الكولونيل شربل بركات/حزبالا المجموعة القاتلة لدولة لبنان

353

حزبالا المجموعة القاتلة لدولة لبنان
الكولونيل شربل بركات/08 أيار/2021

لبنان ليس بوطن كبقية الأوطان. فلن يرضخ الأحرار فيه بالرغم من كل الضيق، وبالرغم من كل الضغوطات المادية والمعنوية، وسيحمل الأطفال راية الحرية، وسينبت تحت كل حجر طفل جديد يمزق ستار الحقد الذي غلفوا لبنان به. فتتشابك الأيدي وتتجمع الطاقات، ويعود لتلك الأرض بساط الخير الذي عرفته. ولن يركع لبنان بالرغم من محاولتهم تطويع ابنائه، ولن يخضع الأحرار بالرغم من تألب الدول عليهم، وسيقوم، كما في كل مرة، وسينظف صورته من جديد، ويمد يده لكل من يحترمه، ويسهم في تلاقي الشعوب مرة أخرى، على الخير والتعاون، لا على القتل والدمار والرايات السوداء كوجوههم.

***
خلال تاريخ لبنان الحديث تكلم الكثيرون عن التجربة اللبنانية، منهم من سلط الضوء عليها من الناحية الإيجابية ومنهم من تكلم عنها دوما من الناحية السلبية.

الإيجابية كانت تضيء على جوانب مهمة ذكرها الدستور اللبناني فيما يتعلق بحرية المواطنين في أغلب المجالات الحياتية الأساسية، وهي تتلخص اجمالا بالحق بحرية المعتقد والتملك والمشاركة في السلطة، وهذه مبادئ عامة اعتمدتها الدساتير منذ الثورة الفرنسية التي نادت “بالحرية والأخوة والمساواة”.

ولكن، وكما كان زمن حكم المدينة – الدولة، حيث تتنافس المدن الساحلية أحيانا وتتعاون أحيانا أخرى، ولكل منها سلطتها وحكمها الذاتي، كان لبنان الوطن، الذي يشكل العمق الرئيسي لهذه المدن، يتألف من مناطق متميزة متنافسة أحيانا ومتعاونة أحيانا أخرى. ولكنها، وبسبب تاريخها الطويل ومعاناتها مع الجوار المختلف، كانت منفتحة على بعضها ومتقبلة لخصوصيات بعضها بشكل من الاحترام المتبادل، والذي رايناه في القرى المختلطة حتى ايامنا، حيث تعيش في نفس القرية فئات مختلفة لها عاداتها وتقاليدها وطريقة عيشها ولا تتدخل بعيش الآخرين ولا بمعتقداتهم، لا بل تحترم هذه العادات والمعتقدات وتشارك حيث يسمح لها بالمشاركة، كنوع من التقدير وكرمز للتعاون.

من هنا فقد تميز الانتشار الجغرافي للفئات اللبنانية في مناطق خاصة، فكان الموارنة بعد هجمات المماليك قد انحصروا في جبتي بشري والمنيطرة، كما انحصر الوجود الدرزي في الشوف ووادي التيم، بينما انحصر الوجود الشيعي في جبل عامل والبقاع، وقد بقي الوجود السني منتشرا في المدن الساحلية ومنطقة عكار. ولم يعني هذا بأن تلك المناطق كانت حكرا على الفئات التي سميناها، ولكنها كانت بالأغلب تسكنها هذه الفئات وتسيطر فيها سلطة تمثلها.

ويوم قام لبنان الكبير كان لا بد له من أن يضم المدن التاريخية اللبنانية؛ صور وصيدا وبيروت وجبيل وطرابلس وهي التي ميزت حضارته منذ العصور الغابرة، وبنفس الوقت كانت المناطق الداخلية التابعة لها تضم هذا التجمع المتعدد والمختلف عن المحيط الكبير الذي كان تبع السلطنة واعتنق المذهب السني.

تاريخ الدروز، ومهما حاول الأتراك خلق المشاكل بينهم وبين الموارنة، كان كافيا ليعطيهم تعلقا بلبنان الوطن أكثر من غيرهم، فكلما قل عدد المواطنين وتقلصت المساحات زاد دورهم كطائفة لها وزنها وتاثيرها عدا عن تاريخها في النضال. وقد كان من المفترض أن يحذو الشيعة اللبنانيين خاصة سكان جبل عامل حذو الدروز والمسيحيين بالاجمال، كونهم في لبنان يشكلون عددا مقبولا يعطيهم الخاصية والتمييز الذي حاولوا طيلة قرون المحافظة عليه.

من هنا وحتى بعد المشاكل التي جرب بقايا الأتراك والمتهورين ممن أعتقد بأمكانية خلافة “آل البيت” إثارتها، إلا أن الدولة اللبنانية الناشئة حاولت أن تكون عصرية من جهة، وتراعي مشاعر الفئات التي يتألف منها الوطن من جهة ثانية. فأقرت مبدأ الستة ستة مكرر وهو الذي يفرض مشاركة جميع اللبنانيين بالوظائف والسلطة، بأن تراعى فيها توزيع المناطق (وليس الطوائف) لكي يكون هناك توازنا في السلطة ولا يسيطر أهل المدن أو مناطق معينة أكثر ثراء أو علما على كل مقدرات البلاد بينما ينوء الآخرون تحت ثقل الفاقة بسبب تخلف مناطقهم أو تأخر مجتمعاتهم من الناحية الثقافية أو الانتاجية.

وقد بدأ العمل منذ 1936 بهذا المبدأ وفي ظل سلطة الانتداب، التي كانت تحاول تعليم اللبنانيين على إدارة دولتهم بأفضل الطرق الحديثة، والتي تقلل من الطبقية وسيطرة مجموعات صغيرة على مقدرات البلاد. ولكن وفور تسلّم اللبنانيين للسلطة الكاملة، خاصة بعد الاستقلال، تغيّر التوزيع بحسب الميثاق الوطني ليكون بين الطوائف، حيث اعتبرت هذه الطوائف تتشكل من كافة المناطق وتمثلها. وهكذا كان دروز حاصبيا وراشيا والشوف ممثلين بنواب، بينما شيعة جبل عامل في الطيبة والنبطية وصور والبقاع في بعلبك والهرمل ممثلين ايضا، وكذلك موارنة جبيل وكسروان وبشري وجزين ممثلين، ويمثل نواب الكورة وعكار وبيروت الروم الأرثوذكس، بينما نواب زحلة وغيرها من المناطق الروم الكاثوليك، وهكذا دواليك ما يعني بأنه على مستوى المجلس النيابي كان التمثيل موزعا مناطقيا في البدء ولو تحت الستار الطائفي. ولكن الوظائف لم تكن كذلك، فيوم قبل العمل بمبدأ الطوائف صارت المدن الساحلية هي الأكثر تمثيلا في الوظائف، ولذا بقيت المناطق قليلة النمو والتمثيل، ومن هنا التباعد الذي يزيد بين الفئات المجتمعية بنفس الطائفة.

ومن هذا الباب دخل الأعداء وانتشروا في المناطق النائية أو الاحياء المستجدة والمكتظة داخل المدن يثيرون فيها الفقراء والجهلة على الدولة والنظام، ويوهمونهم بأن ثورة ما سوف تحقق لهم المن والسلوى. وهذه الأحزاب كانت تتبع بأغلبها لدول الجوار فيما عدا الحزب الشيوعي العالمي الانتشار والذي له أجندته. وهنا بدأت المصالح الخاصة بتفعيل اغضاب الناس وتأليبهم على دولتهم. وقد اصبحت المؤسسات، التي تسعى لرفع مستوى المواطن وزيادة دخله وتحسين واقعه وتنظيم الأمور، هي العدو الرئيسي.

وبالرغم من تمحور الأدوار حول شخصيات معينة من كافة الفئات صارت تقود البلاد وتتوارث السلطة، إلا أن النظام العام كان يسمح بقيام حركات، ولو محدودة، تسهم في تقدم المناطق. ولكن قصر نظر بعض السياسيين ورؤيتهم الضيقة، أدخلوا البلاد في أوضاع أصبحت فيما بعد بذورا لتخريبها. فيوم قبل الرئيس بشارة الخوري وحكومة رياض الصلح، مثلا، باستقبال مئات آلاف الفلسطينيين وتجميعهم في مخيمات بدل نقلهم إلى سوريا، حيث كانت هذه قد احتلت جزءً من فلسطين شرق بحيرة طبرية، أو الضفة الغربية التي أبقاها الأردن تحت سيطرته، أو غزة التي صارت تحت الادارة المصرية، وكلها مناطق فلسطينية، اعتقد اللبنانيون يومها بأنه يمكن استغلالهم ليد عاملة رخيصة ومساعدات دولية قادمة، وهو ما سيتكرر اثناء الحرب السورية منذ 2012 حيث استقبل لبنان حوالي مليوني سوري بنفس المنطق الذي لا رؤية له ولا بعد نظر استراتيجي.

ولكن البلد بقي يسير بخطى ثابتة جعلته محط أنظار العالم، فالمدارس التي استقبلت المواطنين العرب قرّبت المسافات بينهم وبين اللبنانيين، فإذا ببلادهم التي أغناها البترول تصبح مجال عمل للبنانيين، ومصارف لبنان مراكز استثمار لأموال هذه الدول. وإذا بخطوط النفط القادمة من السعودية والعراق، والتي تصب في الزهراني وطرابلس، تجعل لبنان وكأنه دولة نفطية ينعم بمداخيل مهمة من عبور النفط. وإذا بتطوير الطبابة والسياحة والخدمات، يجعل منه دولة عصرية رائدة في منطقة من العالم بدأت تعرف التقدم وتستعمل هذا البلد كمنفذ للعبور إلى العالم. وإذا بمرفأ بيروت يصبح شيئا فشيئا مرفأ المنطقة العربية بأكملها، وتعتبر الرسوم التي تدفع لخزينة الدولة ومجالات العمل للبنانيين المتعلقة بهذا المرفق، من أهم وارداتها. ومن ثم وبعد تقدم حركة الطيران صار مطار بيروت الأول في شرق المتوسط، لاستقبال كل الطائرات العابرة من وإلى أوروبا والبلاد العربية.

وكان لبنان ينعم بهذه الأمور في ظل سياسة الحياد بين دول العالم والدول المحيطة. فصحيح كان توجه لبنان أكثر نحو النظام الرأسمالي المنفتح، ولكنه لم يعادِ الكتلة الشرقية. وهو وإن كان ضمن المجموعة العربية ويسهم بما عليه من تضامن، إلا أنه التزم باتفاقية الهدنة الموقعة بين الجانبين والتي كانت تحكم علاقاته مع إسرائيل عبر الحدود ولم يخرقها اي منهما طيلة عشرين سنة.

ولكن الأمور لم تبق على حالها وقد بدأ اللعب على العواطف، فتحركت مصر بعد ثورة 1952 باتجاه المواجهة مع الغرب لكسب موقف الجماهير. وقام عبد الناصر، لتغطية فشل الثورة بمحاولتها فرض الاشتراكية كشعار يجمع الفقراء ولكنه لا يطعمهم، بتأميم قناة السويس التي كانت أنشأتها فرنسا وبريطانيا، ما أدى إلى حرب 1956 لتحرير القناة حيث دخلت القوات البريطانية والفرنسية عبر اسرائيل واحتلت سيناء. ولكن تدخل أميركا والاتحاد السوفياتي منعاهما من اكمال العملية، ما جعلهما تنفذان نوعا من الحظر على استعمال القناة، ويتحول اجمال النقل البحري في المتوسط إلى مرفأ بيروت. من هنا محاولة عبد الناصر قطع هذا الطريق بأن أعلن قيام الجمهورية العربية المتحدة بالتحالف مع سوريا، ما أدى إلى تدخله في لبنان فيما سمي ثورة 1958.

ولكنها انتهت بتدخل الولايات المتحدة وحسم الوضع، ليبقى لبنان، ويعود مع حكم الرئيس شهاب، فيكمل بناء دولة المؤسسات، ويدخل في عصره الذهبي الثاني بعد عصر شمعون. ولكن حرب عبد الناصر في اليمن والتي خسرته الكثير من الجنود وعداوة مجانية مع عرب دول النفط التي حاول ابتزازها يومها، كما يفعل الايرانيون اليوم، جعلته يرتد نحو اسرائيل ويقرر قيادة معركة تحرير فلسطين. فيطرد عناصر المراقبة الدوليين، ويغلق مضائق تيران، ويحشد الجيوش على الجبهة في سيناء، ويلزم الملك حسين وسوريا بالعمل على فتح جبهات ضد اسرائيل. وبالتالي تنضم دول مثل العراق والمغرب وغيرها، فترسل حيوشا لمحاربة اسرائيل. في هذا الجو المشحون لم يقبل لبنان أن يخرق اتفاقية الهدنة، ولكنه التزم بالمساعدة على تصحيح الرمايات السورية إذا ما طلب إليه ذلك.

وكانت الحرب التي خسر فيها العرب مجتمعين غزة وكامل سيناء والضفة الغربية والجولان السوري، ولم يخسر لبنان شيئا ولم يعتد عليه أحد، بالرغم من استعمال أجوائه من قبل السوريين ما جعل الاسرائيليين لأول مرة يخرقون أجوائه ردا على ذلك. ولكن هذه “النكسة” التي منيت بها مصر وباقي الدول المشاركة، كانت سببا لتحول استراتيجي لمعاقبة لبنان. فتم التركيز على ما سمي “العمل الفدائي”. وقامت سوريا، التي لم يستوعب نظام البعث فيها مرة استقلال لبنان، بتدريب الفلسطينيين تحت اشراف الجيش السوري وادخالهم إلى لبنان لاسقاط الهدنة التي وفرت على لبنان خسارة أراض في تلك الحرب. وهكذا بدأت المشاكل التي أوصلتنا إلى خرق الهدنة ابتداءً من 1968 ومن ثم ما سمي اتفاق القاهرة الذي أسقطها نهائيا وجعل لبنان يعاني من مفاعيل حرب طويلة الأمد تعتمد فقط على اغراقه في وحول دائمة لا يقدر أن يخرج منها.

منذ اتفاق القاهرة هذا لم يعد لبنان محيّد وصار عليه تحمّل مسؤولية قيام حرب على حدوده. ومن ثم فقد فتحت كافة المجالات لهذا النوع من الحروب. وشيئا فشيئا سقطت الدولة، وفرط الجيش (بعملية الخطيب) وتسلّم البلاد أزلام عرفات، وصارت ردود اسرائيل يومية. وما لبثت أن تطورت العمليات والحروب لتنتهي باحتلال نصف لبنان وانهاء منظمة التحرير. وكان من المفترض أن يخرج الجيش المحتل بعد اتفاقية بين البلدين على انهاء الحرب وبدء عملية البحث باتفاق سلام، كما كان جرى مع مصر، ولاحقا مع الأردن. ولكن قصر النظر السياسي والتعنت السوري (التي فشلت في كل طروحاتها) منع لبنان من التخلص من الحروب. فقرر الرئيس الجميل عدم ابرام اتفاق انسحاب الجيش الاسرائيلي من لبنان (والمسمى اتفاق 17 ايار) والذي كان سيؤمن الهدوء أقله من بيروت وحتى الحدود الدولية بين لبنان واسرائيل.

الرد السوري هذه المرة كان بأن استغل الأسد غضب الاسرائيليين على الجميل وأعاد انتشار قواته واحتلال بيروت والجنوب وطرابلس. ومن ثم السيطرة، بعد حرب الغاء القوات اللبنانية، مستغلا تعنت ميشال عون، على كامل لبنان. ولم يكتف بذلك فقد أنشأ، بواسطة الحرس الثوري الإيراني، مجموعة تخريب لبنان دولة ومؤسسات، وهو ما سمي “حزبالا”.

قام هذا الحزب، الذي دربه الإيرانيون أولا، بتغيير ثقافة الشيعة اللبنانيين من ثقافة الانفتاح والتعاون مع الكل والانتماء إلى كافة الاحزاب اللبنانية وغير اللبنانية، إلى ثقافة منغلقة ألبست النساء ازياء ما قبل الاسلام وفتحت الحوزات العلمية، اي المدارس الدينية المحدودة الآفق والتي ستخرّج من يدمّر أسس لبنان، دولة الانفتاح والتعاون والثقافة العالية والحضارة العالمية. وقد ركز هؤلاء منذ البدء على العنف سلاحا ووسيلة وحيدة، واغتيال الأخصام ونشر الذعر بالبلد، واستعمال كل المحظورات في سبيل هدم الكيان وافقار الناس، للتمكن من تسليحهم واستعمالهم في مهمات حول العالم تخدم الولي الفقيه وسياسته التوسعية.

من هنا فقد منعوا اي كان من المشاركة بما اسموه مقاومة. وقد أعلنوا عنها بتفجير السفارة الأميركية ومن ثم مقر المارينز ومقر دراكار للمظليين الفرنسيين. ومن ثم قاموا بتشجيع عمليات غسل الأدمغة وتصدير الانتحاريين، على غرار جماعة الحشاشين الفارسية زمن الصليبيين. وكان لهم الفضل في تهييج كل الارهاب الديني الذي عمل فيما بعد مع طالبان والقاعدة، ومن ثم مع داعش التي اخترعها سليماني وتلامذة الكي جي بي السوريين.

هذا الحزب قررت قيادته هدم لبنان كصرح للديمقراطية في المنطقة، ومدرسة لتعاون الشعوب من خلال نظام الحقوق التي أعطاها لكل الأقليات، لتتمثل في الحكم بشكل أو بآخر. وهو أراد أفشال هذه التجربة الفريدة، فقام بالامعان باغراء المسؤولين بالاموال وبعضهم كانوا اعتادوا عليها منذ سيطرة السوريين على البلاد. ومن ثم استعمل الأموال الايرانية وأموال التهريب وسلاح المخدرات، لتشويه صورة لبنان في الخارج وإفساد ابنائه في الداخل، ونشر العهر والبذخ بشكل فاحش ليمنع الاستقرار النفسي والحضاري في البلد.

وقد سيطر على الحكم بالاغراء حينا وبالضغط أحيانا، مستعملا سلاحه المتفلت وطريقته الناجحة بقتل من يعانده واغتيال الرموز. وها هو يمنع أي نوع من الحلول السياسية ليبقى البلاد تعيش في فراغ من ناحية السلطة. وقد ضرب المؤسسات المالية، وهي ركن البلاد الأساسي، وضرب المؤسسات التعليمية بتعيين مسؤولين غير كفوئين في مراكز القرار في المدارس والجامعات. وضرب مؤسسة كهرباء لبنان بأن منع كل جماعته عن دفع المتوجب عليهم مقابل تزويدهم بها طيلة ثلاثة عقود ومن ثم تحميلها عبء التشغيل والسرقة والسمسرات. والكهرباء في عالم اليوم هي عصب كل انتاج. ومن ثم ضرب الادارة التي كانت بنيت منذ الانتداب لتكون وسيلة الدولة في متابعة شؤون الناس بأن عبأها وشركائه بالموظفين الذين لا حاجة لهم لارهاق خزينة الدولة واسقاطها. وعطل مصرف لبنان وجهاز البنوك الذي يسمح للبنانيين بالتعاطي مع شعوب العالم والتمتع بالثراء الناتج عن قدرتهم على المغامرة وفتح المشاريع الخاصة التي تغني البلد في هذا العصر الذي تطورت فيه الوسائل لتعزز المبادرات الفردية.

ومنع تعاطي الدول مع لبنان، فهو يعد منظمة ارهابية في أكثر من ثمانين دولة في العالم، وفي نفس الوقت يقبض على خناق لبنان. وأخيرا وليس آخرا فجّر المرفأ ليقضي على أهم موارد البلد والذي بقي ولم يسقط بالرغم من اغلاق الحدود البرية بسبب حروبه في سوريا. وهجر نصف بيروت الذي لم يدمر حتى خلال الحرب الطويلة. وقد قلل من معنويات الجيش وفتح الحروب المتتالية بدون سبب، ومنع عن لبنان اي نوع من الاستقرار.

ويوم انطلق اللبنانيون إلى دول الخليج يعملون ويرسلون الأموال لعائلاتهم قام بحروبه ضد الدول العربية وبالتهجم على دول الخليج التي يعيش فيها اللبنانيون ويحصّلون رزقهم بعد هربهم من بلادهم. ولكنه أراد أن يلحقهم إلى حيثما فروا من وجهه حتى في بلاد الغرب. فكان تعاونه مع المافيات في مثلث الحدود بين البرازيل والارجنتين والأروغواي ومع نظام شافيز ومادورو في فنزويلا وتهريبه لكل أنواع المخدرات ضمن خطة لافشال النبوغ اللبناني في العالم. وشوه صورة المغترب اللبناني حتى في افريقيا السوداء. ووضع نقاطا سوداء على كل اللبنانيين في العالم. فهؤلاء هم الشرايين التي يتغذا منها لبنان وقت الضيق ولا تكتمل خطة اخضاعه إلا بقطع اتصالهم به ومعوناتهم له.

المشكل الرئيسي في البلاد اليوم هو أن هذه المجموعة المسلحة تحاول تغيير ثقافة اللبنانيين من حملة رايات الحرية إلى مستجدي العبودية والقابلين بالذل والخضوع. وهو يريد منهم أن يتخلوا عن العنفوان وروح العظمة التي ورثوها بتضحياتهم عبر الأجيال حتى اصبحت جزءً من برنامجهم الجيني. وهو يفاخر بأنه تابع للولي الفقيه الذي يمثل التخلف في كل مظاهره والبعد عن ركب الحضارة.

من هنا فهو لا يشبه لبنان بشيء وقد فرض على لبنان بقوة السلاح سلاح الاحتلال البعثي أولا والاحتلال الفارسي ثانيا، وهو ليس أكثر من أداة بيد جماعة تريد السيطرة على الشرق الأوسط في عالم القرية العالمية، وتطويع روح الانفتاح والمبادرة عند اللبنانيين، واستبدالها بالخوف والجبن في المواجهة والتخلي عن الحقوق لابل دفع الجزية مقابل الحماية.

ولكن لبنان ليس بوطن كبقية الأوطان. فلن يرضخ الأحرار فيه بالرغم من كل الضيق. وبالرغم من كل الضغوطات المادية والمعنوية. وسيحمل الأطفال راية الحرية. وسينبت تحت كل حجر طفل جديد يمزق ستار الحقد الذي غلفوا لبنان به. فتتشابك الأيدي وتتجمع الطاقات، ويعود لتلك الأرض بساط الخير الذي عرفته. ولن يركع لبنان بالرغم من محاولتهم تطويع ابنائه. ولن يخضع الأحرار بالرغم من تألب الدول عليهم. وسيقوم، كما في كل مرة، وسينظف صورته من جديد. ويمد يده لكل من يحترمه. ويسهم في تلاقي الشعوب مرة أخرى، على الخير والتعاون، لا على القتل والدمار والرايات السوداء كوجوههم.