المخرج يوسف ي. الخوري/”المارونيّة السياسيّة” بين مطرقةِ شيحا وسِنْدانِ الحريري

64

“المارونيّة ألسياسيّة” بين مطرقةِ شيحا وسِنْدانِ الحريري
المخرج يوسف ي. الخوري/09 شباط/2021

مدخل
“المارونيّة السياسيّة” هي عبارةٌ تنضحُ بغيرِ ما يحمل مضمونها. أطلقها كمال جنبلاط للإشارة إلى بعض الإمتيازات التي أعطت الموارنة تفوّقًا على باقي الطوائف في إدارة الحكم في لبنان، كما للإيحاء بأنّها هي الأساس في تفاقم التناحر المذهبي بين الجماعات اللبنانيّة، والسبب في “تفكّك أوصال الدولة”. هذا في الظاهر، أمّا في الباطن، فشعار “المارونيّة السياسيّة” ما هو سوى تعبير عن رفضِ ¬¬جنبلاط لميثاق الـ 1943، خصوصًا أنّ هذا الميثاق حرمه، كدرزيّ، من تبوّء إحدى الرئاسات الأساسيّة في البلاد، لاسيّما الرئاسة الأولى.

شعارٌ أُريدَ منه باطل
كما أنّ تعبير “المارونيّة السياسيّة” مجحف بحقّ الموارنة من ناحية مضمونه، فهو أيضًا مضلّل إذا ما تناولناه من زاوية علم الدّلالة.
حين تقع على عبارة “المارونيّة السياسيّة”، فورًا يتبادر إلى ذهنك أنّ المارونيّة هي نهج متماسك في السياسة وفكر موحّد في العقيدة، لكنّ الموارنة لم يتوحّدوا يومًا في السياسة، وإذا اضطرّوا أحيانًا أن يتحالفوا ظرفيًّا، فيكون ذلك على مضضٍ أو لمصلحة. فكيف يصحّ إطلاق تسمية المارونيّة، مع “أل” التعريف، على سياساتهم، بينما هم أصحاب سياسات متعدّدة وتوجّهات مختلفة منذ تعزّز الصراع القيسي اليمني بداية القرن الثامن عشر ولغاية اليوم؟ وليد جنبلاط كان أكثر دقّة من والده في توصيف “ألمارونيّة السياسيّة”، إذ صرّح أكثر من مرّة بما معناه أنّ “هذا الشعار يُمكن إلصاقه بغير الموارنة وحتّى ببعض المسلمين الرجعيين”.

أصل الحالة
بين موقف إميل إدّه المتخوِّف من دعاة القوميّة العربيّة والميّال إلى ترك الإنتداب الفرنسي على لبنان فترة أطول، ورأيٍ مسيحيٍّ آخر، ذي نزعة إستقلاليّة، يتزعّمه بشارة الخوري ويعكس رغبة رجال الأعمال المسيحيين بالإنفتاح على البلاد العربية تعزيزًا لنشاطهم الإقتصادي، حسمت إنتخابات العام 1943 النيابيّة هذا التباين، إذ أعطت ” الكتلة الدستوريّة ” بزعامة الخوري، فوزًا ساحقًا، وبالتالي أدّت إلى انتخابه رئيسًا للجمهوريّة، ومن بعدها انطلقت مسيرة إستقلال لبنان.
بانتصار “الكتلة الدستوريّة”، تعزّز تأثير المال ورجال الأعمال على السياسة والسياسيين في لبنان لا بالصدفة، بل نتيجة تحالف مُحكَمٍ بين أصحاب المال والطبقات الحاكمة هندسه بعناية المفكّر ميشال شيحا، أحدُ مؤسِّسي “الكتلة الدستوريّة”، وشقيق زوجة الرئيس بشارة الخوري ومستشاره.
بين العقدين السادس والسابع من القرن الماضي، أصبحت بيروت المركز المالي الأحدث والأسرع نموًّا في العالم، من خلال نشاط مصارفها المتصاعد، فانضمّ أصحاب المصارف – وغالبيتهم الساحقة من أثرياء المسيحيين – إلى نهج شيحا، وصار لهم أيضًا تأثيرهم في سياسة لبنان واقتصاده، فتحكّم هؤلاء المصرفيين مع ثلاثين عائلة تربّعت على “البورجوازيّة الماليّة التجاريّة الصناعيّة”، بالاقتصاد اللبناني: كانوا يلتفّون حول رئاسة الجمهوريّة، ويُدخلون ممثلين عنهم إلى البرلمان للتحكّم بالتشريع والموازنة، وإلى الحكومات للسيطرة على السياسات الضريبيّة والعلاقات الخارجيّة، حتى بات تحالفهم هو الحاكم الفعلي للبنان وليس الموارنة والمسيحيون.
من هنا، كان حريّ بكمال جنبلاط التصويب على نهج ميشال شيحا وعلى طبقة “البورجوازيّة الماليّة التجاريّة الصناعيّة” التي تضمّ رجال أعمال ومصرفيين من كل الطوائف، لا على السياسيين الموارنة

من شيحا إلى الحريري
بُعَيد اتّفاق الطائف، تحوّل ميزان القوّة من الموارنة إلى السنّة بزعامة رفيق الحريري. لم يَغِب عن الحريري تأثيرُ المال والاقتصاد للإمساك بزمام الأمور في لبنان، فأتى بخطة منهجيّة لانتزاع النفوذ الاقتصادي والمصرفي من المسيحيين. يكشف جورج قرم (وزير مال سابق وخبير مالي) أنّ “الحريري نفسه ثابر في سنوات الحرب على امتلاك كل ما هو للبيع بسعر جيّد: مصارف، شركات تأمين، متاجر كبرى، أراضٍ ممتازة في الأحياء البيروتية الجميلة”. ولا شك أنّ الحريري أحيا في فترة حكمه نهج ميشال شيحا، فكان يُنفق بسخاء على حملاته الانتخابيّة للسيطرة على البرلمان، ويستثمر في شبكة من العلاقات الممتازة مع أنظمة وأجهزة إستخبارات أجنبيّة، ما عزّز قوّة حضوره في لبنان والعالم، حتى كاد يختصر بشخصه كل القوى الاقتصاديّة والمصرفيّة التي حكمت لبنان منذ الاستقلال حتى عشيّة حرب 1975. يقول كمال ديب (كتاب أمراء الحرب وتجّار الهيكل): “في عهوده كرئيس للوزراء، همّش رفيق الحريري دور التفتيش المركزي ودور مجلس الخدمة المدنيّة، ووضع يده على مجلس الإنماء والإعمار، تاركًا للشيعة مجلس الجنوب وللدروز صندوق المهجّرين، فتحوّلت هذه الصناديق من خدماتيّة إجتماعيّة لمساعدة اللبنانيين، إلى حصص يتقاسمها أهل الحكم”. أمّا البنوك التي كان لها هامش تحرّك واسع وحرّ بمعزل عن المصرف المركزي قبل إتّفاق الطائف، فبدأت منذ عهد الحريري الأول، تتحوّل إلى كتلة موحّدة يحرّكها المصرف المركزي بسياساته وقراراته، ومن ضمن منظومة “أنا أدير وأحقق لكم أرباحًا إضافية”، مع الإشارة إلى أنّ حصّة المسيحيين في ملكيّة البنوك اللبنانيّة لم تعد الحصّة الكبرى في عهد الحريري، إذ توزّعت بين تجمّعات ماليّة وبنوك عربيّة وأجنبيّة – لاسيّما أميركيّة – وعائلات وأفراد لبنانيين نسبتهم الكبرى من السنّة. أمّا الطبقة “البورجوازيّة الماليّة التجاريّة الصناعيّة” ذات السيطرة المسيحيّة، فإنكفأت تحت جناحَيْ الحريري، إذ وجدت في حضوره على الساحتين الاقتصاديّة والماليّة، إحياءً لنهج شيحا الذي حجبته حرب الـ 1975.

الخلاصة
لو كانت المشكلة فعلًا في إمتيازات الموارنة قبل العام 1975، كما يدّعي كمال جنبلاط، توجّب الّا يكون لبنان اليوم في أزمة، لأنّ إمتيازات الموارنة أُسقِطَت عنهم في اتّفاق الطائف المُقرّ في العام 1989، وما عادت موجودة. أمّا وقد كمنت المشكلة الحقيقية، ولا تزال كامنة، في استئثار “الدولة العميقة البورجوازيّة” بالإقتصاد وبالسلطة، فها إنّ لبنان يتّجه نحو القعر الذي ما بعده عمق!
سيظل يُحسب للموارنة وللمسيحيين أنّه في زمانهم (زمن شيحا)، لم تتكامل الدولة العميقة مع الدولة الحقيقية، لا بل، وهذا أصْوَب، لم تسعَ للتكامل، إنّما اكتفى بورجوازيّوها (أي بورجوازيّو الدولة العميقة)، من تجّار ورجال أعمال ومصرفيّين، بالإستفادة من علاقاتهم الوطيدة بسلطة الدولة الحقيقيّة، خدمةً لمصالحهم وزيادة لثرواتهم، لكن ولا مرّة بمدّ أيديهم إلى خزائن الدولة، بل بالعكس، ساهموا في نموّ اقتصادها وضمان ازدهارها.
في زمنَي “الحريريّة” و “الشيعيّة”، تكاملت الدولة العميقة مع الدولة الحقيقيّة، فاستشرى الفساد واُفلس لبنان، لأنّ هذا التكامل أتاح الوصول إلى خزائن الدولة وماليتها، كما أتاح سرقة ودائع الناس من دون رقيب.
نهج شيحا الاقتصادي تقدّمي وسابق لعصره، وقد يكون متفوّقًا على ما يُعرف اليوم بالـ “نيو ليبراليّة”، لكن تبقى معضلته القاتلة أنّه أغدق عيش فئة معيّنة من اللبنانيّين، بينما لم يَطَلْ شيءٌ من خيراتِه غالبية الشعب، وتسبب أحيانًا بإفقار بعضها. حاول رفيق الحريري تدارك هذا المطبّ الذي أسقط نهج شيحا، من خلال خَلْق فرص لعامة اللبنانيين تُتيح لهم الهناء بشيء من البحبوحة، لكن تبيّن مع مرور الوقت، أنّ ما اعتقده اللبنانيون بحبوحة وازدهارًا في زمن “الحريريّة السياسيّة”، ما كان إلا وهمًا لإلهاء الناس عن تحالف أهل السلطة وأصحاب الأموال، وعن فسادهما المتنامي على حساب نموّ لبنان.
إنّ “الحريريّة السياسيّة” منظومة متكاملة، وراعيها رفيق الحريري نجح بأخذ دعم غالبيّة اللبنانيين، كما نجح في دمج الدولتين العميقة والحقيقيّة. “الشيعيّة السياسيّة” هي الأخرى منظومة موجودة وقائمة وتتكامل مع الدولة العميقة وتحوز على دعم اللبنانيين من خلال إسكاتهم عن أفعالها بالترهيب والترغيب. أمّا “ألمارونيّة السياسيّة” فهي غير موجودة إلّا بالإسم، لأن لا موارنة متّحدون خلفها، ولا تكامل بينها وبين الدولة العميقة. ولا نبالغ إذا قلنا إنّ ألدّ أعداء الدولة العميقة في زمن شيحا (أي في زمن ما يُسمّى بـ “المارونيّة السياسيّة”) كان الموارنة أنفسهم، وإنّ أوّل ضحاياها كانت الطائفة المارونية! أوَلَم يسمّها بشير الجميّل “المزرعة” وهو في عزّ ثورته المسلّحة نحو التغيير؟

مراجعة وتدقيق: الصحافية والاستاذة الجامعية نضال أيوب
المراجع:
 كمال ديب، أمراء الحرب وتجار الهيكل – دار النهار
 كمال ديب، إمبراطوريّة إنترا – دار النهار
 فريد الخازن، تفكّك أوصال الدولة – دار النهار
 Georges Corm, Le Liban Contemporain – Histoire et société, Paris, La Découverte
 Fouad Ephrem AlBoustany, Le problème du Liban
 Annie Laurent et Antoine Basbous, Guerre secrète au Liban
 فوّاز طرابلسي، صلات بلا وصل – رياض الريّس للكتب والنشر
 كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث – دار النهار
 Michael Hudson, The Precious Republic –Political Modernization in Lebanon, New York–Random House