web analytics
Home تعليقات ومقالات مميزة نديم قطيش/دفاعاً عن “البذاءة” الترامبية

نديم قطيش/دفاعاً عن “البذاءة” الترامبية

2

دفاعاً عن “البذاءة” الترامبية
نديم قطيش/موقع أكس/07 نيسان/2026

ثمة نوع خاص من الغضب يخبرك عن طبيعة الغاضبين أنفسهم، أكثر مما يخبرك عن مضمون ما أغضبهم.
تجسد هذا النوع بدقة، ردود الفعل الديبلوماسية والسياسية المستنكِرة التي أعقبت منشور الرئيس الاميركي دونالد ترامب على منصة “تروث سوشيال” الأحد الماضي، حين قال: “افتحوا المضيق اللعين أيها الأوغاد المجانين، وإلا فستعيشون في الجحيم”.
المستنكرون يعلنون إنحيازهم للبدائل الديبلوماسية المهذبة، التي لم تنتج سوى سجلٍ فاضحٍ من الفشل الغربي والتمكين الإيراني.
فطوال أربعة عقود، انبرى أمهر الدبلوماسيين، وأفذاذ القانونيين، ومهندسو الإجماع الدولي، لمعالجة الملف الإيراني بالنبرة التي تطالب بها طبقة الديبلوماسيين والمثقفين والمحللين اليوم. لغة توصف بالمتزنة والبنّاءة ولا تخرج عن الصياغات المعقمة والمعلبة سلفاً. وهو ما كانت نتيجته”الاتفاق النووي” 2015، وعقيدة الاحتواء، وإطار عمل لا يقبل النظر الى إيران الا “كلاعب عقلاني”، وسلسلة لا تنتهي من خطابات التنديد شديدة اللهجة التي أعادت طهران تدويرها كدعاية سياسية في الداخل. في ظل هذه اللغة ظل البرنامج النووي يتقدم، والميليشيات تزداد توحشاً، ومشروع تصدير الثورة يتوسع.
كل هذا أُدير، ولم يُحل، على يد أشخاص لم يلفظوا يوماً كلمة غير لائقة.
بيد أن نقطة معينة، يصير عندها من الواجب أن نكف عن الاهتمام باللغة، ونبدأ بفحص النتائج لتوجه سياسي بعينه.
لقد حقق منشور ترامب ما عجزت عنه أربعون سنة من الدبلوماسية الرصينة، إذ قدم رسالة واحدة، واضحة، لا تحتاج لمترجم، ولا تضيع في دهاليز التأويل، ولا تترك مجالاً للمراوغة الدبلوماسية. إن عبارة “افتحوا المضيق اللعين” ليست نصاً يمكن لوزارة الخارجية الإيرانية أن تُفككه إلى سبعة عشر تفسيراً متناقضاً لتتهرب منها جميعاً في نهاية المطاف. إنها تعني شيئاً واحداً فقط، وقد فهمه الجميع، من القيادة العليا في إيران إلى الاتحاد الأوروبي وصولاً إلى الأمين العام للأمم المتحدة.
تأملوا ما أحدثته هذه “الفظاظة” فعلياً: وصف وزير الثقافة الإيراني ترامب بأنه “مختل ومتوهم”، وأصدرت بعثة الأمم المتحدة بياناً طارئاً، وأبدت العواصم الأوروبية قلقها، لكن الجميع سارع لإيجاد الحلول، وهذا ممتاز! فهذا هو بالضبط رد الفعل المطلوب عندما لا تنتج البيانات السابقة سوى مزيد من أجهزة الطرد المركزي. سيتذرع النقاد باللياقة، وبوقار الرئاسة، وبالأعراف الدولية، وهي اعتبارات مهمة بلا شك. لكن التركيز على اللياقة، لا سيما حين تكون إيران هي الموضوع، يكشف عن العور في ثقافة سياسية لا تدخر صراخها واعتراضاتها للإعدامات الإيرانية المستمرة منذ أربعين عاماً، أو لحروب الوكالة، أو للخداع النووي، بل تحشد كل هذا الغضب لأجل “جملة بذيئة” نطق بها رئيس أميركي ضاق ذرعاً بالوضع.
لنتذكر أن رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل لم يكن مهذباً دائماً، ولا كان الجنرال الأميركي جورج باتون، بطل تحرير فرنسا وألمانيا، دمث الخلق. فالقادة الذين صنعوا التاريخ لم يصيغوا لغتهم لتنال رضا بيروقراطيين أو معلقين لا يدفعون ثمن ما يرتكبونه من أخطاء في التقدير أو التحليل أو حتى في القرار.
الإصرار على أن تعبر القوة الأمريكية عن نفسها فقط عبر نصوص موزونة، ومدنية، ومقبولة أكاديمياً، هو أيديولوجيا، وككل الأيديولوجيات، فهي تخدم مصالح من صاغوها. وفي هذه الحالة، تخدم مصلحة طبقة دبلوماسية بنت مسيرتها المهنية على إدارة أزمات لا نية لديهم لحلها.
ترامب يقول ببساطة أنه لن يدير أزمة أبدية بوسائل مهذبة، بل سيربح حرباً رسم إطارها بلغة لا تقبل القسمة على إثنين.
ليست البذاءة الحقيقية في هذا المشهد كلمة نابية على منصة تواصل اجتماعي. البذاءة الحقيقية هي أربعة عقود من نظام ثيوقراطي يشنق مواطنيه، ويمول تدمير اليمن، ويسلح حزب الله ليهيمن على لبنان، ويبني برنامجاً نووياً تحت غطاء المفاوضات، ويقصف دول الخليج والأردن من دون أي إستفزاز من قبل هذه الدول، ويُكافأ عند كل منعطف بمزيد من المحادثات، ورفع العقوبات، والمؤتمرات الأكاديمية حول “الاعتدال المزعوم”.
هذه هي “البذاءة” التي استوجبت رداً من ترامب وجده البعض مهيناً. فإذا كنا مهتمين حقاً بما يخدش الحياء الإنساني والكرامة في هذه اللحظة، فمنشور ترامب على وسائل التواصل الإجتماعي هو آخر ما يجب أن نبدأ الحديث به.

Share