الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري: السيّد والسيّد وما بينهما/قالوا بالأمس: “الفلسطينيون جيش الإسلام في لبنان”، نقول اليوم: “العلمانيون الجدد أداة الملالي والبعث في لبنان”، سلاحهم انتخابات نيابيّة صوريّة ومعروفة النتائج سلفًا

701

السيّد والسيّد وما بينهما…
قالوا بالأمس: “الفلسطينيون جيش الإسلام في لبنان”، نقول اليوم: “العلمانيون الجدد أداة الملالي والبعث في لبنان”، سلاحهم انتخابات نيابيّة صوريّة ومعروفة النتائج سلفًا. التداعيات: “الإكمال في نحر المسيحيين اللبنانيين”. كل هذا لا يُخيفنا، إنّما المُخيف هو أنّ الصورة ينقصها رهبانًا يحملون عصيًّا وزنانير جلدية لا اقلامًا، وجبهة لبنانيّة…

الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/08 أيار/2021

****

السيّد الأوّل هو جميل. السيّد الثاني هو حسن نصرالله.

أطلّ علينا الأوّل عبر محطة “الجديد” منذ قرابة الثلاثة أسابيع مقترحًا انتخابات نيابيّة مبكّرة تنظّمها الحكومة الحاليّة المستقيلة، وبعد الانتخابات مباشرة يبادر رئيس الجمهوريّة إلى الاستقالة ليُسار مباشرة إلى انتخاب رئيس جديد للبلاد.

الثاني أطلّ علينا أمس ليؤكّد أنّ جبهة الممانعة بقيادة إيران لثابتة على مواقفها، وإنّها لمنتصرة منتصرة، وإنّ إسرائيل إلى زوال ولبنان “قويٌّ قويّ”. ننصح بعدم الضحك على مقولة لبنان قويّ قويّ” لأنّ ما سيلي مُبكي.

ماذا بين الأوّل والثاني؟
إنّ بينهما زيارة وزير خارجيّة فرنسا، “جان إيف لو دريان”، إلى بيروت، وإطلالات إعلاميّة على هامش الزيارة لإلياس الفرزلي، وعدد من “المعارضين التغييريين” (بتحفّظ) الذين أنعم عليهم “لو دريان” بأن يلتقوه في قصر الصنوبر.

الجامع المُشترك بين كلّ الإطلالات هو أنّ الانتخابات النيابيّة حاصلة بأيّ ثمن، وأنّ سوريا عائدة إلى لبنان، وإنّ حزب الله هم الغالبون، أقلّه في المدى المنظور.

الفرزلي، بأسلوبه الشعري التبجيلي، وبـِ “التشبير” وحكّ المناخير، يصرخ: “تأجيل الانتخابات النيابيّة سنرفضه رفضًا جوهريًّا وقاطعًا…”. للوهلة الأولى تعتقد بأنّ الفرزلي يغار على تطبيق القوانين واحترام المهل الدستورية، بينما هو في الحقيقة يُتابع المسرحيّة الهزليّة عن الانتخابات، والتي بدأها جميل السيّد، وعنونّاها في حينه “مع السيّد فتّش عالخازوق” (راجع مقالتنا بتاريخ 19-4-2021)…

أن يؤكّد الياس الفرزلي، بعد جميل السيّد، على أنّ التغيير سيحصل من الداخل بعد الانتخابات، وذلك من دون اعتبار أيّ تأثير لحزب الله وسلاحه فيها، لهو أمّرُ يستدعي التفتيش عن “الخازوق الثاني” الذي يُحضّر ليُدخّل في قفانا السفلي. وللزيادة في ترتيب وضعيتنا للخازوق، إستغلّ الفرزلي حالة الكره السائدة لجبران في الشارع اللبناني، ليوهمنا أنّ الأخير يُعارض الانتخابات النيابيّة لأنّ نتائجها لن تصبّ في صالحه، مع العلم اليقين بأنّ مناصري ومحازبي التيار الوطني الحرّ الذين تخلّوا عن جبران لن يقترعوا لصالح أخصامه. لتجنّب ألاعيب الفرزلي البعثيّة الهوى، يكفينا أن نتذكر جلوسه منذ فترة ليست ببعيدة على يمين جبران في اجتماعات تكتّل “لبنان القويّ”.

ولم يفت الفرزلي استباقَ ظهور السيّد حسن أمس، للإشادة بأداء الممانعة. فعلى غرار السيّد حسن نفسه قال: “المقاومة وخطّ المقاومة لم يتضرّرا قيد أنملة في سوريا باعتراف الأمريكان أنفسهم”. ولم يفته أيضًا تضخيم الخطر على وجود المسيحيين وحضورهم في لبنان. أمّا ألعن وأخسّ وأحطّ ما تلفّظ به الفرزلي في إطلالته، هو حين سألته المذيعة: “في حال عودة سوريا إلى لبنان، سياسيًّا وليس عسكريًّا، ألا يرفع هذا من حظوظ الوزير جبران باسيل في الوصول إلى الرئاسة؟” فأجابها: “ليش؟!! ليش بدّو يرفع؟ ليش السوريّين شغيلي عند جبران؟”

هذا هو الفرزلي بوق البعث في لبنان: أزعجه أن يكون السوريون شغّيلة عند جبران، ولم يُزعجه أنّهم عائدون إلى لبنان!!! إنّها عمالة ما بعدها عمالة، صرنا “شغيلي” عند السوريين… تْفِه.. تْفِه!!

بعد جميل السيّد والفرزلي، تحلّ زيارة “لو دريان” التي تندرج هي الأخرى ضمن “البروباغندا” المسوِّقة لانتصار خطّ الممانعة، تمهيدًا لعودة السطوة السورية على لبنان، لاسيّما بالنظر إلى مجموعات “المعارضين التغييريين” (بتحفّظ) التي التقت “لو دريان” في قصر الصنوبر.

تعالوا ننظر إلى تلك المجموعات من دون أن نتوقّف عند تجاهل “لو دريان” لغبطة البطريرك الماروني بشارة الراعي ولمبادراته لإنقاذ لبنان، بما يعني تجاهلًا لطرح الإنقاذ الجدّي والوحيد اليوم. يتشكّل “المعارضون التغييريون” (دائمًا بتحفّظ) من ست مجموعات يساريّة علمانيّة وثلاثة أحزاب يُفترض تاريخيًّا أنّها مسيحيّة يمينيّة.

المجموعات اليساريّة العلمانيّة ترافقنا معها خلال الثورة، وكنّا حتى فترة قريبة نسعى لردعها عن نعت المسيحيين بالصهاينة، لاسيّما القواتيين والكتائب، لأنّهم شكّلوا العصب الأساسي للثورة، لكن من دون نتيجة تُذكر معهم.

سلوك هؤلاء اليساريين العلمانيين المتحجّرين كان السبب في زرع الشقاق بين مكوّنات ثورة 17 تشرين، وهناك شكوك كبيرة بتأثير حزب الله على أدائهم. هؤلاء أنفسهم زرعوا “القبضة اليساريّة” على رأس الثورة، وتمسّكوا، نكايةً بأبناء “عيسى”، بانتعال الكوفية العرفاتيّة على رقابهم في الساحات. هؤلاء أنفسهم رفضوا مبادرات البطريرك الراعي للإنقاذ، ليس لعدم اقتناعهم بها، بل لأنّ البطريرك لباسه جبّة كهنوتيّة. هؤلاء أنفسهم هم الخلفاء القاصرين للحركة الوطنيّة التي خرّبت لبنان في سبعينيّات القرن الماضي. هؤلاء أنفسهم كانوا يعمّمون تحييد حزب الله من أهداف الثورة. وكي نكون منصفين، واستدراكًا للتعميم، لا بدّ من الإشارة أنّ هذه المجموعات الست منقسمة على نفسها بما يتعلّق بموقف الثورة من حزب الله وسلاحه، والدليل أنّ تحرّكاتهم في الشارع ما عادت تجمع أكثر من العشرات القلائل.

ترافق مع هؤلاء، للقاء “لو دريان”، بيار عيسى عن “الكتلة الوطنيّة”، الذي عاد وأكّد بعد اللقاء على مواقفه المعروفة بأنّ “سلاح حزب الله أوسع بكثير من القضيّة اللبنانيّة ولا يعتقد أنّ صواريخ الحزب تُستعمل في الصراع اللبناني”، وهو الأمر الذي بتناقض مع طروحات رفيقه إلى “بين الصنوبرات”، الكتائبي سامي الجميّل، الذي يعتبر بمكان أنّ سلاح حزب الله هو السبب في اعتلال لبنان اليوم. لكن مما لا شكّ فيه، فإنّ الرجلين يسيران بحزبيهما نحو اليسار إذا ما أخذنا في الاعتبار تصريح أمين عام حزب الكتائب سِرج داغر حين قال: “الكتائب منذ تأسيسها هي أقرب إلى اليسار”. الرفيق الثالث إلى “بين الصنوبرات”، ميشال معوّض، لا يُعوّل على مواقفه، فبالأمس القريب كان جالسًا على مائدة تكتّل جبران… يبقى نعمة افرام، فلم نتأكّد من مشاركته في لقاء “بين الصنوبرات”، إذ ذكرت بعض الوسائل الإعلامية حضوره، وبعضها لا.

هنا نصل إلى البيت القصيد، يلتقي الذين اجتمعوا بـِ “لو دريان” مع جميل السيّد والياس الفرزلي بتأييدهم إجراء الانتخابات النيابيّة وبعدم ذكر تأثير حزب الله على هكذا انتخابات، ومع أمثالهم يجب البحث عن “الخازوق الثالث” الذي باعتقادنا سيتمّ إدخاله هذه المرّة في قفا الثورة للإجهاز على ما تبقّى منها.
هذه هي “المشهديّة” بعدسة كاميرا “عاديّة”، أمّا إذا غيّرنا إلى عدسة “واسعة” لنرى كلّ شيء بلقطة واحدة، فتكون النتيجة: “مطرح ما (…) رح يشنقوه”، أو: “أرطِة عالم مجموعين، ومش فهمانين، ما همّن إلّا يْصالوا عَ السلطة ولو على جتت اللبنانيين”.

هي الصورة نفسها عشيّة حرب العام 1975، مع تبدّل في الأسماء، من عرفات وحركة وطنيّة “علمانيّة” بدعم غربي كامل ضدّ الخط اللبناني السيادي، إلى السيّد حسن و “ثوّار” يساريين “مفكّرين حالن علمانيين” مع هَبَل غربي كامل خلفهم.

قالوا بالأمس: “الفلسطينيون جيش الإسلام في لبنان”، نقول اليوم: “العلمانيون الجدد أداة الملالي والبعث في لبنان”، سلاحهم انتخابات نيابيّة صوريّة ومعروفة النتائج سلفًا. التداعيات: “الإكمال في نحر المسيحيين اللبنانيين”. كل هذا لا يُخيفنا، إنّما المُخيف هو أنّ الصورة ينقصها رهبانًا يحملون عصيًّا وزنانير جلدية لا اقلامًا، وجبهة لبنانيّة…

إنّه اليوم المائتان وثلاثة بعد السنة لانبعاث الفينيق. باقون في العدّ لأنّ الفينيق متى قام لا يعود.