علي العبدالله/واشنطن وطهران وساعة الحقيقة

282

واشنطن وطهران وساعة الحقيقة
علي العبدالله /الحياة/12.11.14

ساعات قليلة ويُطلق الدخان الأسود أو الأبيض في سماء مسقط، ساعات وتنكشف الحقيقة، وتتضح أولوية واشنطن وطهران بعد لي اذرع وعض اصابع داما طويلاً. فهل ينطلق الدخان الأسود أم الأبيض؟. قيل تبريراً لعقد لقاء مسقط بين جون كيري وكاترين اشتون وجواد ظريف انه محاولة لتقريب وجهات النظر قبل اجتماع فيينا يوم 18 الجاري، وحُدد الخلاف بنقطتين: نسبة التخصيب والجدول الزمني لرفع العقوبات وفق ما قاله ظريف. فموقف الغرب ان لا يزيد التخصيب عن نسبة 3.5 في المئة وان ترفع العقوبات على مراحل وفي ضوء تنفيذ ايران لبنود الاتفاق (تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية سّجل عدم التزام ايران بمقتضيات الاتفاق المرحلي بتخصيبها كمية كبيرة من اليورانيوم بنسبة 8 في المئة)، ايران تريد نسبة 20 في المئة ورفع العقوبات الاميركية والاوروبية، التي كان تأثيرها مدمراً على الاقتصاد الايراني، دفعة واحدة. واقع الحال ان الخلافات حول نقاط أخرى ما زالت عالقة ولم تحسم بعد من عدد أجهزة الطرد المركزي المسموح لإيران بامتلاكها، حيث يرى الغرب ان تكون بالمئات بينما ترى ايران ان تكون بالآلاف، الى مصير مفاعل آراك، بين استمرار عمله بالماء الثقيل وتحويله للعمل بالماء الخفيف، كما يطالب الغرب وتتمسك ايران بإبقائه يعمل بالماء الثقيل، فعمله بالماء الثقيل يتيح انتاج مادة البلوتونيوم التي تدخل في صناعة القنابل الذرية، ناهيك عن برنامج الصواريخ الايراني الذي يربط الغرب بينه وبين التسلح النووي حيث سيحتاج الرأس النووي لوسيلة ايصال لضرب الهدف. فامتلاك ايران رأساً نووياً لن يكون مجدياً ما لم تمتلك وسيلة ايصاله، صاروخاً كان أم طائرة، والصاروخ افضل لسرعته وصعوبة التصدي له.

تشير تقديرات الخبراء ان فرصة الاتفاق ضعيفة في ضوء تمسك كل من الطرفين بسقف لا يتناسب مع سقف الطرف الآخر. فالغرب يربط موقفه من البرنامج النووي الايراني بأمن اسرائيل، وبالاستقرار في منطقة حساسة وحيوية للعالم، ويتخوف من سباق تسلح نووي في الاقليم في حال سمح لإيران بامتلاك قدرة على انتاج سلاح نووي. كانت وسائل اعلام قد نقلت نبأ عن اتفاق سعودي – باكستاني يقضي مقابل تمويل السعودية للبرنامج النووي الباكستاني بتزويدها عند الطلب بصواريخ تحمل رؤوساً نووية، وهذا ان تم سيمنح السعودية قوة رادعة ويمنح باكستان فرصة نقل صواريخها البعيدة المدى الى السعودية بحيث توازن قدرتها الردعية مع الهند، التي تتفوق عليها بالعمق الذي توفره الجغرافيا الهندية في مقابل ضيق اراضيها وانكشافها للصواريخ النووية الهندية قصيرة المدى وفقدانها فرصة توجيه الضربة الثانية. وهذا ما يؤدي حصوله الى قيام الهند بتوسيع نطاق استراتيجيتها النووية لتشمل الخليج فتختل التوازنات والمعادلات الامنية في معظم آسيا.

فالغرب لن يقبل باتفاق يتيح لإيران امتلاك قدرات تقنية تمكنها، في ظرف ما، من انتاج سلاح نووي في فترة زمنية قصيرة. ايران، التي سجلت مكسباً بإقرار الدول الست بحقها في امتلاك برنامج نووي سلمي، لن تقبل بتقييد قدراتها التقنية وتمكّنها من الاكتفاء الذاتي من اليورانيوم اللازم لتشغيل مفاعلاتها النووية لإنتاج الكهرباء والبحوث، كما لن تقبل المساومة على صواريخها.

واذا كان الرئيس الاميركي باراك أوباما يتوق الى عقد اتفاق مع ايران ينهي عقداً من المفاوضات، ويتيح التفرغ لبحث ملفات اخرى تتعلق بالوضع في الاقليم ودور ايران فيه، فإنه لا يستطيع القبول بطلبات ايران والتكيف مع توجهاتها السياسية والعسكرية، وقد عبّر عن ذلك بقوله: «ان عدم الاتفاق افضل من اتفاق سيء»، لانعكاس ذلك على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها وعلى الاستقرار الاقليمي والدولي، وبخاصة في ضوء نتائج الانتخابات النصفية لمجلسي الكونغرس وفوز الجمهوريين، الذين يعارضون الاتفاق مع ايران، وتحّوله الى بطة عرجاء.

صحيح ان للرئيس صلاحيات واسعة في السياسة الخارجية لكنه لن يغامر في استفزاز اعضاء الكونغرس لحاجته للتفاهم معهم حول السياسة الداخلية ولعل ذلك يفسر قوله عشية اجتماع مسقط «ان الفجوة ما زالت كبيرة بين الطرفين».

ستكون ايران خاسرة في حال فشل الطرفان في الاتفاق على حل الخلاف واللجوء القسري الى تمديد المفاوضات. فهي في حاجة ماسة الى رفع العقوبات كي تستعيد توازنها المالي والاقتصادي وتلبي طلبات المواطنين المعيشية والخدمية في ضوء الفقر (صرح وزير العمل والرفاه الاجتماعي الايراني بوجود سبعة ملايين مواطن تحت خط الفقر) وارتفاع الاسعار وازدياد نسبة البطالة والتضخم وتراجع اسعار النفط، وتخوفها من فرض عقوبات جديدة بعد أن فاز الجمهوريون في الانتخابات النصفية وسيطروا على مجلسي الكونغرس، وهم دعاة تشّدد مع ايران، كانوا قد اعدوا رزمة عقوبات جديدة كادوا يعلنونها لولا تدخل الرئيس الاميركي واقناعهم بتأجيلها كي لا يؤثروا سلباً في المفاوضات، وبينهم عتاة المؤيدين لإسرائيل التي لا تقبل بأقل من تفكيك البرنامج النووي الايراني، إضافة الى خروج السيدة كاترين اشتون من منصبها وتسّلم المسؤولة الجديدة التي تتبنى موقفاً أكثر حزماً مع ايران. وهذا يفسر التصريحات الايرانية المتناقضة.