المخرج يوسف ي. الخوري/نعم تعامَل المسيحيّون مع إسرائيل… لكنّ الآخرين همِ العملاء- الجزء الثاني

1387

نعم تعامَل المسيحيّون مع إسرائيل… لكنّ الآخرين همِ العملاء! (الجزء الثاني)
مبحث بقلم المخرج يوسف ي. الخوري/24 تموز/2020

يسود الاعتقاد أنّ الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، هو نتيجةُ اتفاق بين القوّات اللبنانيّة (المسيحيّة) بقيادة بشير الجميّل، وحكومة إسرائيل برئاسة مناحيم بيغن. بيدَ أن المتعمّقين في مجريات الأحداث في تلك الحقبة، يُدركون أنّ هكذا اتفاق لم يحصل بين الطرفين، وإنّما اكتفى الإسرائيليّون، في البداية، بإحاطة القوّات علمًا بأنّ حكومتهم (قد) تتّجه إلى القيام بعملية عسكريّة داخل الأراضي اللبنانيّة، بهدف رَدْعِ الفدائِيّين الفلسطينيّين عن مهاجمة شمال إسرائيل انطلاقًا من الجنوب اللبناني.

ما الذي دفع إسرائيل إلى اتخاذ القرار بالاجتياح؟
عوامل عدّة أدّت إلى القرار:
استراتيجيًّا: نشرُ السوريّين لبطاريّات صواريخ “سام 6” و “سام 8” في سهل البقاع. وتحوُّلُ بيروت الغربيّة إلى بؤرةٍ للإرهاب الدولي برعاية منظمة التحرير الفلسطينيّة.

ميدانيًّا: تجاوَزَ السوريّون الخطوط الحمر الضمنيّة بينهم وبين الإسرائيليّين، لاسيّما باستخدامهم الطيران ضدّ المسيحيّين خلال معركة زحلة بين شهري نيسان وحزيران 1981. وخلال تموز من العام نفسه، طالت صواريخ “الكاتيوشّا” الفلسطينيّة، انطلاقًا من جنوب لبنان، مدينتي كريات شمونة ونهاريا في إسرائيل. ميدانيًّا أيضًا، تصاعدت الاعتداءات وعمليّات الاغتيال بحق السلك الديبلوماسي الإسرائيلي في أوروبا… 

ديبلوماسيًّا: استشرف الإسرائيليّون أن ثمّة ما يُخَيَّطُ في الكواليس الأميركيّة مع ياسر عرفات. وبالفعل كان بعضُ النافذين في الإدارة الأميركيّة، يستمعون لساعات طوال إلى رأي عرفات بالحلول للأزمة الإسرائيلية – الفلسطينيّة، ويدفعون باتّجاه أن يُصبح المفاوضَ الرسمي عن الفلسطينيّين.

بالنسبة لمناحيم بيغن، “التقارب بين واشنطن وعرفات، هو بحدّ ذاته كارثيّ على إسرائيل”، فكيف إذا كان عرفات سيمرّر مقترحاته لمعالجة الأزمة عن طريق الأميركيّين؟

لقطع الطريق على الديبلوماسيّة الأميركيّة، يرى بيغن أنّ لا بدّ من تسريع “اقتلاع منظمة التحرير الفلسطينيّة، اقلّه من جنوب لبنان”.

إن ما سبق، يؤكّد أن منظّمة التحرير الفلسطينيّة والجيش العربي السوري، هما المسبّبان الأساسيّان اللذان دفعا بإسرائيل إلى اجتياح لبنان، وأنّ لا دور للقوّات اللبنانيّة في تقرير هذا الاجتياح.

ما المطلوب من القوّات اللبنانيّة، ليفشي الإسرائيليّون لقيادتها بنيّتهم اجتياح لبنان؟

إنّ كلّ عمليّة عسكريّة يجب أن تتوَّج بمكسبٍ سياسي وإلّا لا تكون ناجحة.

هدفُ إسرائيل العسكري من عملية اجتياح لبنان المعروفة باسم “سلامة الجليل”، هو القضاء على الماكنة العسكريّة للفلسطينيين. أمّا هدفُها السياسي، فهو وصول القوّات اللبنانيّة إلى السلطة وتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل، وما وضع القوّات في أجواء الاجتياح، إلّا من قبيل استشراف رأيهم بخصوص معاهدة السلام.

في أحد اللقاءات بين الطرفين، ولم يكن الاجتياح قد تأكّد بعد، سأل قائد القوّات اللبنانية بشير الجميّل، عمّا سيكون الهدف الاستراتيجي العميق للعملية في حال حصولها، فأتاه الجواب بهدوء، باللغة الفرنسيّة، من أحد الاسرائيليّين: “أتوقّع أن حكومتي تنشُد قيام حكومة قويّة في لبنان، تكونون أنتم (القوات) المسيطرين فيها، وتحقّق السلام مع إسرائيل”.

وفي لقاء لاحق، قال بيغن لبشير: “أريد أن أراك منتخبًا دُستوريًّا، رئيسًا للجمهوريّة، يعاونك رئيس سنّي وحكومة اتّحاد وطني”.

بمراجعتي كلّ محاضر اللقاءات بين القوّات والإسرائيليين، تبيّن لي أنّه لم يجرِ بينهما أيّ حديثٍ حول أهداف إسرائيل السياسيّة من الاجتياح، غير الحديثَين المذكورَين آنِفًا.

هل تصنّف القوّات اللبنانية عميلة لإسرائيل لسيرها بعمليّة “سلامة الجليل” وقبولها بأهدافها؟

بالتأكيد لا! لأنّ القوات تريد تدمير الآلة العسكرية الفلسطينية في لبنان، أكثر ممّا يريده الإسرائيليّون، وهي خطّطت لتبوُّء بشير الجميّل رئاسة الجمهوريّة، ضمن الأطر الدستورية، سنتين قبل أن يفاتحَ مناحيم بيغن بشير بهذا الموضوع، ممّا يؤكّد أنّ تعاون القوّات مع الإسرائيليّين، جاء من باب التقاء المصالح وليس من باب العمالة.

أمّا استراتيجيّة معاهدة السلام بين لبنان واسرائيل، فتحوّلت إلى موضوع خلافي لأنّها لم تُناقش إلّا عرضًا، ولم توضع في اتفاق واضح ومُلزم للطرفين. وهذا ما ستتمّ مقاربته في مكان آخر من هذا المقال.

لكن تجدر الإشارة هنا، إلى أنّه بمجرّد أن يقع خلاف بين القوّات والإسرائيليّين حول نقطة استراتيجية، فهذا يعني أن الطرفين يتعاملان من الندّ للندّ. 

ويُسجَّل للقوات اللبنانية في هذا الإطار، أنّها في كلّ الخطط التي وضعتها لمواكبة عمليّة “سلامة الجليل”، لا توجد خطة واحدة للثأر من أيّ طرف لبناني، بل كلّ خططها تصوّب على استفادة القوات قدر المُستطاع من الاجتياح، للتخلّص من منظّمة التحرير الفلسطينيّة وإخراج الجيش السوري من لبنان، من دون مشاركتها بالعمليّات العسكريّة، تجنبًا للاشتباك مع الأطراف اللبنانية المُسلِمة المناصِرة لعرفات، وهو الأمر الذي أزعج جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيليّة (آمان)، ودفعه إلى تنظيم حملة إعلاميّة ضد بشير، واتّهامه باستدراج جيش الدفاع الإسرائيلي إلى بيروت خدمةً لمصالحه الخاصة الهادفة إلى التخلّص من أعدائه! وعنونت صحيفة “هآرِتس المستقلّة” الإسرائيليّة في 15 حزيران 1982، “لا تُحوّلوا عمليّة سلامة الجليل إلى سلام من أجل لبنان”.

أثناء حصار الإسرائيليّين لبيروت الغربيّة، تشكّلت “هيئة الإنقاذ الوطني” لمواكبة التطوّرات ومعالجة الأحداث، وكانت تلتئم في القصر الجمهوري، برئاسة الرئيس الياس سركيس، ومشاركة كل من بشير الجميّل؛ ووليد جنبلاط؛ ونبيه برّي؛ ونصري المعلوف؛ وفؤاد بطرس؛ وشفيق الوزّان، وكان بشير خلال الاجتماعات، يتكلّم كلبناني يُعلي سيادة دولته وحريّة أهل وطنه فوق كل الاعتبارات، وما كان يراجع الإسرائيليّين بما يتفاوض فيه مع الأفرقاء اللبنانيّين، على عكس جنبلاط وبرّي، وأحيانًا المعلوف، الذين ما كانوا يتجرأون على البتّ في أيّ موضوع، قبل الرجوع إلى ياسر عرفات! حتّى وصل الأمر ببشير إلى القول لهم ساخرًا: “إذا يجب أن يُستشار عرفات قبل اتخاذ أيّ قرار، فيجب إحضاره إلى الاجتماع معنا هنا، لتسهيل الأمور”.

كان بإمكان بشير فرض الشروط التي يريدها على طاولة “هيئة الإنقاذ الوطني”، إلّا أنّ عينه كانت على المستقبل، على لبنان الـ 10452 كم مربّع، والجامع لكل أبنائه تحت راية لبنانية واحدة، بينما برّي وجنبلاط ومعلوف، كانوا يسعون لإكساب عرفات مزيدًا من الوقت للمناورة.

أفهمهم بشير أنّ لعبتهم مكشوفة، وأنّ الإسرائيليّين لن يتراجعوا قبل خروج منظمة التحرير من بيروت، ونصحهم بأن يلاقوه إلى منتصف الطريق: “فلنغتنم الفرصة معًا كي نغيّر أسس علاقتنا”.

بعد تسبّبه بدخول إسرائيل إلى بيروت، ها هو ياسر عرفات يماطل ويرفض الخروج من بيروت، ممّا تسبّب بتشديد الحصار الدموي على المدينة.

في ظلّ هذه الأجواء المشحونة، رتّب زاهي البستاني اجتماعًا لبشير الجميّل ونبيه برّي (زعيم حركة أمل) في القصر الجمهوري، حيث أعرب برّي عن قلقه على منطقة الضاحية الجنوبيّة في حال اجتاح الاسرائيليّون بيروت الغربيّة. بشير طمأن زعيم أمل آخِذًا على عاتقه عدم التعرّض للشيعة.

أتيت بهذه الرواية، ردًا على رجال الدين الشيعة الممعنين أخيرًا بتوجيه تهم العمالة إلى رأس الكنيسة المارونية، علّهم يتّعظون كيف تكون شيم الرجال في الوطنية، وأيضًا لأنّها تُظهر كم كان تعاطي بشير الجميّل نديًّا مع الإسرائيليّين، إذ تعهد بحماية أبناء الضاحية بكلمته ومن دون مراجعة الإسرائيليّين.

مَن أعطى مَن، القوات أعطت الإسرائيلييّن أم العكس؟
اعتقد مناحيم بيغن أنّ توقيع اتفاقيّة للسلام بين لبنان وإسرائيل، هو أمرٌ مفروغٌ منه بمجرد أن يُصبح بشير رئيسًا، بينما بشير أراد أن تُنجز اتفاقيّة السلام بتأنٍّ، وأن تحظى بإجماع لبناني، بعد أن يتمّ انتخابه رئيسًا بحسب الخطة التي كان قد وضعها له، الدكتور أنطوان نجم والعقيد ميشال عون (رئيس الجمهوريّة الحالي)، والتي تقضي بانفتاح بشير على كل الأطراف اللبنانيّين، بمن فيهم الذين حاربوه، وبإشراكهم جميعًا في عمليّة استعادة سيادة الدولة وبناء لبنان القوّي الموحّد.

بتبنّي بشير خطة نجم – عون، كان عليه أن يساير المسلمين، وأن يحدّ من مؤازرة القوات اللبنانية جيش الدفاع الإسرائيلي في العمليّات العسكرية، حتّى إنّه صار في خطبه العلنيّة يساوي بين الإسرائيليّين والسوريّين والفلسطينيّين كاحتلالات.

ولمّا اشتدّت احتجاجات المعارضة داخل إسرائيل بسبب نأيِ القوات بنفسها عن المعارك، لم يتمكن الإسرائيليّون من اقناع بشير بالقيام ولو بحركة عسكريّة شكلية تساعد الحكومة الإسرائيلية في تخطّي الاحتجاجات الداخليّة.

وما زاد الطين بلّة، تصريحٌ تلفزيوني للرئيس كميل شمعون استبعد فيه قيام معاهدة سلام مع إسرائيل.

احتقن الوضع بين القيادات المسيحيّة والإسرائيليّين، لينفجر في اجتماع نهاريا الشهير، وليفترق رئيس جمهوريّة لبنان بشير الجميّل، ورئيس حكومة إسرائيل مناحيم بيغن، على تباينٍ كبير في وجهات النظر.

بيغن اعتبر أنّه تعرّض لخيانة من المسيحيّين اللبنانيّين، وبشير توقّع أن يُفجّر الإسرائيليّون الطائرة التي كانت تُرجعه إلى بيروت.

بعد ما حصل في نهاريا، لا يُمكن للمرء إلّا أن يتوقّع من الإسرائيليّين معاقبة بشير والضغط عليه لأخذ ما يريدون، لكن ما حصل هو العكس، فإنّهم عادوا عشيّة اغتياله، واجتمعوا به في دارته ببكفيا، وأعادوا ترتيب الأولويّات بحسب ما هو يراها، وكانوا يتركون له الكلمة الفصل في المواضيع العالقة بينهم وبينه، من موضوع تطهير بيروت من بقايا العرفاتيّة، إلى إخراج الجيش السوري من لبنان، وصولًا إلى الآلية التشريعيّة لتوقيع اتفاقيّة السلام.

سهل على مَن يقرأ محضر لقاء شارون – بشير تلك الليلة، أن يكتشف أنّ الشابّ الميليشيوي المسيحي، صار يتكلم كرئيس لكلّ لبنان.

في الاستنتاج، أخذ بشير كل ما يُريد من الإسرائيليّين، ولم يُعطِهم حتّى القليلَ ممّا هو مطلوب منه.

خاتمة…
لا يجوز استمرار التنمّر على المسيحيّين والنظر إليهم كعملاء لإسرائيل لمجرّد أن الدعاية العرفاتيّة روّجت في الماضي لذلك، ولن يمنعنا متسلّط بعد اليوم من إجهار الحقيقة “ئَد ما كانت صعبي”: الأحزابُ اللبنانيّة المسيحيّة تعاملت مع، والأصح القول: استغلّت، إسرائيل كي تُنقذ لبنان من الاحتلالين الفلسطيني والسوري، أمّا العميل الحقيقي فهو كلّ مَن تعامل مع هذين الاحتلالين، ضد لبنان ولأجل تحرير فلسطين، منذ أواسط ستينيّات القرن الماضي حتّى يومنا هذا، ويشمل كلامي هذا، كلّ مَن جارى ويجاري الأحزاب الإلهية المسلّحة، وتلك العقائديّة اليسارية، وحاملي رايات القضايا المقدّسة، ومنتعلي كوفيّة ياسر عرفات في ثورة 17 تشرين.
**نهاية الجزء الثاني.

**قبيل نشري الجزء الثاني من المقال الحاضر، اتّصل بي مجهول ليقول لي إنّ عنده معلومة نام عليها أربعين سنة ويّريد أن يخبرني عنها… ولأنّّ المعلومة مرتبطة بموضوع العمالة، سوف أخصص جزءًا ثالثَا أتناول المعلومة فيه، وأفصّل بعضًا من علاقات الطوائف غير المسيحيّة بإسرائيل.

اضغط هنا لدخول صفحة الحلقة الأولى: نعم تعامَل المسيحيّون مع إسرائيل… لكنّ الآخرين همِ العملاء! (الجزء الأول)

ملاحظة: الصورة المرفقة ع الغلاف مع الدراسة هي لأعضاء هيئة الإنقاذ الوطني المذكرة في سياق السرد التاريخي للأحداث