحيط او كانوا من اهل البيت إياه. البعبع نفسه في لبنان، هو عرضة لانقسام وانفصام تاريخيين كمثل المفاهيم الكبرى الكثيرة الأخرى التي فشل زمن الطائف منذ فجره وحتى اللحظة والى ما بعد اللحظة في ترميمه وردمه وتوحيد المعايير حولها.
البعبع الإسرائيلي وان كان الأشد وثوقا بثقافة العداء لإسرائيل ما دامت الدولة اللبنانية وقوانينها كما دول عربية عدة بعد تصنف إسرائيل دولة عدوة، لا يقف اطلاقاً عند ذاك العداء الذي فوجئ الرئيس دونالد ترامب بوجود قوانين لبنانية ترسخه فيما هو ماض نحو إنجازه التاريخيّ المضاف إلى إنجازات أخرى بالتقاط صورة ثلاثية في البيت الأبيض مع رئيس لبنان ورئيس وزراء إسرائيل. ثمة “بعابع” مروا في تاريخنا، من خارج وداخل، لا يقل أثرهم وقعا وإخافة ورعبا في الذاكرة والواقع والتاريخ عن أعداء وخصوم يتساوون في صناعة الدراما اللبنانية المتدحرجة الان بأقسى وجوهها. ولعل معادلة “عنجر” تلك التي تزامن التذكير بها صدفة او بتعمد محسوب من سيد عين التينة، مع زيارات السفير الأميركي وتجواله بين اركان “الترويكا”، هي اقرب المعادلات اطلاقا لاستحضار بعبع ذاك العصر السوري الأسود في تاريخ احتلالات ووصايات فاقت بدمويتها اجتياحات إسرائيل للبنان. كما انه سيغدو “جائرا” للتاريخ ان تجاهلنا بعبع الشريك الإيراني “الشقيق” للوصاية السورية الذي لا تزال افضاله تجرجر إنجازات احتلالية كارثية في جنوب لبنان الان لكي تقدم قرابين على مذبح بقايا نظام الملالي في طهران ولا ندري ماذا بقي منه.
البعبع وعنجر ومشتقاتهما، كل هذا يهبط في لحظة لا سابق لها في تاريخ التأزم والغموض والوقوف امام المجهول، بما يثير ما يتجاوز السخرية المريرة إلى الخوف الأكبر من بعبع الضعف والعجز والاستسلام الذي يجعل دولة لبنان الحلقة الأضعف بين سلسلة الأقوياء والشرسين والدمويين. قديما وحديثا ،في تاريخ الحروب كما في سيرة “البعبع”، لم يخف لبنان إلا عندما كانت دولته تنهار بسرعة امام عصف الأقوياء من داخل وخارج. متى تصبح دولتنا ذاك “البعبع”؟