الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/هؤلاء البدو…لم أفهم بعد لماذا نَعتُ عرب الخليج بالبدو اعتُبر إهانة، بينما هم أنفسهم يفخرون بكونهم بَدَويين

436

هؤلاء البدو… لم أفهم بعد لماذا نَعتُ عرب الخليج بالبدو اعتُبر إهانة، بينما هم أنفسهم يفخرون بكونهم بَدَويين!
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/19 أيار/2021

أنا لا يعنيني امتعاض دول مجلس التعاون الخليجي من زلّة وزير خارجيّة لبنان شربل وهبه. ولا يعنيني كفّ يدِ هذا الوزير عن ممارسة اعماله في الوزارة. إنّ ما يعنيني في كلّ هذه القضيّة، هي الإساءة إلى أصدقائي البدو الذين أشتاق إلى جلساتهم وسمرهم و”استراحاتهم” في عمق البادية، وقد غبت عنها لأوّل مرة منذ عشرين سنة بسبب انتشار “الكوفيد 19” في العالم.

لم أفهم بعد لماذا نَعتُ عرب الخليج بالبدو اعتُبر إهانة، بينما هم أنفسهم يفخرون بكونهم بَدَويين!

بالنسبة للوزير وهبه الذي نعتَهم بالبدو لتحقيرهم، هو لم يحقّر سوى نفسه ومقامه، لأنّه يجهل أنّ البداوة هي إرث حياتي وثقافي، كما يجهل أنّ مَن يتعرّف على حياة البدو، يَصْعَب عليه عدم العودة إليها من وقت إلى آخر.

مغامراتي مع عرب البادية كثيرة. معًا قمنا برحلات “البَرّ”، ومارسنا صيد الحباري بالصقور، وافترشنا رمال الصحراء (في العراء) تحت قبّةٍ من النجوم تُلهب الأنفاس بسحرها. بعدما عرّفوني على الصحراء وأسرارها، في هدوئها وغضبها، أيقنت “أنّ الله لا يُعبد بين أربعة جدران” على ما يقول حمزة بن عبد المطّلب.

معًا، في المملكة العربيّة السعوديّة والخليج، قعدنا القرفصاء لتناول أكلاتهم “الكبسة”  و”المغلغل” و “الحاشي”…، ومعًا، في الأردن، أكلنا “المنسَف” باليد وقوفًا، وأكلنا “المسخَّن”… عرّفوني على التمور وفوائدها: “عجوة المدينة”، “الصِقعي”، “خْلاص القِصيم” وغيرها…، وما كانوا يتركوني أعود إلى لبنان إلّا محمّلًا بمئات الكيلووات من أجود أنواعها.

معًا أمّينا أرقى الفنادق والمطاعم في عدّة عواصم، ومعًا تنقّلنا على الجمال في البادية، وسافرنا بالطائرات الخاصة بين الدول.

حصلت معي حادثة مرّة، هي بالنسبة لي كافية لتصوير أهميّة البدو.
كنت أصوّر برنامج “عيش صحاري” في صحراء “ضرما” السعودية، فطلبت من صانعَيْ الألعاب في البرنامج، أن يُقيما منافسة بين المشتركين لا تنتهي بأقلّ من نصف ساعة على الهواء، لأنّ مواد الحلقة التي نصوّرها قليلة ولا تصل إلى ساعة. طمأناني، واقترحا عليّ منافسة (لعبة) تجمع، في آن، بين القدرة الذهنيّة واللياقة البدنية، وأخبراني انّ نفس اللعبة ألعباها لمدراء بنوك لبنانيين، ولم يتمكّن أحد منهم مِن الفوز بأقلّ من 16 (ست عشرة) دقيقة. وأتذكّر في هذه اللحظات ابتسامة أحدِ صانعَيّ الألعاب وهو يقول لي: “إذا مدير البنك أخدت معو 16 دقيقا تَ حلّها، فَ هيدا لِ بْدُوّي ما ممكن يحلّها بأقل من 45 دقيقا”… هنا تدخّل صانع الألعاب الثاني مثنيًا بسخرية على كلام رفيقه بالقول: “هَيدي إذا قدر حلّها.. هههه”. وأشار لي صانعَيّ الألعاب إلى أنّ هناك طريقة واحدة وفريدة لحلّ هذه اللعبة.
وافقت على الاقتراح وطلبت من مساعدي تولّي تصوير اللعبة لأنّي لم أعرف النوم منذ ثلاثة أيّام، واحتاج إلى قيلولة لبعض الوقت. أطلقت إشارة البدء باللعب، وتوجّهت إلى سيارتي لأنام قليلًا، وما هي إلّا ثلاث أو أربع دقائق حتّى علا الصراخ في موقع التصوير. خرجت بسرعة مستفهمًا عمّا يحصل، فوجدت أنّ احد الفريقين المتنافسَين فاز باللعبة بدقيقتين و43 ثانية، وأنّ صانعَي الألعاب يرفضان إعلان النتيجة لأنّهما غير مقتنعين بأنّ البْدُوّي “مِدعِث السهلي” هو مَن قاد فريقه إلى النصر بهذه اللعبة بأقلّ من ثلاث دقائق!
“مدعث” ابن العشرين سنة هو “راعي بِل”، أي راعي ماشية. لم يعرف باب المدرسة بحياته. تقدّم إلى البرنامج ورسب في تجارب الدخول، لكنّنا أعدنا الإتصال به بعدما انسحب فجأة أحد المشتركين قبل بدء التصوير بيومين.

أصرّ صانعَيّ الألعاب على عدم إعلان فوز فريق “مِدعِث”، وراحا طيلة تلك الليلة يستعيدان مشاهدة كلّ كاميرات التصوير، على البطيء، لقطة لقطة، وأحيانًا بتكبير الصورة، لكن لا فائدة! “مِدعِث” لم يغش كما يدّعيان، وأكثر من ذلك هو فاز بذكائه الفطري وبطريقة جديدة غير تلك التي يعرفها صانعَي الألعاب. أرادا معرفة كيف فكّر “مدعث”، وكيف حلّ اللعبة، لكنّه رفض إخبارهما لأنّهما إتّهماه بالغش، وفي النهاية لم يُخبرهما إلّا بمونة منّي شخصيًّا.

هذا نموذج صغير من هؤلاء البدو. وللجهلة الذين لا يعرفون:
في بلاد البدو، الإنترنت تصل إلى بيتك أقلّه بسرعة 20 Mbps، وبسعر زهيدٍ جدًا وأقلّ ممّا ندفعه ثمن 2 Mbps في لبنان.
في بلاد البدو، الكهرباء لا تنقطع وتصل إلى البيوت بأسعار شبه مجانيّة.
في بلاد البدو، يحترمون إشارات المرور، ومَن يُخالف يتكبّد غرامات باهظة، ويصل عقابه إلى السجن وإلى نزع رخصة السَوْق منه.
في بلاد البدو، لطالما سِرتُ على الطرقات في الليل من دون أن أُشعل فوانيس السيّارة، لأنّ الطرقات مضاءة بالشكل الذي لا يجعلك تنتبه بأنّ الظلام حلّ.
في بلاد البدو، فتحت حسابًا مصرفيًّا باقل من نصف ساعة، وحصلت على بطاقة ائتمان من دون كثرة أوراق ولا ايّ ضمانات.
في بلاد البدو، إذا تلكّأت في دفع فاتورة جوّالك، لا يقطعون خطّك قبل ثلاثة اشهر، ولا يبيعون رقمك لعميل آخر قبل مرور سنتين.
في بلاد البدو، يقدّمون المنح الدراسيّة لشبابهم في الخارج، ولا يسرقون ودائع الأهل من البنوك والتي وفّروها لتعليم أبنائهم.
في بلاد البدو، لا يأخذون منك ضمانة “خمسمائة دولار” ليسلّموك خطّ الجوّال، ثمّ “يقرطون” الخمسمائة دولار ولا مَن يسأل. هناك، يُعطونك الخط مجانًا، ويقدمون لك الكثير من العروض، وبإمكانك ان تحصل كل سنة على جهاز جوّال مجّاني، Iphone وما فوق ليس إلّا. وإذا كنت مشتركًا بالبطاقة الشهريّة وليس برقم ثابت، لا تخسر ال Units خاصتك آخر الشهر إذا لم تصرفها…

هؤلاء هم البدو، وهذه نماذج من بلادهم. أنا أفكّر منذ البارحة لماذا بعض الإعلاميين يُحاولون إخافتنا من أنّه بسبب سقطة شربل وهبه قد يتمّ ترحيل مئات آلاف اللبنانيين من الخليج!!؟ أنا أوكّد ان هذا الأمر لن يحصل. هكذا صغائر لا يمارسها البدو ولا تمارسها حكوماتهم. مَن يعرف البدو، يعرف جيّدًا انّه ما كان من داعي حتّى ليزحف “الزعماء” اللبنانيون إلى خيمة السفير السعودي للاستنكار والاعتذار، لأنّ تفاهة شربل وهبه انتهت قبل أن تبدأ بالنسبة لأصدقائي البدو.

في آخر لقاء بين آرييل شارون وبشير الجميّل، تخوّف بشير أن يُطرد المسيحيّون من الخليج في حال ذهب إلى السلام مع إسرائيل، أجابه شارون: “لا تقلق، وقّعنا مع مصر ولم يطردوا مصريًّا واحدًا من الخليج”.