د. توفيق هندي/واشنطن على طريق الخضوع لشروط طهران

61

واشنطن على طريق الخضوع لشروط طهران
د. توفيق هندي/اللواء/13 نيسان/2021

لأن إدارة بايدن هي ذاتها إدارة أوباما التي عقدت الإتفاق النووي والتي مهّدت له، حتى قبل الجلوس على طاولة المفاوضات رسميا»، ولأنها تنتهج سياسة اليد الممدودة وتمتنع عن إستخدام القوة أو حتى التلويح بإستخدامها، وبحكم سياستها الخارجية عامة ووضعها المضغوط داخليا» من قبل أخصامها الأقوياء، ولأنها تعّرف سياستها الخارجية كنقيد لسياسة إدارة ترامب، ولأنها تريد تخفيف إهتمامها بالشرق الأوسط لتتمكن من مواجهة صعود الصين بالقوة، خصمها رقم واحد كما تصنفه، في جنوب شرق آسيا، فلا عجب إن قاربت العودة إلى الإتفاق بتلّهف وتسّرع ملحوظين.

من الواضح أن إدارة بايدن تسوّق لفكرة أن إيران على بعد أشهر معدودة من حصولها للكمية الكافية من اليورانيوم المخصب لكي تتمكن من صنع القنبلة النووية (وهذه معلومة قد يكون لها بعض الصحة). وبناء» عليه، تبرر سرعة مسعاها للتوصل إلى العودة إلى الإتفاق الننوي مع طهران بنسخته الأصلية دون تعديل في مرحلة أولى، وذلك بهدف إيقاف مسار التخصيب الإيراني المتسارع.

من المعلوم أيضا» أن الشركات الكبرى الأميركية والمتعددة الجنسيات بالتكافل والتضامن مع الشركات الأوروبية تريد أن تفتح باب الإستثمار والتجارة في إيران ومعها. وهي لذلك تدفع إدارة بايدن إلى الإستعجال في العودة إلى الإتفاق النووي. أما تحسين الإتفاق النووي ومعالجة مسألة الصواريخ البالستية والمسيّرات وعملية التمدد في المنطقة، فتأتي من وجهة نظر الإدارة في مرحلة لاحقة.

من الواضح أن المرحلة الأولى لهذا المسار، إن تحققت، تكون أميركا قد خسرت وسائل الضغط على أيران. بالمقابل، تكون إيران قد إكتسبت عناصر قوة جديدة. فلن تتمكن واشنطن حينها من إرغام طهران على الجلوس على طاولة المفاوضات للتباحث حول مواضيع المرحلة الثانية الآنفة الذكر. وبالإضافة، فإن المعاهدة الإستراتيجية بين الصين وإيران، منذ ما قبل توقيعها تشكل عنصر قوة لهذه الأخيرة في مواجهة أميركا وحلفائها وأصدقائها الدوليين والإقليميين وتقوي موقفها التفاوضي إلى حدود خضوع إدارة بايدن لشروطها.

لكل هذه الأسباب،القضية لا تحل من خلال المسارات الديبلوماسية التي تعتمدها هذه الإدارة، بل أن مآلات الوضع تحددها موازين القوى ولا سيما العسكرية، خاصة مع دولة مثل إيران لها نظام إسلامي جهادي صمد أكثر من 42 عاما» من الحصار وتتمتع بذكاء في إستراتيجيتها وتكتيكاتها وبتجذر أيديولوجيتها الدينية في عمق معتقدات الشعب الإيراني التاريخية.

منذ الآن، يمكن بناء» على ما يرجح من معلومات عن مسار مفاوضات فيينا، وبناء» على معرفة طبيعة وخلفيات وإستعدادات طرفي المفاوضات (إدارة بايدن والجمهورية الإسلامية في إيران)، ترجيح ما يمكن أن تتمخض عنه هذه المفاوضات إستنادا» على الملاحظات التالية:

1) الطرف المفاوض الفعلي من قبل الطرف الإيراني هو مرشد جمهوريتها خامينئي وليس رئيس الجمهورية روحاني وحكومته، وذلك لأن نظام الجمهورية الإسلامية في إيران يضع مؤسسات الدولة ووحداتها كافة، بما فيها تلك «المنتخبة» تحت سلطة المرشد. لذا، كلام البعض حول ضرورة التوصل إلى نتيجة قبل الإنتخابات الإيرانية في حزيران لا يدلل إلا على عدم إدراكهم لماهية النظام الإيراني وطبيعته.

2) من المرجح أن الجدال حول خريطة طريق تعتمد على منهجية الـ«خطوة خطوة» قد ينتهي بتراجع المفاوض الأميركي عن مطالبته بهذه المنهجية (وهو بات على إستعدداد بالقيام بالخطوة الأولى ضمن هذه المنهجية إذا إعتمدت) وبالخضوع لمطالبة طهران بقبوله بالمقابل برفع جميع العقوبات التي فرضها ترامب كمقدمة لكي تتراجع إيران عن خطوات التخصيب وتعود إلى الإلتزام بمقتضيات الإتفاق الننوي الأساسي.

3) غير أن الخامينئي بذاته زاد شرطا» إضافيا»بأن تتحقق طهران من أن العقوبات قد رفعت فعلا» وليس قولا» قبل إيقاف أو تجميد مسيرة التقدم في مشروعها النووي. وهذا الأمر قد يأخذ وقتا» طويلا» نسبيا»، مما يسمح لإيران من التقدم في إنتاج السلاح النووي بالإضافة أن الصين قد تزودها في الوقت الضائع بقنابل نووية تكتية تكون كافية لتتحول إيران إلى حصن لا يمكن النيل منه. وهذا التطور يسمح لإيران بتفعيل مسيراتها الجهادية في المنطقة والعالم دون أن تخشى أية عملية إستهداف لها.

بالخلاصة، إن التطورات في المنطقة ذات خطورة قصوى تنذر بتغيير إسترتيجي في موازي القوى إقليميا» ودوليا». وقد يشكل الصراع في منطقة الشرق الأوسط وعليها شرارة حرب إقليمية أو دولية مدمرة.
وكأن التاريخ يعيد نفسه: معاهدة ميونخ مع المانيا النازية التي نتجت عن سياسة التهدئة (appeasement) التي إتبعها ميرفيل شانبرلين، رئيس وزراء بريطانيا العظمى، أنتجت الحرب العالمية الثانية.