علي العبدالله/طرد المسيحيين… عار ودمار

388

طرد المسيحيين… عار ودمار

علي العبدالله/الحياة

أقدمت الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش)، والتي أصبحت بقرار ذاتي دولة «خلافة» تشمل ولايتها المسلمين، وتطبّق ما تعتبره موقف الدين الاسلامي على السكان، مسلمين وغير مسلمين، في دائرة سيطرتها في مناطق في سورية والعراق، وفي هذا الإطار جاء قرارها بخصوص طرد المسيحيين من الموصل لأنهم رفضوا عرضها: الاسلام او الجزية او السيف.

فهل لهذا القرار مرتكزات اسلامية ام انه قرار داعشي بالكامل؟

فرض الاسلام الجزية على غير المسلمين من رعاياه بموجب «عقود الأمان» التي وقّعت معهم، وهي بمثابة ضريبة مقابل حمايتهم والدفاع عنهم من أي اعتداء خارجي، و «لإعفائهم من الاشتراك في حرب يدافعون فيها عن دين لا يؤمنون به، وإذا اختار غير المسلم أن ينضم إلى جيش المسلمين برضاه، فإنه يُعفى من دفع الجزية». كما حدّد أخذ الجزية من المقاتلين فقط، لذا فقد فرض الجزية على الرجال دون النساء والأطفال، وأسقطها عن الرجال ذوي العاهات والمرضى وكبار السن والعبيد ورجال الدين. وربط مقدارها بالإمكانيات بحيث لا يُكلف الانسان فوق طاقته. وقد تكرس هذا المعنى في صدر الاسلام وطبّقه الرسول في معاهداته مع غير المسلمين، فقد كتب لأسقف بني الحارث بن كعب وأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم «أن لهم ما تحت أيديهم من قليل وكثير، من بيعهم وصلواتهم ورهبانهم وجوار الله ورسوله، لا يغير أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا كاهن عن كهانته، ولا يغير حق من حقوقهم، ولا سلطانهم ولا شيء مما كانوا عليه، ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم ولا ظالمين». وقد تكرر ذلك مع ربيعة الحضرمي وإخوته وأعمامه «أن لهم أموالهم ونخلهم ورقيقهم وآبارهم وشجرهم ومياههم وسواقيهم ونبتهم وشِراجهم (السواقي) بحضرموت، وكل مال لآل ذي مرحب، وإن كل رهن بأرضهم يُحسب ثمره وسدره وقبضه من رهنه الذي هو فيه، وأن كل ما كان في ثمارهم من خير فإنه لا يسأل أحد عنه، وأن الله ورسوله براء منه، وأن نَصْرَ آل ذي مرحب على جماعة المسلمين… الخ».

وقد تضمنت العهدة العمرية لأهل ايليا (القدس) تلك الروحية ومما جاء فيها: «أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، ألا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم ولا يُنتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم. ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم… الخ».

وما يؤكد ان الجزية بدل حماية ما جرى بين ابي عبيدة بن الجراح والنصارى في الشام حين فتحها وأخذ الجزية من أهلها الذين كانوا يومئذ لا يزالون على دينهم، ولما علم ان هرقل أعد جيشاً عظيماً لاسترداد الشام من المسلمين، رد الجزية الى النصارى وقال لهم: «لقد سمعتم بتجهيز هرقل لنا وقد اشترطتم علينا أن نحميكم وإنا لا نقدر على ذلك، ونحن لكم على الشرط إن نصرنا الله عليهم».

وقد نهى الاسلام عن التشديد على أهل الذمة في الجزية والخراج وحضّ على الرفق واللطف بهم في كل حال، وألا يكلفوا فوق طاقتهم، جاء في الحديث الشريف: «من ظلم معاهداً او انتقصه حقه او كلّفه فوق طاقته او اخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة». وكتب علي بن ابى طالب الى بعض عماله: «لا تبيعن لهم في خراجهم حماراً ولا بقرة ولا كسوة، شتاء ولا صيفاً، ولا رزقاً يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها، ولا تضربن أحداً منهم سوطاً واحداً في درهم، ولا تقمه على رجله في طلب درهم، ولا تبح لأحد منهم عرضاً في شيء من الخراج، فإنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو، فإن أنت خالفت ما أمرتك به يأخذك الله به دوني، وإن بلغني عنك خلاف ذلك عزلتك».

وقد اورد ابن قتيبة صورة بالغة الدلالة عن وضع النصارى في دمشق ايام معاوية بن ابي سفيان، قال: «ولم يكن يقلق نوم العجوز معاوية فترة الظهيرة إلا أصوات أجراس الكنائس».

هذا هو الاساس الديني للعلاقة بين المسلمين وغير المسلمين في دار الإسلام، وهذا لا يعني عدم حصول تجاوز وافتئات وظلم وقهر طوال عهود الامبراطورية الإسلامية، ولكنه يعني إن حصل أنه لا يستند الى سند ديني، ولا شرعي، وإنما هو أمر سياسة وإدارة المُلك، ولا يُستثنى من ذلك كلام الفقهاء، وعّاظ السلاطين، او الذين ظنوا ان التشديد والتشدد في المواقف فيه خدمة للإسلام والمسلمين.

تقول المعطيات السابقة إن شروط دفع الجزية لم تعد تنطبق على المسيحيين، وأتباع الديانات الأخرى، طالما انهم يقومون بواجب الدفاع عن الوطن، عبر الانخراط في الجيش الوطني، ويدفعون الضرائب لخزينة الدولة، ناهيك عن ان معيار المواطنة الحديث غدا الانتماء الى وطن في دولة/أمة، وليس الانتماء الى دين، كما كان في الامبراطورية الإسلامية. وعليه، فإن كل ما قام به «داعش»، وسيقوم به لاحقاً، ليست له شرعية دينية او وطنية، وطردهم يتعارض مع ابسط القيم الاسلامية التي سمحت لأتباع الاديان الاخرى بالبقاء في دار الاسلام ومنحتهم حق ممارسة حياتهم وعباداتهم بالشكل الذي يرونه مناسباً، انه عار على منفذيه، عار على المسلمين اذا قبلوا به وسكتوا عنه، وأن نتيجته وخيمة: دمار للأوطان والانسان.

 كاتب سوري