المخرج يوسف ي. الخوري/يا أولادَ الكَيْدِ، ويا أشباه المومياءات الزاحفة

478

يا أولادَ الكَيْدِ، ويا أشباه المومياءات الزاحفة…
بقلم المخرج يوسف ي. الخوري/31 كانون الثاني/2021

خرجت الثورة رافعةً العلم اللبناني، وليس إلا العلم اللبناني، فتهمتموها بالعمالة للسفارات الأجنبيّة.

هتفَت “سلميّة سلميّة” وغنّت الوطن في الساحات، فاعتبرتموها “ثورة طقش وفقش”.

غَضِبت، أحرقت الدواليب علّ دخانها الأسود يحرّك ضمائركم، فنعتّوها بـ “ثورة زعران”.

زَرَبتكم في بيوتكم يا جبناء، وحاصرتكم في الأماكن العامة، وحرَّمتكم الظهور في المقابلات الإعلاميّة، فوضعتم في وجهها الجيش والقوى الأمنيّة، وتستّرتم خلف العسكر.

صرخت “الجيش هو أنا وأنا هو الجيش”، فتلقّت العصيَّ والقنابل المسيّلة للدموع، والرصاص المطاطي، والرصاص الحيّ.

لمّا بانت قوّتُها وعَظَمةُ تأثيرها، حاولتم سرقتها وصار كلّ منكم يُطلق الإشاعات أنّه هو الثورة، ويُوهم نفسه، ولا يوهمنا، أنّ فريقه هو مَن يقف خلف الثورة.

لمّا وجدتم أنّ لا مكان لكم فيها، لجأتم إلى حسن نصرالله وتلطّيتم تحت عباءة مقاومته المزعومة، فأطلق “باسيجه” للإعتداء بالضرب على المتظاهرين السلميين، كما أطلق عملاءه وعملاء أجهزة المنظومة، لقمع المحتجّين بالقوّة ولشرذمتهم. إرتدعتم ولم ترتدع الثورة.

جاءكم الكورونا محجّ خلاص، واعتقدتم بأنّ الثورة انتهت وبأنّكم منتصرون، فصرتم تشمتون وتشتمون وتسخرون، وعدة نصبِكم للظهور مجدّدًا تُعِدّون.

أفجَعَ إنفجار 4 آب لبنان والعالم، فاستغلّيتم وجع الناس واهتمام الدول الصديقة لتُنعشوا منظومتكم السوداء، فعدتّم تتكلّمون وتتساجلون، وباعتقادكم أنّ شيئًا تفعلون، وأنّ أزماتِكم وفسادَكم ستتجاوزون، وإنّكم على دفن الثورة لقادرون.

خَسِئتم!
بالأمس كنتم تسألون بتهكّم “أين اختفت الثورة؟ ماذا حقّقت غير أنّها خرّبت البلد؟” واليوم بعدما ظهرت من جديد، وخضّت مضاجعكم من طرابلس، أنا الذي سيسألكم من موقع العارف: “أين منظومتكم القويّة، وما بالها مختفية عن إفساد الأرض؟! وماذا حقّقت منذ سنة ونيّف؟”

رئيس منظومتكم كان يقول بأن ليس في البلاد فساد، وها هو اليوم يتراجع ويُطلق بلا فائدة التحقيقات الجنائيّة.

حاكم مصرف منظومتكم فلتت من يديه الليرة بعدما كان يتبجّح، ولوقت ليس ببعيد، بأنّه صاحب الفضل بإستقرارها، وبأنه وحده الضامن لقيمة هذه الليرة. كان يمنّن علينا، هو وعصابة البنوك التابعة له، بأنّهما مصدر بحبوحتنا، وميسّرا تعليم أولادنا، ومسهّلا عطلاتنا ورحلاتنا السياحيّة، ليتبيّن أنّهما، بالتكافل والتضامن، كانا يحتالان علينا لسرقة ودائعنا لصالحهما ولصالح المنظومة وأزلامها.

هذا الحاكم كان يُفاخر بأنّ دولَرَة الاقتصاد اللبناني هي من صنع إبداعاته، واليوم صار يخرج علينا في مقابلات إعلامية ليوبّخنا، وليقول لنا أنّنا لبنانيون وأنّ من واجبنا التعامل بالعملة الوطنيّة.

رئيس مجلس منظومتكم، صاحب تدوير الزوايا، أضاع بيكاره وصار عاجزًا عن تدوير أيّ زاوية كمَن أصابه صمّ ٌوبَكِمٌ جرّاء صدمة حادة.

حكومات منظومتكم تغطّ في ثبات عميق، إن تألّفت حلّت عاجزة ولا قُدرة لها على الإنجاز، وإن استقالت دخلت في دوامة إعجاز تأليف حكومة جديدة.

حامي منظومتكم باسم الله وحزبه، صار صوتًا يتكلّم بصورة جامدة، فلا كلامه سيحميه ويحمي المنظومة الحاكمة بعد الآن، ولا صوته سيصل إلى القدس مهما علا.

تقول المنظومة أنّ أهم إنجازاتها يكمن في حفظ أمن البلاد، ليتبيّن لنا أنّ أمنها هو وحده المُصان، وأنّ أمن البلاد غير آمن: سرقات، تشليح، سلاح متفلّت، عمليّات قتل، خلايا داعشيّة نائمة (بحسب زعم المنظومة)، طيران إسرائيلي بالكاد يغيب عن أجوائنا، وبيروت إنفجرت!!! إنفجرت بيروت ولم ينفجر ضميرٌ واحدٌ من ضمائر أصحاب المنظومة، وكيف ينفجر شيء غير موجود أصلًا؟!!

أن نسائلكم عن كل هذه الإخفاقات التي باتت تُساكنكم، هو مضيعة للوقت، لأنّكم في سبيل الدفاع عن عجزكم، قد تخرجون عن ودّكم ولا تغيّرون في طبعكم. لكنّ إخفاقًا واحدً لا تستطيعون أن تنكروه، ألا وهو إخفاقكم في إسكات الثورة. الثورة هنا، باقية هنا، هي تنمو كحبة الحنطة، أمّا أنتم فإلى مصيركم البائس يا أشباه المومياءات الزاحفة.

ما ألعن منكم إلا المستفيدين من منظومتكم والمستميتين في الدفاع عنها. هؤلاء، بلغ إسفافهم دركًا ما بعده عمق. لم نسمع لهم صوتًا حين انفجرت بيروت، لأنّ الفعل الجرمي لهذه الحادثة يقع عليكم أنتم، ويستحيل أن يطال الثوّار بأي شبهة.

حصل ما حصل بالأمس في طرابلس، وإذا بأزلامكم يهبّون هبة ضروس منظّمة ضد الثوّار. وما أسوأ من كيد أتباعكم إلّا غباؤهم. منذ الدقائق الأولى لانتفاضة أهل طرابلس، بدأ أتباعكم، كالعادة، يحدّثونا عن أيادٍ غريبة، تركيّة، سوريّة، فلسطينيّة، تعبث بأمن المدينة.

كيف عرف أتباعكم هذه المعلومات وبهذه السرعة؟… راحوا يسخرون من أهل طرابلس المنتفضين بالقول: “من اين لهم ثمن السلاح وهم جياع فقراء؟ وكأنّ السلاح هو حكر على الأغنياء، وكأنّ فقراء الأرض ليسوا هم مَن أشعل غالبيّة الثورات المسلّحة في التاريخ!… بعد إحراق البلديّة، سَرَت موجة تعليقات بأنّ أهل طرابلس لا يفعلون هكذا أفعال بالممتلكات العامة التابعة للدولة.

وهنا اسأل: إذا كان أهل طرابلس المستضعفين والمطعون بكرامتهم وأمن عيشهم لا يفعلون، فمن يفعل؟ سكّان القصور الناعمين بالرخاء والبحبوحة؟… ثمّ يأتي الحديث عن الحرمات وعن التعرّض للقوى الأمنيّة لصبّ الزيت على النار، وكأنّ الثورة هي التي تتعرّض للجيش والدرك، وليس العكس ولو بطريقة لاإراديّة وغير مباشرة! قد تكون القوى الأمنيّة واقفة في الوسط بين سلطة المنظومة والثورة، وهي لا تتدخّل إلا عندما تحصل أعمال شغب وإخلال بالأمن، لكن وللأسف، تبيّن أن هكذا موقف يخدم المنظومة أكثر مما هو وسطي، إذ يحرم الثوار من الوصول إلى أهل المنظومة لإسقاطهم، فهذا ما حصل في كل محاولات الدخول إلى البرلمان، وهذا ما حصل أكثر من مرّة على طريق القصر الجمهوري.

خلال كل الثورة، ما كانت تقع عمليّات التعدّي على الأماكن العامة، إلّا عندما يتحوّل دور القوى الأمنية إلى حامٍ لأهل السلطة، وهو الأمر الذي يجعل الثوّار عاجزين لأنّهم لا يُريدون الإصطدام مع هذه القوى، كونهم مُدركين أنّ الظلم يطال العسكريين التابعين لها أكثر مما يطال أيّ أحد آخر، والأمر نفسه يحوّل بعض الثوار إلى الشغب الذي لغاية الآن هو في أدنى مستوياته، لا بل، وهذا أصوَب، لا يُحتسب…

وتكرّ سبحة الإفتراءات الغبيّة: مدسوسين، مخرّبين، التوقيت مريب لمنع رئيس الحكومة من تشكيل حكومته، التوقيت مُريب وهدفه حجب الأنظار عن التحقيق الجنائي، تصفية حسابات بين الأخوين الحريري… إلخ… حتّى بلغت هذه الإفتراءات حجمًا غير مسبوق من الهبل. وأهبل ما فيها، عندما يأتيك بعض “المسؤولين” ليقول لك “مَن أحرقوا دار البلديّة هم ليسوا الثوار الحقيقيين، بينما لم يُنكر أحد من الثوار هذه العملة. والمُضحك المُضحك هو أنّ هؤلاء “المسؤولين” الذين يتحدّثون اليوم عن ثوّار حقيقيين، كانوا بالأمس ينعون الثورة برمّتها.

برأينا، ما الهدف من تعظيم قضيّة حرق بلديّة طرابلس، سوى إلهائنا عن فداحة جريمة 4 آب المعلّقة برقاب كلّ من ينتمي إلى هذه المنظومة. وبرأينا أيضًا، الجماعة كانوا مصدّقين أنّ الثورة انتهت، ولحفظ ماء وجوههم العفنة، جيّشوا أتباعهم للتضليل والإيحاء بأنّ خلف حركة طرابلس الأخيرة يقف “راجح”. ولهؤلاء أقول: الثورة هي اليوم الحيّ الباقي، وأنتم الحيّ الميّت.
إنّه اليوم المائة والست بعد السنة لانبعاث طائر الفينيق.