الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/عامر الفاخوري ليس جزّارًا، بل ضحيّة… أُتركوهُ يموت

590

عامر الفاخوري ليس جزّارًا، بل ضحيّة… أُتركوهُ يموت.
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/15 حزيران/2021

قد يعتقد البعض أنّي في هذه المقالة بصدد الدفاع عن عامر الفاخوري. لا. بل أنا هنا لأقوم بأكثر من ذلك. أنا هنا لإسقاط الظلم عن أيّ متّهم زورًا في جيش لبنان الجنوبي، وما قضيّة عامر الفاخوري، بالنسبة لي، سوى جزء يمكن أن يساهم في إظهار كلّ الحقيقة.

منذ حوالي الأسبوع، وعلى أثر دخول جعفر غضبوني، وهو عنصر سابق في جيش لبنان الجنوبي، الأراضي اللبنانية، تحرّكت “هيئة ممثّلي الأسرى والمحرّرين” من سجن الخيام للضغط على القضاء اللبناني لكي يمنع غضبوني من السفر، بعدما أوقف على المطار ثمّ تمّ إطلاق سراحه. تخلّل هذا التحرّك إحراق صور مركّبة لغضبوني مع عامر الفاخوري الذي سبق أن حوكم وأطلق سراحه قبل أن توافيه المنيّة لاحقًا خارج البلاد. كما شهد التحرّك توجيه إتّهامات للقضاء بأنّه “ساقط بيد التدخّلات السياسيّة وعلى رأسها التدخّلات الأميركيّة”. وعلى غرار واحد، غرّد سالم زهران مهينًا كرامة الإنسان، ومشكّكًا في عمل القضاء، وداعيًا إلى إعداد العدّة للمواجهة، بينما القضاء لم يأتِ بأيّ ردٍّ أو فعلٍ إزاء أيّ نقطة أثارها زهران أو أيّ تهمة ساقتها هيئة الأسرى ضدّه. قال زهران:
<< فاخوري 2.. هل يتكرّر السيناريو؟ >>
<< وصل إلى المطار جعفر غضبوني (لحدي >>
<< وخطير) بجواز سفر أميركي (بحقّه بلاغ تقصّي >>
<< لصالح الجيش)، أوقفه الأمن العام وأشار >>
<< القضاء بإحالة ملفّه إلى الشرطة العسكريّة.. >>
<< ضغوط عاليّة المستوى على القضاء للإفراج >>
<< عنه.. فهل يخضع؟ >>
<< فليجهّز عوائل الشهداء والأسرى سواعدهم.. >>

إذًا هي تغريدة تحمل عنوانًا، وعرضًا لـِ “وقائع”، وتخلص إلى تحريض فئة من اللبنانيين، لكن من دون أن يتّضح ضدّ مَن!

“فاخوري 2”. عنوانٌ فيه انتهاك صارخ للمادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تقول: “لا يُخضَع أيّ إنسان للتعذيب أو للمعاملة أو العقوبة الوحشيّة، اللاإنسانيّة أو المُحطّة”. والمقصود هنا هو عدم تعريض الإنسان “لأيّ عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديًّا كان أو معنويًّا…”

عامر الفاخوري مات، ونحن شعب ينحني أمام مشيئة الله ويُسقط كل الاعتبارات أمام مُرِّ الموت، فَلِمَ العودة إلى قضّيته وزجّ اسمه في كلّ مرّة يعود إلى الظهور ملف أحد عناصر جيش لبنان الجنوبي، خصوصًا أنّ الفاخوري اعتُقل وخضع للمحاكمة ثمّ أُطلق سراحه؟!!

ماذا يعني إطلاق سراح الفاخوري؟ هو يعني أنّ الرجل بريء إلّا إذا زجّينا أنفسنا في نظريّات المؤامرة والادّعاء بأنّ إطلاق سراحه جرى مقابل إطلاق سراح قاسم تاج الدين، المتّهم بتمويل حزب الله، من السجون الأميركيّة. في حال كانت صفقة التبادل هذه صحيحة، فإنّ اللّوم يقع على الحكومة والقضاء اللبنانيّين وعلى حزب الله. أمّا وأنّنا لم نسمع صوتًا واحدًا من أهالي المحرّرين يعترض ضدّ الدولة أو الحزب بعد إطلاق سراح الفاخوري، فهذا يعني اعترافًا ضمنيًّا من قبلهم بصحّة قرار المحكمة وصوابه. ويعني أيضًا أنّ اعتداء أهالي المُحرّرين على عامر الفاخوري بشتائم فظّة ومُهينة كـَ “الجزّار” و “العميل”، وأنّ تعمّد سالم زهران زجّ اسم المرحوم الفاخوري في قضية جعفر غضبوني، لا يندرجان إلّا ضمن باب التحامل على الفاخوري ظُلمًا.

لا بدّ هنا من بعض التساؤلات: مَن يصون المادة الخامسة مِن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في بلادنا؟ ومَن يحمي ذُريّة عامر الفاخوري من التعذيب المعنوي الذي تتعرّض له جرّاء تشويه صورته وصورتها من بعده؟ وإذا القضاء لم يبادر إلى كمّ أفواه الافتراء المشكّكة في عدل أحكامه، كحين صوّره أهالي المُحرّرين بأنه “ساقط بيد الأمريكان”، أو كحين تساءَل سالم زهران ما إذا “سيناريو” الفاخوري سيتكرّر في القضاء، فَمَن يفعل عنه، ومَن يُنصف ضحايا حملات التعذيب المعنوي المُذلّة للإنسان؟!!

فَلنعد إلى البدايات. منذ العام 1975، تفاقمت أوضاع الحرب في لبنان حتّى جرّت أفعالُ الفلسطينيين واللبنانيين المنقلبين على دولتهم، إسرائيل إلى اجتياح لبنان عام 1982، وإلى أن تُمَوضِع جيشها في المناطق الجنوبيّة ضُمن ما عُرف في حينه بمنطقة الشريط الحدودي، في مقابل إطباق السوريين وزعانفهم اللبنانيين على كلّ باقي الأراضي اللبنانيّة وعلى القرار اللبناني.

في خضمّ هذه الأجواء، إنخرط عامر الفاخوري وأترابه من الجنوبيين في لعبة الحرب، وكان عليهم الاختيار بين منطقتين فاقدتين للسيادة اللبنانيّة، فاختاروا جنوبهم، أرض أجدادهم. هم اختاروا بين محتلٍّ مُعترفٍ بحدوده الدوليّة مع لبنان، وموقّعٍ عليها في الأمم المتّحدة، ومحتلٍّ آخر يرفض لغاية اليوم ترسيم حدوده مع لبنان. هم اختاروا بين محتلّ أبقى حدوده مغلقة مع لبنان حتّى في عزّ احتلاله، ومحتلّ شرّع حدوده مع لبنان للتهريب ونهب الدولة اللبنانيّة. هم اختاروا بين محتلّ لا سلطة لديه على أصغر جندي في جيش لبنان الجنوبي، ومحتلّ يتدخّل في تعيين أصغر موظف في الإدارة اللبنانيّة. هم اختاروا بين سجن الخيام بإدارته اللبنانيّة بالكامل، ومسالخ تدمر وصيدنايا والمزّة داخل الأراضي السوريّة. هم اختاروا المكوث حيث وجدوا أنّ انتماءهم اللبناني وحرّيتهم يتحقّقان أكثر. أفلا يحقّ لهم ممارسة قناعاتهم هذه لنأتي نحن ونزرع في رؤوسهم أكاليلًا من الشوك، ونَهَبُ أكاليل الغار إلى مَن تآمروا على لبنان؟!!!

على سبيل المثال لا الحصر، عامر الفاخوري ليس جزّارًا، وهو بالكاد معروف من رفاقه في جيش لبنان الجنوبي، ومَن يعود إلى سجّلات هذا الجيش يجد أنّ الرجل كان يشغل وظيفة لوجستية تتعلّق بتنظيم دوامات وإجازات وشؤون عسكر سجن الخيام، ولا دخل له بالمساجين. فلنسلّم جدلًا أنّه كان يُمعن بتعذيب المساجين، ولنقارن هذا الافتراض بتقارير مؤسسات حقوق الإنسان العالميّة في ثمانينيّات وتسعينيّات القرن الماضي، فهل تُشير هذه التقارير إلى أنّ السجن المذكور هو أشبه بمعتقلات الإبادة النازيّة كما يُصوّر اليوم لنا؟ هل تُشير إلى مساجين ماتوا تحت التعذيب في الخيام؟ ولو افترضنا أنّ سُهى بشارة نفّذت عمليّتها ضد ضابط بنجمة واحدة في الجيش السوري وليس ضدّ أنطوان لحد، فهل كانت ستخرج حيّة من السجون السورية؟ وقِس على ذلك.

دعوا عامر الفاخوري يموت بسلام. الرجل لم تصدر بحقّه أيّة أحكام قبل اعتقاله في مطار بيروت. الرجل شُطب اسمه من بين المطلوبين على لائحة ما يُعرف بالقرار 303 (أنظر المستند المرفق تاريخ 11/4/2017). الرجل شارك في الانتخابات النيابيّة عام 2018 (أنظر صورته يقترع من أمريكا)، ما يعني أنْ لا تُهم على سجلّه العدلي. الرجل، وبحسب المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي “لا ملاحظات قضائيّة عليه” (أنظر المستند المرفق تاريخ 16/8/2018). الرجل هو، بتجرّد مطلق، ضحيّة أحقاد لا واعية على قاعدة “… شيلي منَّك وحُطّي فيّي”. الرجل ضحيّة عدالة لا تحترم تواقيعها.

إلى أصحاب النزوات الحاقدة، أختم بالقول:
الحرب انتهت وبتنا على قاب قوسين من واحدة جديدة. عامر الفاخوري وغيره ماتوا، ولا يُحاكي الموتى إلّا الأموات. فدعوهم لحكم ربّهم السماوي واتركوهم يموتون، واتركوا ذريّاتهم تعيش بسلام.

ملاحظة: تعمّدت عدم إظهار أسماء المشطوبين من لائحة 303 احترامًا لخصوصيّة الأفراد، كما تعمّدت محيَ إسم الموقّع على مستند قوى الأمن الداخلي.