من أرشيف عام 2021/المخرج يوسف ي. الخوري: سأقرأ ما بعد بعد روسيا…ها هو حزبك، يا سيّدهم، مفتاحه بيد الإسرائيليين، ولم يعد يملك سوى ورقة الانصياع لرغبات ومصالح الجارة الجنوبيّ

364

سأقرأ ما بعد بعد روسيا…
المخرج يوسف ي. الخوري/27 آذار/2021

“وفي مدّة لا تتجاوز العشرين شهرًا، أخرج الفاتح المقدوني الفرس من البلاد السوريّة كلّها، كما أخرج الأحلاف الترك في هذا الزمان. أجنبي يُنقذنا من أجنبي على الدوام!” (النكبات – أمين الريحاني)

يا سيّدهم حسن،
قد لا يكون لحزبك، حزب الله، أيُّ دخلٍ في الانهيار العضال الذي وصل إليه لبنان. وقد يكون حزبك بريئًا من كل ما حصل من دمار وتعطيل للاقتصاد خلال الحروب الإسرائيلية على لبنان. وبريئًا أيضًا من الويلات التي جرّتها علينا “الحرب الكونيّة” ضدّ سوريا…

بَبَر-1:
وحتّى لو كان حزبك بريئًا ممّا سبق ذكره، فالبراءة لا تُسوِّغُ له أن يحتفظَ بسلاحه. المسألة ليست إذا كان سلاحك يؤثّر على الداخل اللبناني أم لا، بل المسألة هي باختصار: “دَعْ سلاحك من دون نقاش، وامشِ”. وللمشي اليوم في لبنان طريقان: مشيٌ إلى الأَمام، ومشيٌ إلى الإِمام.

الأوّل، “مشيٌ إلى الأمام” بفتح الـ “أَ”، عنوانه بلاد الأرز، وتترافق خلاله مع اللبنانيين الأحرار.

الثاني، “مشيٌ إلى الإِمام” بكسر الـ “إِ”، وُجهتُه خامنئي إيران، فترحل عنّا، من غير أسف، مترافقًا مع كل شيعي في لبنان، وقبله كل ماروني “مشرقي”، يريد أن يتّخذ الفقيه وليًّا.

الأمور باتت بهذه البساطة، يا سيّدهم حسن. ميليشيا حزب الله لم تسلّم سلاحها أسوةً بباقي الميليشيات اللبنانيّة بعد الحرب، وأنا لست بوارد مناقشة الأسباب الكامنة خلف ذلك، ولا بوارد سماع تبريراتك-المواعظ في هذا الخصوص، إنّما من الآن فصاعدًا، سأناضل من أجل تطبيق “الفقرة ج” من مقدّمة الدستور، والتي تنصّ على المساواة في الحقوق والواجبات.

لتطبيق هذه الفقرة طريقان أيضًا:
إمّا أن يتخلّى حزبك عن السلاح، ومعه تتخلّى بيئتك الحاضنة عن ممارسة القوّة الفائضة على اللبنانيين، فتتساوون بنا. وإمّا سيكون علينا أن نتسلّح لنتساوى بكم. نعم، بمنتهى البساطة هذا، ومن دون الغوص في سجالات مع عقول عقيمة.

ولا أخفيك سرًا، يا سيّدهم حسن، إذا نحن تسلّحنا، ستندلع حربٌ “أهليّة”، تمامًا كما أنت توقّعت في إطلالتك الأخيرة، لكنّ هذه الحرب لن تقع لأنّنا سنتسلّح، بل لأنّك أنت ترفُضُ أن تتخلّى عن سلاحك غير الشرعي. آه، بالمناسبة، لن تكون هذه الحرب حربًا أهليّة، بل حربًا ضدّ المحتل الإيراني. وبالمناسبة أيضًا، لن نتوانى عن التعامل مع الشيطان في سبيل تحرير قرارنا. لطالما “أنقذنا في الماضي أجنبي من أجنبي آخر”، فَلِما لا يُساعدنا شيطان للتخلّص من شيطان آخر؟

بَبَر-2:
في خطابك الأخير منذ أسبوع، برزت عدّة إيجابيّات، أهمّها: إنفعالك وأنت تتكلّم عن قطع الثوّار للطرقات، والجميل أنّه لم يبقَ أحدٌ إلّا وتناولك كيف وضعت سبابتك على أنفك للإشارة إلى شدّة غضبك من قطع الطرقات، ما يعني أنّ الثورة فاعلة وتؤثر عليك وعلى حلفائك، بعكس ما يحاول أن يروّج له أزلامك الإلكترونيون وحلفاؤك الممانعون. وبخطابك نفسه، ظهرت الثورة فاعلة أكثر فأكثر، حين رأيناك تناشد أهل المنظومة الفاسدين لكي يتّحدوا الكتف على الكتف، في حكومة سياسيين-اختصاصيين، لـِ “إنقاذ” لبنان مما يتخبّط فيه. هذا أيضًا من الإيجابيّات، إذ هو يشكّل اعترافًا ضمنيًّا منك بفشل المنظومة الحاكمة المستبّدة، والتي أنت أساسي فيها. ومتى اعترَفتَ بفشلكم كسلطة، يا سيّدهم حسن، فهذا يعني اعترافًا منك بأنّ حركة الشعب الثوريّة في البلاد هي محقّة ومبرَّرة، بغض النظر مَن رَكِبَها أو مَن رَكبَت هي عليه.

إنّ دعوتك أترابك من الفاسدين لتشكيل حكومة إنقاذ بقوّة الكتف على الكتف، لهي قمةٌ في التخبّط. فالإنقاذ يحتاج نوايا طيّبة، كما يحتاج فكرًا يلاقي فكرًا، ولا يحتاج، على الإطلاق، قوّة. أمّا وقد خانك لسانك، ودعوت هؤلاء الأتراب كأقوياء وليس كعقلاء، فهذا يعني أن ليس في نيّتك الإصلاح، إنّما في نيّتك ضفر جهود حاملي السلاح غير الشرعي، وسارقي ودائع الناس وقاطعي أرزاقهم، في وجه قاطعي الطرقات الشرفاء.

في الحقيقة، لم أتخيّل بأنّي سأحيى لليوم الذي أراك فيه على هذا القدر من الوهن يا سيّدهم!! تأمُر رياض سلامه بضبط سعر الصرف، ولا يضبطه. تُملي على سعد الحريري شَكْل حكومته، ولا ينصاع. تُظهر غضبك من قطع الطرقات لتُفهم الجيش والأجهزة الأمنيّة بأنّ عليهم قمع الثوّار، ولا يسترعي كلامُك أحدًا منهم. تهدّد. تهدّدنا نحن الشعب، لكنّك لا تُخيفنا، إذ لم تكن تهديداتك يومًا صادقة، ومصداقيّتك في تراجع.

بَبَر-3:
كُنتَ، و”كُنتَ” فعل ماضٍ ناقص، تهدّد بقطع اليدّ التي تعترض سلاح “المقاومة”، لكنّي لم أرَ ثلاثة أرباع أيدي الشعب اللبناني مبتورة! كنّا، و”كنّا” هي الأخرى فعل ماضٍ ناقص، نسمعك تُهدّد إسرائيل ولم تُقدِم على شيء! كنّا، نسمعك ترفع راية تحرير القدس، وفي المحصّلة لم ترفع إلّا الصوت! كُنتَ تتوعّد الأمريكان بإخراجهم من الشرق الأوسط، وإذا بك تلجأ إلى “الروس” قبل أن يأتيك قَطْعُ الرؤوس!

ماذا تغيّر، يا سيّدهم؟!
تأمّل صعودك: “مقاومة”، فـَ “بطل تحرير”، فـَ “منتصر إلهي”، فجهادي نحو القدس، فلاعب أساسي على الساحتين الإقليمية والدولية…

والآن تأمّل نُزولك: سلاح غير شرعي، فمغتصب للسلطة في لبنان، فمستقوٍ بالسلاح على تخوم الطريق الجديدة ورأس النبع ومار الياس، فجمركي حدود لتأمين المعابر غير الشرعيّة، فشرطي سير واجبه تأمين طريقَي برجا وضهر البيدر…

صعود حزبك، يا سيّدهم حسن، المتبوع بهذا التدرّج في الإنحدار، يذكّرني كيف بلغ أسلافك المزدكيون والخوارج والحشاشون القمم في سيطراتهم، ومن ثمّ كيف انحدر كلّ منهم إلى مصيره الماحق. فهل اتّضحت أمامك صورة النهاية بعد روسيا أم بعد، يا سيّدهم؟

بَبَر-4:
لبنان انتهى، ولبنان متّجه نحو صيغة جديدة.
حزب الله إلى روسيا بالتزامن مع زيارة لوزير الخارجيّة الإسرائيلي “غابي أشكِنازي”.
“غابي أشكِنازي” متمرّس في الحروب ومخضرم في الديبلوماسيّة، وأي قراءة لما حصل في روسيا، لا بدّ أن تُقارَب من خلال الجانبين في شخصيّة الرجل.

حزب الله لم يتوجّه إلى روسيا ليقول للإسرائيليين “نُريد استرجاع القدس”، بل هو ذاهب إلى هناك ليصرّح للإسرائيليين بحضور” الروس” بما سيفعل بسلاحه. فإسرائيل تتحوّل إلى منتجع سياحي للعرب، وفي الوقت نفسه أصبحت بلدًا نفطيًّا، ما يعني أنّها بحاجة إلى استقرار في كلتيّ الحالتين.

ماذا باستطاعة حزب الله أن يقدّم؟
أمامه خياران:
إمّا أن يتخلّى عن سلاحه بالكامل، فيُتيح من جديد عودة العمل باتفاقية الهدنة (1949) المُجدّدة في وثيقة الوفاق الوطني.

إمّا أن يتعهّد للإسرائيليين، بكفالة “الروس” والإيرانيين، بأنّ سلاحه لن يُستخدم ضدّ إسرائيل.

إذا أصّرت إسرائيل على كسب الخيار الأول وأذعن حزب الله، تتوجّه المنطقة نحو الاستقرار وينطلق الحلّ في لبنان. وإذا قبلت إسرائيل بالخيار الثاني، فيعني أنّ لبنان سيبقى مرتبطًا بالمحور الإيراني، وسيسلك بهدوء نحو الجمهوريّة الإسلاميّة الملالويّة، ويجري التأكّد حينها من أنّ حزب الله وإسرائيل قد عقدا صفقة جديدة ضدّ الشعب اللبناني، على غرار تلك الصفقة التي عقداها، عام 2000، ضدّ جيش لبنان الجنوبي لطرده من أرضه.

في هذه الحال “بيكون صار بدّها جبهة لبنانيي”.

ها هو حزبك، يا سيّدهم، مفتاحه بيد الإسرائيليين، ولم يعد يملك سوى ورقة الانصياع لرغبات ومصالح الجارة الجنوبيّة، ورأس مرجلته لن يتجاوز الإستقواء على الثوار عبر شاشة التلفزيون. السؤال الآن كيف ستبرم إسرائيل المفتاح، نحو اليسار أم نحو اليمين؟ عسى ألا تكسر المفتاح في الغال، فيتحوّل لبنان إلى أرض ممسوحة بالحديد والنار الإسرائيلي-الغربي، بسببك يا سيّدهم وبسبب ارتهانك للفارسي.

ملاحظة: “بَبَر” هي مختصر لـِ “بعد بعد روسيا” وليس المقصود بها ذاك الحيوان الضخم المُفترس.