المخرج يوسف ي. الخوري/نعم تعامل المسيحيّون مع إسرائيل لكنّ الآخرين همِ العملاء (الجزء الأوّل)/ياسرعرفات: سأجعل من بيروت ستالينغراد ثانية، وأنا أقرّر ذلك/مناحيم بيغن: لن نسمح للسوريّين بارتكاب مذبحة جديدة في لبنان

2288

نعم تعامل المسيحيّون مع إسرائيل… لكنّ الآخرين همِ العملاء! (الجزء الأوّل)
 المخرج يوسف ي. الخوري/15 تموز/2020
– “سأجعل من بيروت ستالينغراد ثانية، وأنا أقرّر ذلك”. (ياسر عرفات)
– “لن نسمح للسوريّين بارتكاب مذبحة جديدة في لبنان”. (مناحيم بيغن)

إذا حلّلنا مضمون هذين الموقفَيْن، لتبيّن لنا أن لغة الأول فيها تعالٍ وتحدٍّ واستئثار واضح بالقرار اللبناني، بينما في لغة الثاني شيءٌ من التضامن مع لبنان المُعرّض لهجمة من السوريّين.

قد يرى البعض، أنّ تحليلَ مواقفٍ من هذا النوع، لا يكتمل إلّا إذا عرّفنا بالظروف التي أدّت إلى إطلاقها. من هنا، لا بدّ أن نعرض الملابسات التي أحاطت بكلّ من الموقفين أعلاه:

“سأجعل من بيروت ستالينغراد ثانية، وأنا أقرّر ذلك”
هذا الموقف أطلقه ياسر عرفات، رئيس منظّمة التحرير الفلسطينيّة، خلال مكالمة هاتفيّة بينه وبين والزعيم السنّي البيروتي صائب بيك سلام، قُبًيْل المواجهات التي وقعت خلال أيّار العام 1973 بين الجيش اللبناني والفلسطينيين.

في تلك الحقبة، بدأت تعلو أصوات اللبنانيّين الأحرار، لاسيّما المسيحيّين منهم، معترضةً على انتهاك المسلّحين الفلسطينيّين بزعامة عرفات لسيادة الدولة اللبنانية.

أراد عرفات، بشيء من الترهيب، إفهام صائب بيك أنّه لا يأبه للأصوات المسيحية الرافضة للنشاط الفلسطيني المسلّح في لبنان، ولا يأبه ما إذا كانت دويلته داخل الدولة اللبنانية ستتسبّب بانهيار هذه الدولة وتقسيمها، فهو بوقاحة قال لصائب بيك: “إذا كان طوني وصونيا (نجل وابنة الرئيس حينها سليمان فرنجية) يريدان الاحتفاظ بقسم من البلاد، فلا يهم، وسيكون الباقي لنا”، ثمّ استدرك ليُصحّح بالقول: “لنا ولكم”.

طيلة المكالمة كان عرفات يتكلّم Solo، ولم يكن يترك للزعيم البيروتي مجالًا للردّ، وقد أهان في معرض حديثه، الزعيم السنّي الطرابلسي رشيد كرامي واصفًا إيّاه بـ “غلام القصر”، كما قلّل من شأن الملك السعودي (آنذاك) خالد بن عبدالعزيز، الذي كان من أكبر المموّلين له ولتنظيمه المسلّح!..

في ختام المكالمة الهاتفية، كرّر عرفات تهديده بتدمير بيروت قائلًا: “ليأتوا بالأسطول الأميركي والإسرائيلي! بيروت ستكون ستالينغراد ثانية، وأنا سيّدها”!

هذا الحديث الهاتفي دام سبع (7) دقائق وثمان (8) ثوان، وقد سجّله مركز التنصّت التابع لمخابرات الجيش اللبناني. في 22 أيّار 1973، استدعى رئيس الجمهوريّة سليمان فرنجية السفراء العرب إلى قصر بعبدا وأسمعهم التسجيل.

“لن نسمح للسوريّين بارتكاب مذبحة جديدة في لبنان”
هذا الموقف صدر عام 1981، عن رئيس الحكومة الاسرائيليّة مناحيم بيغن، أثناء محاصرة مدينة زحلة ومحاولات السوريين وحلفائهم من اليسار اللبناني، الانقضاض على هذه المدينة المسيحيّة.

أمّا عن ظروف موقف بيغن هذا: صمد أهالي زحلة والقوّات اللبنانية بعزمٍ أمام شراسة الهجمة السورية، ما اضطر السوريّين إلى استخدام طائرات الهليكوبتر لإمالة السيطرة العسكريّة لصالحهم، فتمكّنوا من الاستيلاء على مرتفعات صنين و”الغرفة الفرنسية”، وأحكموا بذلك الطوق على زحلة من كل الجهّات.

قُطعت الإمدادات عن المدينة وأصبحت دفاعاتها عرضة للانهيار في أيّ لحظة. وبالمنظار الجيو-سياسي، سقوط زحلة هو المدخل إلى سقوط كل المناطق المسيحية المدافعة عمّا تبقّى من لبنان الدولة والكيان.

بشير الجميّل قائد القوّات اللبنانيّة، أرادها استشهادًا مسيحيًا جماعيًّا، لكنّه ترك خيار مواصلة القتال لقائد معركة زحلة، جو إدّه، الذي حسم الأمر على الفور قائلًا: “سنبقى”! أي نحن مستعدون للاستشهاد.

وكي لا يُصبح الاستشهادُ انتحارًا جماعيًّا، كان على قيادة القوّات أن تعمل ما لا يُعمل، على المستويَين السياسي والديبلوماسي، لمساندة شبابها وأهالي زحلة المحاصرين.

اجتمع بشير أكثر من مرّة في القصر الجمهوري بمحمد الخولي رئيس الاستخبارات الجوّية السورية، كما اجتمع بالسفير الأميركي جون غونتر دين لمرتين.

أُوفِدَ الأباتي بولس نعمان إلى سورية من قبل الجبهة اللبنانيّة، واجتمع بوزير الخارجية السوري عبد الحليم خدّام. كذلك فعل النائب الزحلاوي الياس الهراوي… لكن في النهاية باءت كلّ هذه الاتصالات بالفشل، ولم يعُد سالكًا أمام المسيحيّين سوى سلوك درب إسرائيل.

الاسرائيليّون لا يُريدون التورّط في الحرب اللبنانيّة، ولا يُريدون الاشتباك مع السوريّين، عملًا باتفاقيّة المحاور والخطوط الحمر القائمة بينهما.

في 28 نيسان 1981، اجتمع مجلس الوزراء الإسرائيلي برئاسة مناحيم بيغن وساده انقصام حادّ في ما يخصّ التدخّل في لبنان الذي بات السوريون على قاب قوسين من السيطرة النهائية عليه. بيغن حسم الموقف وقال: “لن نسمح للسوريين بارتكاب مذبحة جديدة في لبنان”.

وفي اليوم التالي، تدخّل الطيران الإسرائيلي في لبنان، وأسقط في يوم واحد طائرتي هليكوبتر سوريتين كانتا تُستخدمان في معارك زحلة. بعدها انسحب الطيران السوري من المعركة، فعاد شيء من توازن القوى إلى حرب زحلة.

من هو العميل الحقيقي…
قرار بيغن التدخّل في حرب زحلة، شكّل سابقة في تاريخ إسرائيل، إذ كانت المرّة الأولى التي تخرج فيها قوات إسرائيلية لحماية جماعة غير يهودية خارج إسرائيل، مع العلم أنّ حكومة بيغن لم تطلب من القوات اللبنانيّة أيّ ثمن مقابل هذا التدخّل.

تعامُل بعض الأحزاب المسيحية مع إسرائيل بدأ في أواخر العام 1975، وقد حدّد طبيعته اسحق رابين (رئيس وزراء إسرائيل آنذاك): “ستزوّدهم إسرائيل بالأسلحة وتدرّب الميليشيات المسيحيّة، بيد أن إسرائيل لن تشارك مباشرة في النزاع اللبناني”. لكن ما الذي دفع بإسرائيل للعودة عن قرارها عدم التدخّل المباشر في النزاع اللبناني؟ هل هو سحرُ عَيني بشير الجميّل؟ بالطبع لا! هل هو الخطرُ على الوجود المسيحي في لبنان؟ أيضًا لا، أو ربما في هذا شيء من الصحّة!

لكنّ المؤثر الأكبر في تدخّل إسرائيل بحرب زحلة، هم السوريّون أنفسهم! نعم السوريّون، لأنّ استخدامهم الطيران لاحتلال قِمَم صنين، شكّلَ تجاوزًا لخطوطٍ حمرٍ مُتّفق عليها ضمنيًّا بينهم وبين الإسرائيليّين، ناهيك عن نشرهم بطاريّات صواريخ “سام “6 و “سام 8” في منطقة البقاع، ممّا أقلق الإسرائيليّين الذين استخدموا ورقة زحلة لتوجيه رسائل اعتراض على تجاوزات السوريّين. وقد يُثبت التاريخ يومًا أنّه كان للسوريّين أكبر مصلحة في تدخّل إسرائيل مباشرة في حرب لبنان، كي يُبرِّروا للمجتمع الدولي أن احتلالهم أجزاء من لبنان إنّما يدخل في إطار الصراع العربي الإسرائيلي.

مع الخميني على نفس الطريق…
لسنا هنا بوارد تبرير علاقة القوّات اللبنانيّة بإسرائيل، لأنّنا لا نجد دَاعيًا لذلك كما يفعل بعض المنظّرين المسيحيّين الانهزاميين، وإنّنا، من بعد المرشد آية الله الخميني، نؤمن بأنّ “الحرب هي الحرب”، وكما أنّ “الإسلام يسمح بذلك” (حسب الخميني)، أيّ يسمح بالتعامل مع إسرائيل، فلا بدّ أن تسمح به أيضًا المسيحيّة.

بالعودة إلى موقفي بيغن وعرفات المشار إليهما في مطلع هذه المقالة، لماذا بعد إقفال صفحة الحرب بثلاثين سنة، لا تزال لعنة التعامل مع إسرائيل تلاحق المسيحيين، بينما أحزاب الحركة الوطنيّة اليساريّة الذين تعاملوا مع عرفات الطامع بالسيادة على لبنان، ونظام الأسد الذي وضع اليدّ على قرار لبنان، وقبضوا الأموال وحازوا على الأسلحة والعتاد والرجال من: ليبيا؛ والعراق؛ والسعوديّة؛ وإيران؛ والصومال؛ والاتّحاد السوفييتي؛ ودول أوروبا الشرقية… وغيرها..، لماذا بعد إقفال صفحة الحرب لا يزال البعض يعتبر المسيحيّين الذين كانوا يُدافعون عن لبنان عام 1975، هم عملاء، في حين أن العملاء الحقيقيّين، أحزاب الحركة الوطنيّة، الذين قضوا على لبنان منذ تآمرهم على صيغته منذ أواسط ستينيّات القرن الماضي، يُعتبرون اليوم بقوّة سلاح حزب الله “أبطالًا وطنيّين”؟

أيُعقل؟
المسيحيّون “عملاء لإسرائيل” وكان عليهم أن ينتحروا جماعيًّا ولا يمدّوا يدهم لإسرائيل، لكنّنا لم نسمع صوتًا واحدًا من تلك الداعية إلى تحرير القدس، يستنكر مصافحة ياسر عرفات لإسحق رابين مبتسمًا، في أوسلو عام 1993!!

أيُعقل أن يموت الملازم أول أحمد الخطيب بطلًا، وهو الذي خان الجيش اللبناني عام 1975، فقسمه واعتدى على ثكناته بتمويل وتحريض من الفلسطينيين، بينما النقيب المغوار سمير الأشقر الذي استبسل في الدفاع عن كرامة المدرسة الحربية بوجه السوريّين، يُغتال ويعتبر ضابطًا متمرّدًا؟!

أيُعقل أن محسن إبراهيم الذي تآمر مع ياسر عرفات على لبنان، يموت هانِئًا في سريره ويُكرّم كـ “مفكّر تقدّمي ثوري”، بينما القائد أبو أرز، مُطلق شعار لبنان أولًا، والمُدافع الشرس عن القضيّة اللبنانيّة بوجه الفلسطينيّين والسوريّين، والمشاغب الذي طالما أزعج الإسرائيليّين بمواقفه، تُركّب بحقّه الملفّات ويبقى الرمز اللبناني الوحيد المُحرّم عليه العودة إلى بلاد الأرز التي يعشقها؟!!

بين ما يُعقل وما لا يُعقل، لا يجوز ولا يُعقل، بعد الآن، أن يبقى سيف التعامل مع إسرائيل مسلّطًا على رِقاب المسيحيّين المؤمنين بخطّ الجبهة اللبنانيّة التاريخي، خصوصًا أنّ من يُطلقون اتّهامات العمالة، ومَن يقفون بالإجمال خلف تلفيق ملفات التعامل مع إسرائيل، هم بقايا الحركة الوطنيّة، وهم من أكثر المستفيدين لغاية اليوم من دولة إسرائيل المُفترض أنّها عدوّة!

هم ليسوا أشرف من مسيحيّي أحزاب الجبهة اللبنانية! ومعظمهم تعاملوا مع إسرائيل ولن يستطيعوا أن يُخفوا هذه الحقيقة، وما استقواؤهم اليوم على المسيحيّين إلّا نتيجة تلبيتهم إرادة الدولة العبريّة، وما ضعف المسيحيّين إلّا من عدم إذعانهم لهذه الدولة، وعدم قبولهم التعامل معها إلّا من الندّ إلى الندّ.

في الجزء الثاني، سوف نُلقي الضوء على علاقة كل الأطراف، التي تنطق بلغة “العدو الصهيوني “،بإسرائيل!

ملاحظة: الصورة المرفقة ع الغلاف مع المقال هي ل ياسر عرفات ومحسن إبراهيم