شارل الياس شرتوني/نهاية لبنان أم نهاية المفارقات القاتلة

75

نهاية لبنان أم نهاية المفارقات القاتلة
شارل الياس شرتوني/18 آذار/2021

دخلت البلاد مع الأزمة المالية الحاضرة آخر المراحل التي قضت على التوازنات المالية والاقتصادية والاجتماعية وأحالت بلادنا الى حال من انعدام الوزن البنيوية، وما سوف يرافقها من انعدام الاستقرار السياسي والاجتماعي وتداعياته على مستوى الأمن الوطني. لبنان بعد انقضاء مئة سنة على إنشائه على أساس مبدأ الدولة-الأمة كإطار ناظم للجغرافية السياسية ومرتكزا للولاءات المدنية والمواطنية الجامعة، وعلى قاعدة تصفية نموذج الدولة السلطانية بجغرافيتها وأحكامها الشرعية وإرث التسلط الشرقي، يجد نفسه أمام تحد جديد لجهة منازعة سياسات النفوذ الامپريالية شرعية كيانه الوطني وخياراته الليبرالية والديموقراطية واستقراره الكياني. تتلازم الأزمات البنيوية مع واقع الابتذال الاخلاقي الذي تتسم به اداءات الاوليغارشيات المافياوية التي تحكم هذا البلد منذ ثلاتة عقود، وما نتج عنه من سياسات إرادية ومقاصد شريرة التأمت حول مواريث واستعدادات تناقض المنطلقات الليبرالية والديموقراطية التي ظللت وجوده وطبعت مساراته على مدى المئوية التي انقضت على إنشائه. إن التلاقي بين التفاهة والمقاصد السيئة كما تظهره إشكالات تأليف الحكومة الحاضرة لم يعد توقعا بل اصبح واقعا راهنا يحيلنا الى أحوال الاستلاب بمدلولاته الوجودية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والايديولوجية، أي أنه لم يترك جانبا من حياتنا الخاصة والعامة الا وأصابه، بدءا من نهب جنى أعمار اللبنانيين وتهديد مستقبل أولادهم، وانتهاء بحقوقهم وحرياتهم وخياراتهم الحياتية على تنوع مندرجاتها.

لقد عملت الاوليغارشيات في الثلاثين سنة الماضية على استهداف الانجازات التاريخية للكيان الوطني اللبناني على مستوى الخيارات السياسية الليبرالية والتعددية والديموقراطية، وبناء الاقتصاد والبنيات المهنية والمالية، والمبادرات في مجالات التربية والثقافة والعمل الاجتماعي والصحي، وما نشأ عنها من إيتوسات وأخلاقيات، وتواصل مع حركة الحداثة بكل أبعادها وعلى تنوع مصادرها الفرنسية والانجليزية والاميركية والألمانية…،. لقد ابتدأت الحركة الانقلابية على ما مثله هذا البلد منذ أحداث ١٩٥٨ ووصولا الى حروب ( ١٩٦٥-١٩٩٠)، وسياسات السيادة المحدودة والاستنسابية والمعطلة كما تظهرت مع جمهورية الطائف في حقبتيها السورية (١٩٩٠-٢٠٠٥) والإيرانية (٢٠٠٥-٢٠٢١) وما استندت إليه من تحالفات بين اوليغارشيات الداخل ومراكز قوى الخارج، وعلى خط استوائي بين سياسات نهب الأموال العامة والخاصة من خلال السياسات الريعية وضرب سياسات الاستثمار في الاقتصاد الفعلي، وآليات الديون البغيضة والصناديق الانتهازية التي مولت سياسات إعادة الإعمار غير المتماسكة في صيغها وآلياتها التنفيذية، والمشبوهة في كلفتها وآليات اقرارها خارجا عن مشاركة القطاعات المعنية من أهلية ومدنية ومهنية، وتحول النظام المصرفي اللبناني الى مشغل لتبييض أموال الجريمة المنظمة والإرهاب وتوظيف المصرف المركزي والأجهزة القضائية والعدلية في خدمتها، وتحويل لبنان الى منصة لأعمال الجريمة المنظمة والعمل الارهابي والانقلابي على المستويات الإقليمية والدولية. لقد دخلت البلاد في مرحلة انقلابية فاصلة بين حيثيات المنشأ ومرحلة التفكك البنيوية الراهنة التي لا تفهم الا على خط التواصل بين السياسات الانقلابية وأعمال الإرهاب والجريمة المنظمة كما تظهرت من خلال المحاور التالية:
أ- لقد سقطت شرعية جمهورية الطائف بحكم تداعي المرتكزات الديموقراطية على مستوى ضمور الكيان المعنوي والدستوري للدولة اللبنانية لحساب سياسة النفوذ المحلية والاقليمية، وكسر مبدأ فصل السلطات وتوزع القرار السيادي على محاور پوليارشية تعبر عنها سياسات المحاصصة بين أقطاب الاوليغارشيات والنزعات الانقلابية التي تحكم علاقاتها، والتبعيات العضوية لمراكز النفوذ الاقليمية، وتداعي مفهوم الخير العام لحساب سياسات توزع المسالب والمقايضات بين اعضاء النادي السياسي المغلق، وترسخ واقع الزبائنيات على مختلف مستويات العمل العام، وتحويل موارد الدولة الى مصادر لترفيد سياسات الاثراء الخاص، ومشاريع السيطرة الطائفية والاقتطاعات السياسية، واستهداف حيوية الاقتصاد الوطني لحساب قطاع عام فاسد وقائم على الريوع والحيازات والاقتطاعات الزبائنية.

ب- إن الازمة المالية الخانقة هي نتيجة لسياسات إرادية اعتمدت في مقاربة المشاكل البنيوية تنبىء عن سوء نوايا الفاعلين السياسيين وتشبث المقاطعات السلطوية في حماية حيازاتها ومصالحها الريعية، كما ظهرتها الاداءات الفعلية تجاه سياسات الاصلاحات الهيكلية والتدقيق الجنائي المالي التي اشترطتها مؤتمرات باريس الاربعة، والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وإعادة النظر بسياسات الصرف العام لجهة تصفية السياسات الزبائنية، وترشيد النفقات، وترشيق الادارات العامة ورفع مستوى الاداء المهني فيها، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي ودور البنك المركزي على خط التواصل بين الاقتصاد الفعلي وتطوير سوق العمل وتنويع الخريطة الاستثمارية بالتعاون مع الجامعات والحاضنات التكنولوجية، والاصلاحات التربوية، وتطوير مؤسسات البحوث والانماء، والتوظيفات في القطاعات الانتاجية الصغيرة والمتوسطة وذات القيمة المضافة العالية، وتحفيز الانخراط في تقسيم العمل الدولي من خلال العمل التشريعي، والقضائي والاداري والضريبي، وتحسين الشروط اللوجستية الجاذبة للاستثمارات. لا إمكانية لتثبيت الاستقرار المالي خارجًا عن اصلاح الخلل في ميزان المدفوعات والميزان التجاري، ووضع حد للسياسات الريعية ومصادرة القرار الاقتصادي من قبل سياسات النفوذ، ووقف سياسة شفط الأموال المتبقية من خلال التلاعب بأسعار صرف الدولار، والتواطاءات القائمة بين المافيات الشيعية والقطاعات المصرفية والمدعي العام المالي علي ابراهيم، كما ظهرتها مطالعات المحامي رامي عليق القانونية. أخيرًا لا آخرا علينا ان نشير الى أهمية إنفاذ القرار ١٥٤ لجهة رسملة المصارف، وإعادة هيكلة العمل المصرفي لجهة تقليص حجمه وتقسيم العمل فيه، وإعادة الأموال المهربة، واقامة دعاوى دولية ومحلية من اجل استعادة الأموال المنهوبة، وتحريك مقرر ماجنتسكي ومثيلاته في الاتحاد الاوروپي من أجل مصادرة الاموال المنهوبة والمبيضة، ووضع حد لسياسة الانهيار المالي، كإحدى جوانب سياسة التدمير المنهجية التي تعتمدها الفاشيات الشيعية على المستوى السياسي العام …،.

ج- ان التلازم بين سياسات النفوذ الداخلية والسياسات الانقلابية على المستوى الاقليمي كما تظهرها حاليًا المداخلات الايرانية والتركية، تدخلنا في إشكالية تحويل لبنان الى منطلق لسياسة النفوذ الشيعية التي تقودها إيران في المنطقة ودور حزب الله المحوري في إدارتها سياسيا وعسكريا وماليا، كما أكدها مرارا حسن نصرالله ونعيم قاسم وظهرتها مداخلات قاسم سليماني والحرس الثوري الإيراني. لا مجال لمقاربة هذه الإشكالية دون فهم أولويتها الناظمة لأداء حزب الله وحساباته السياسية والاستراتيجية، من خلال حرصه على دوره الأساسي في تركيبة النظام الايراني، ومستقبل مداخلته الاقليمية، وارتباط مستقبله ومصالح كوادره السياسية والعسكرية والمالية وشبكات الاقتصاد المنحرف والعمل الارهابي والانقلابي الذي يديره، وعلاقته بديمومة هذه المعادلات التنظيمية والإستراتيجية، كما بلورتها زيارته الأخيرة الى موسكو. إن المراهنة على تفكيك المسارات غير واردة قبل تغيير معادلات النفوذ وتحديد مستقبل المواجهات بين إيران والولايات المتحدة على مستوى البرنامج النووي الايراني وسياسات نزع التسلح والتسويات السياسية الاقليمية، ومصير النظام الايراني الذي يعاني من أزمات داخلية مديدة تسائل شرعيته ورواياته الناظمة، وتفسر العلاقة الملتبسة بين ديناميكيات التطبيع الدولية وتنامي الاتجاهات الليبرالية في المجتمع المدني الايراني الذي نشأ على وقع تهاوي الأوهام الايديولوجية والأزمات الحياتية القاتلة.

إن المماحكات والنزاعات اللاخلاقية وغير المسؤولة المتلازمة مع الظروف المأسوية لتأليف الحكومة، ما هي الا تمويهات لحجب سياسة الانهيارات الإرادية التي تحكم اداء حزب الله، لجهة حماية خياراته الاستراتيجية، وتثبيت مواقعه داخل اللعبة المرحلية. تقع المراهنة على إرادة التسوية الواقعية من قبله في دائرة التمني لا في مجال التقدير الواقعي لسياسة انقلابية تنازع شرعية البلاد الكيانية وخياراتها الليبرالية والديموقراطية .إن المواجهة مع هذه الحركة الانقلابية، على خطوط التقاطع بين الائتلافات الوطنية والمعارضات الشيعية المتنامية والسياسات الاقليمية والدولية المناوئة، قد أصبح خيارا سياسيًا لا بديل عنه إذا ما اردنا احتواء هذا المد الانقلابي التوتاليتاري الذي يتوازى مع تصريفات الراديكاليات الاسلامية المعاصرة.

تكمن صعوبة المرحلة التي نجتازها في تداخل الأزمات المعيشية المميتة التي تفاقمت منذ سنة ونيف بحكم سياسات التسيب الإرادي بمندرجاتها الانقلابية وتلاقيها الموضوعي مع مصالح الاوليغارشيات التي تتشارك معها، وما تأتى عن هذا التقاطع من استهداف للتوازنات الاقتصادية الكلية، وهدم منهجي للذخر المؤسسي التاريخي بمكوناته الاقتصادية والمهنية والتربوية والاستشفائية والاجتماعية كما ظهرتها العملية الارهابية في مرفأ بيروت. لا إمكانية لمواجهة هذه الديناميكية الانقلابية خارجًا عن تدويل الأزمة اللبنانية، كمدخل من أجل تعديل علاقات النفوذ باتجاهات أكثر توازنا، تساعد في تخريج تسويات سياسية مرحلية واستراتيجية تخرجنا من الديناميكيات النزاعية المفتوحة على صراعات الخارج والداخل، وتعيد تركيز الاجتماع السياسي اللبناني على أسس ديموقراطية وليبرالية وتعددية عبرت عنها الحراكات المدنية بشكل لافت، نحن اليوم أمام خيارات وجودية وسياسية حاسمة تختصرها مقولة ” المجتمع المنفتح ومناوئيه “.