الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري: أنا لست ملاكًا ولا نبيًّا

301

أنا لست ملاكًا ولا نبيًّا…
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/13 نيسان/2021

وأنا، يوسف الخوري، لست ملاكًا أو نبيًّا كي لا أُخطئ، وقد أخطأت في معلومة غير أساسية في مقالة “محنة العقل عند الموارنة”، لكنّ المقالة انتشرت كالنسيم في الهشيم، ولمّا انتقدها “فلان”، تضاعفت قرأتُها على كل المواقع التي تناقلتها، وهذا حسنٌ!

*****
إتّصلت بي الأمينة العامة لِلـ Cénacle نضال أيّوب لتطلب مني عدم الردّ على التهجّمات التي طالتني على صفحة “فلان” بسبب مقالتي الأخيرة “محنة العقل عند الموارنة”. وعدت السيّدة نضال بألّا أدخل في سجالات بخصوص مقالة لا أنتظر أن تُعجب كلّ من يقرأها.

ومن باب الفضول، ليس أكثر، دخلت على صفحة “فلان” لأضع نفسي على بيّنة ممّا أتعرّض له، فوجدت أنّ الرجل يعبّر بأسلوب مهذّب ومقتضب عن اعتراضه على عنوان مقالتي، وقال إنّه أجدى لي عنْوَنَة المقالة: “محنة العقل عند بعض الموارنة” بدل التعميم “… عند الموارنة”…

ويا غيرة الدين…
ثلاثة أسطر قال فيها “فلان” رأيه بموضوعية، حتى اشتعلت صفحته بالتهجّمات علَيّ وبالاِستهزاء بي. قرأت الانتقادات وتعرّفت بأصحابها، وإذا بالمؤكّد يتأكّد لي: عقول الموارنة هي فعلًا في محنة. إنّه زمن الانحطاط الماروني. إنّه زمن الخبث والرياء.

يا غيرة الدين…
واحدٌ تجلّت قِمّة معرفته بإتّهامي أنّني سرقت العنوان من الشهيد مصطفى جحا، وكأنّني لم أستخدم هذا العنوان بالذات عن قصد لكي أجذب القارئ!

آخر، وهذا كان مسؤول التوجيه عندنا يوم انخرطنا بالخلايا الطلابية زمن الحرب، قال كلامًا إن دلّ على شيء… لا أعرف إن كان يدلّ على شيء أو له معنى.

ويأتيك ثالث أراد أن يبيّن سعة معلوماته بقوله إنّه بمجرد أن رأى اِسم وائل خير في أول سطر من المقالة، ما عاد تابع القراءة لأنّ وائل يعتبر الموارنة “العدو التاريخي” للروم، وبالتأكيد هذا زعم فارغ، وهذا الثالث يجهل تمامًا مَن هو صديقي وائل.

ويأتيك الخبير الجيو-سياسي ينتقد… ويا غيرة الدين… قال إنّني “أخذت الموضوع من زاوية واحدة ولم آخذ بالاعتبار المجريات الجيو-سياسيّة والعسكرية…” وهو على حق في ذلك، إذ أنا في الأصل لم أكن أعرف أنّ تجاوز إميل البستاني لتعليمات رئيس الجمهوريّة وتوقيعه اتّفاق الإستسلام في القاهرة، له علاقة بالجيو-سياسة! ونوَّرَنا الجيو-سياسي نفسه بأنّ الزعماء الموارنة تعرّضوا لضغوط كبيرة ليقبلوا بهذا الإتّفاق… هذا كنت أعرفه، لكنّني لم أكن أعرف أيضًا أن لهذا دخلٌ بالجيو-سياسة، وكم شعرت بأنّني رجعيّ لأنّني لا أعرف جيو-سياسة… وهذا مُضحك، إضحكوا…

يا غيرة الدين… ما بالي أتّهكم على المتهكّمين وأنا وعدت السيّدة الأمينة العامة بعدم فعل ذلك!؟ أنا لم أتراجع عن وعدي، لكنّي وجدت أنّ “فلانًا” يستحقّ توضيحًا من قبلي بما يخصّ اعتراضه على العنوان، خصوصًا أنّه وردني إتّصال من صديقي الصحافي والكاتب والناشر أنطوان سعد ليلفت انتباهي على خطأ ورد في المقال، ما يستدعي مني ردّ أيضًا من باب اللياقة الأدبيّة.

بالنسبة لاستعانتي بعنوان مأخوذ عن مصطفى جحا لعنوانة مقالتي، فهذه لا تُعدّ سرقة، بل “اقتباسًا غير مباشر” الذي من شروطه المحافظة على نفس المعنى الأصلي للكلام، وهو لا يستدعي وضع علامتي تنصيص للدلالة على الإقتباس.

أمّا بالنسبة للتعميم، فهذا يسمّى مجازًا مرسلًا علاقته الكليّة، أيّ نسمّي الجزء بتسميّة الكل: فحين هاجم يسوع الكتبة والفريسيين قائلًا: “ويلٌ لكم أيّها الكتبة والفريسيّون المراؤون، لأنّكم تأكلون بيوت الأرامل…”، هل كان يقصد كل الفريسيّين أم السيّئين من بينهم؟ بالطبع السيّئين…

وحين يقول أحدهم “شربت ماء زمزم”، هل هو يقصد أنّه شرب كلّ ماء البئر، أم شرب حاجته بكوب؟ بالطبع حاجته.

وهكذا أيضًا حين نقول أنّ الشيعة يستقوون على باقي اللبنانيين، فلا نكون نعني الشيعة كطائفة وإنما حزب الله الشيعي المسلّح وشريكه في الثنائية الشيعيّة.

نصل إلى صديقي الناشر أنطوان سعد. سألني: “كيف يقول الرئيس بشارة الخوري للشيخ يوسف جرمانوس إنّ حزب الكتلة الوطنيّة فاز على حزبه (الدستوري) في الانتخابات الأخيرة (1947) بفضل أصوات الأرمن، وهو بإدخاله الفلسطينيين يمكنه كسب أصواتهم للتغلّب على الكتلة؟.. بينما هو، أيّ الخوري، اكتسح انتخابات 1947 المقصودة!!!” عدتُ إلى مراجعي، فتبيّن لي أنّ صديقي أنطوان على حقّ في ما يقول، الانتخابات النيابيّة حصلت في أيّار عام 1947 قبل حصول نكبة فلسطين بستة أشهر. أعترف بأنيّ نقلت معلومة غير دقيقة، وقد يكون الحديث قد جرى بين الرجلين عن موالاة الأرمن للكتلة الوطنية بالمطلق، وليس حصرًا في انتخابات 1947، وعن حاجة الدستوريين لأصوات الفلسطينيين لإقامة التوازن مع أصوات الأرمن. هذا احتمال، واحتمال أيضًا أن يكون هذا الجزء من الرواية ملتبس في رأسي، لكنّ جوهره مؤكّد. فمّما لا شكّ فيه، استفاد بشارة الخوري من النكبة الفلسطينيّة للتجديد لولايته كما أنا قلت في مقالتي، وهنا معلوماتي مستقاة من مذكّراته. بعد انتخابات الـ 47، أُعدّ اقتراح التجديد للخوري ووقعة 46 نائبًا في 9 نيسان 1948، لكن إقراره لم يجرِ في المجلس النيابي إلّا بعد اكتمال الظروف الإقليميّة والداخلية الملائمة. متى حلّت الظروف وخرج مرسوم التجديد إلى العلن، بحسب مذكّرات الخوري ؟.. مباشرة بعد تهجير الفلسطينيين وتفاقم القضيّة الفلسطينية، أيّ في 27 أيّار 1948. بكل الأحوال، ولمزيد من التأكيد، يقول الخوري في مذكّراته: “يجب أن يكون المرء ملاكًا أو نبيًّا ليرفض تمديد ولايته… وأنا لست ملاكًا ولا نبيًّا”.

وأنا، يوسف الخوري، لست ملاكًا أو نبيًّا كي لا أُخطئ، وقد أخطأت في معلومة غير أساسية في مقالة “محنة العقل عند الموارنة”، لكنّ المقالة انتشرت كالنسيم في الهشيم، ولمّا انتقدها “فلان”، تضاعفت قرأتُها على كل المواقع التي تناقلتها، وهذا حسنٌ!

أما عن الخطأ، فيذكّرني بالعلامة الموسيقي الأب يوسف الخوري، رحمه الله، حين أخبرني كيف نجح لحنه لترنيمة “يا أب الحق الكريم” وأصبح على كلّ لسان وفي كلّ قلب، قبل أن يُنهي الأب يوسف دراساته العليا في الموسيقى. لمّا أنهى هذه الدراسات، اكتشف خطأً في اللحن، فصلّحه، لكنه عجز لسنين عن إقناع الشعب به، وبقينا نرنّم لغاية يومنا هذه الترنيمة على عفويّتها وبساطتها، وبخطئها الموسيقي.
توضيح:
“فلان” هو فادي شماتي
و Cénacle: تجمّع “الندوة اللبنانيّة الجديدة”