الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/لا تأسفوا كَيْ لا يؤسَفَ علينا… كان ينقصنا أن يعيّرونا لأنّه مكتوب على هويّاتنا لبناني

573

لا تأسفوا كَيْ لا يؤسَفَ علينا…
*استفزتني مشاهدة صور بشّار الأسد، واستفزني العلم السوري مرفرفًا فوق أرض لبنانيّة، كما يستفزني علم فلسطين وكوفيّة ياسر عرفات فوق أرضي.
*وكان ينقصنا أن يعيّرونا لأنّه مكتوب على هويّاتنا “لبناني(ة)”.
*مَن يُريد فلسطين وإيران قبل لبنان، فلنقاتله ليرحل عنّا إلى القدس وطهران، وهذا بدوره عليه تسديد فاتورة ما تعرّض له وطننا من خسائر بشريّة وماديّة جرّاء الإنجرار وراء الأقصى وقُم.

الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/22 أيار/2021

يلوموننا، لا بل يشتموننا لأنّنا لم نتضامن مع الفلسطينيين. ينعتوننا، لا بل يصنّفوننا عنصريين لأنّنا رفضنا أن يُرفع علم غير العلم اللبناني على أرضنا.
وكان ينقصنا أن يعيّرونا لأنّه مكتوب على هويّاتنا “لبناني(ة)”.

هؤلاء كانوا “القوّات”… “إيه قوم بقا، وإذا كانوا القوّات!!؟” أَوَليس القوّات لبنانيين؟ أنا لست قوّاتيًّا، ولي صداقات واسعة مع سوريين، لكن استفزّتني مشاهدة صور بشّار الأسد، واستفزّني العلم السوري مرفرفًا فوق أرض لبنانيّة، كما يستفذّني علم فلسطين وكوفيّة ياسر عرفات فوق أرضي.

أنت الذي أزعجك “الاعتداء”، في لبنان، على جماهير السوريين المتوجّهة لكي تنتخب رئيسًا جديدًا لسوريا، اسأل نفسك ما الذي أوصل إلى هذا الاعتداء؟ أو لأُهوِّن عليك، اسأل نفسك ما هي الظروف التي يرتفع فيها علم دولة ما في دولة أخرى؟

هي ظروف معدودة ولها معانيها الواضحة، إذا ما استثنينا رفع أعلام بلدان المنتخبات المشاركة في بطولات العالم لكرة القدم:
1. يُرفع علم دولة غريبة، في بلدٍ ما، تكريمًا لزائر كبير من هذه الدولة. كما حصل وقت زيارة الباباوات للبنان (رُفع علم دولة الفاتيكان).
2. يُرفع علم دولة أو منظّمة غريبة، في بلد ما، عندما يقع هذا البلد تحت وصاية الدولة أو المنظّمة. كما هي حال “اليونيفيل” في جنوب لبنان.
3. ويُرفع علم دولة غريبة، في بلد ما، حين تحتلّ الدولة الغريبة هذا البلد.

برأيك ايّها المُزعِج المَزعوج ممّا فعله اللبنانيون بالسوريين، هل قام اللبنانيون بما قاموا به لأنّ العلم السوري يُذكّرهم بليالي جهنم التي كانوا يعيشونها جرّاء القصف السوري للمناطق المسيحيّة أبّان حرب الـ 1975؟ أم لأنّهم شعروا بأنّ العلم السوري هو بمثابة علم دولة غريبة محتلة؟
بالتأكيد هم شعروا بانّ العلم السوري يمثّل دولة مُحتلّة، إذ لا مبرّر غير ذلك لكي يُرفع هذا العلم فوق أرض لبنانيّة.

حصل ما حصل، ولكلّ منّا قناعاته ومواقفه، لكن في حال تكرّر الاعتداء على سيادتنا بهذا الشكل، أنصح الشباب، وأنا سأعمل بالنصيحة على رأسهم، ألّا نكتفي بإزالة صور رئيس الدولة المحتلة، وبمنع رفع علم الإحتلال فوق أرضنا، وإنّما علينا، ومن دون رحمة، بـ “تأديب” كل لبناني يرى أنّ المشكلة هي في انتمائنا كلبنانيين إلى القوّات أو غير القوّات، وليس في اعتداء غريب على حرماتنا.

أنصح الشباب وأحرّضهم على “تأديب” كلّ لبناني ينظر في حقوق الغريب المحتلّ لكياننا على حساب حقوقنا وحريّتنا.

أنصح الشباب وأحرّضهم على “تأديب” كلّ لبناني يتقدّم باعتذار عنهم، أو يستنكر ما فعلوه، لاسيّما هؤلاء “بياضين الطناجر” الفاتين بـِ “ضربي عالحافر، وضربي عالمسمار” والقائلين: نحن ضد رفع العلم السوري لكنّنا لسنا مع أسلوب هؤلاء الذين أدّبوا السوريين!!

حصل ما حصل، ولكلّ منّا قناعاته ومواقفه، لكنّنا تأخّرنا كثيرًا أيّها الشباب لنُدرك أنّ لبنان محتلّ ويجري تغيير هويّته. افتحوا المحطات اللبنانية وراقبوا مسلسلاتها، فسوف تُلاحظون أنّ اللهجة الطاغية على شاشاتنا هي السورية. هذا إحتلال. سوف تُلاحظون أنّ الأعمال الطاغية عندنا هي المسلسلات التركيّة. هذا أيضًا إحتلال. وسوف تُلاحظون عودة أزلام البعث إلى تصدّر الشاشات. وهذا أكبر إحتلال.

يوم أقرّت الدولة اللبنانيّة قيام مهرجانات بعلبك الدوليّة، استدعى الرئيس كميل شمعون الأخوين رحباني وطلب منهما أن يعزّزا من خلال مسرحهم لهجة لبنانيّة بيضاء يفهمها كلّ اللبنانيين وتجمعهم. هذا عمل ثقافي وطني. وعلى غرار الرحابنة، وحّد عبد الحليم كركلا الدبكات البشرّاويّة والبعلبكيّة والجنوبيّة في دبكة لبنانيّة واحدة. هذا أيضًا عمل ثقافي وطني. أمّا أن تعود إلى مسلسلاتنا في هذه الأيّام اللهجات المحليّة، لاسيّما تلك الشيعيّة، وأن تطغى على اغانينا اللكنة الشيعيّة على حساب اللهجة اللبنانيّة، فهذه ثقافة فئويّة غير وطنيّة، لا بل هي في منطلقها دينية ايديولوجيّة.

نعم تأخّرنا لندرك أنّنا نتعرّض لهجمة “امبريالية ثقافية” سوف تحوّل لبنان الرسالة إلى دولة إسلاميّة ملالوية بحجّة أنّنا مشرقيين وأنّنا بحاجة لتحالف الأقليّات، وتحت غطاء مَن يُعطي الغطاء لغاياته الصغيرة الحقيرة. لا تستخفّوا بِـ “الإمبريالية الثقافية” الشيعو-علويّة أو الإيرانو-بعثيّة. واجهوها، إنّها لأخطر من سلاح حزب الله، وأخطر من الإحتلال العسكري السوري، وأخطر من وقاحة اللبنانيين الحالمين بتحرير القدس.

بمثل هذه الإمبريالية انقرضت أديان ومجتمعات، وبمثلها تدمّرت اقتصادات وزالت لغّات، وبمثلها تبخّرت قيم وانفرطت أخلاقيات. بمثلها ضاعت أوطان وأمم.

فلنصوّب البوصلة من الان وصاعدًا، وإليكم بعض الأمثلة على كيفيّة ذلك بالمفهوم السيادي النضالي:
مَن يُريد الاحتجاج على تحويل كنيسة “الأيا صوفيا” إلى جامع، فليُقاطع أقلّه المسلسلات التركيّة التي تُستخدم كأداة لعودة الأتراك كلاعب أساسي على خارطة الشرق الأوسط وفي لبنان.

مَن يُريد الاحتجاج على المواكب السيّارة بصور بشّار الأسد والعلم السوري، فليُقاطع أوّلًا كل ما ينطق بلهجة سوريّة على شاشاتنا، وليُقاطع هذا النوع من الإحتلال الذي يغسل أدمغتنا بأساليبه التي لا تُشبهنا.
ومَن يُريد فلسطين وإيران قبل لبنان، فلنقاتله وليرحل عنّا إلى القدس وطهران، وهذا بدوره عليه تسديد فاتورة ما تعرّض له وطننا من خسائر بشريّة وماديّة جرّاء الإنجرار وراء الأقصى وقُم…

نعم تأخّرنا لكنّ الأوان لم يفُت، وما فعلناه بالأمس على نهر الكلب لن نتأسّف عليه كي لا نسقط في التخاذل ويؤسَف علينا.