اميل خوري/ المسلمون يأتون بأقوياء لأنهم متّفقون فكيف للمسيحيين أن يأتوا بمثلهم وهم متفرّقون؟

332

 المسلمون يأتون بأقوياء لأنهم متّفقون فكيف للمسيحيين أن يأتوا بمثلهم وهم متفرّقون؟
اميل خوري/النهار/5 كانون الأول 2014

أبدى مسؤول كنسي استغرابه لسماع زعماء مسيحيين، وتحديدا موارنة، يكررون خصوصا في الفترة الاخيرة المطالبة برئيس قوي للجمهورية اسوة بالرئيس القوي للسنة والرئيس القوي للشيعة، وباستعادة بعض الصلاحيات التي اخذت منه في اتفاق الطائف كي يتمكن من الحكم ويكون حكما في الازمات، وان تتحقق المناصفة الفعلية بين المسيحيين والمسلمين في اي قانون جديد للانتخابات.

ودعا المسؤول اياه الى العودة بالذاكرة الى الماضي يوم كان الزعماء المسيحيون والمسلمون موزّعين بين جبهتين: جبهة موالاة وجبهة معارضة ولكل منهما مرشح واحد ينافس الآخر على مناصب رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس ورئاسة الحكومة. وكانت اصوات الاكثرية النيابية هي التي تحسم المعركة في ما بينهم. وكان مجلس النواب ومعه الشعب منقسمين ايضا بين معارضة وموالاة، و كانت نتائج كل انتخابات هي التي تجعل الاكثرية النيابية الفائزة تحكم والاقلية تعارض الى ان تتحول الاقلية في انتخابات لاحقة اكثرية والاكثرية اقلية.

وهكذا كان يتم تداول السلطة بانتظام تطبيقا للديموقراطية الصحيحة. لكن عندما تحولت الاحزاب والكتل من وطنية الى طائفية، لم يعد في الامكان تطبيق هذه الديموقراطية فكانت بدعة “الديموقراطية التوافقية” التي جعلت انتخاب رئيس للجمهورية لا يتم الا بالتوافق، وتشكيل حكومة لا يتم الا بالتوافق، ولا يوضع قانون للانتخاب الا بالتوافق مهما طال الوقت… واذا بالمسيحيين، وتحديدا الموارنة، هم المتضررون من ديموقراطية كهذه، لان التعددية ظلت داخل صفوف الطوائف المسيحية، لا بل زادت داخل كل طائفة ومذهب، في حين قلّت ان لم تكن انعدمت في الطوائف الاسلامية. فالمسلمون الشيعة بفضل تحالفهم الثنائي يتفقون على مرشح واحد لرئاسة مجلس النواب، والمسلمون السنة بفضل “تيار المستقبل” يتفقون على مرشح واحد لرئاسة الحكومة، وعندها لا يعود للشريك المسيحي سوى تأييد المرشح الواحد الذي لا منافس له. اما المسيحيون، وبالاخص منهم الموارنة، فتعدديتهم لم تعد محصورة بالموالاة او المعارضة، انما باتت داخل الموالاة وداخل المعارضة معا، فلا اتفاق في ما بينهم على مرشح واحد للمعارضة لمنصب رئاسة الجمهورية، ولا مرشح واحد للموالاة… بل مجموعة مرشحين من مختلف الدرجات والاصناف لا اتفاق حتى على واحد منهم ولا حتى على لائحة باسماء مرشحين مقبولين منهم كي يتركوا للاكثرية النيابية انتخاب واحد منهم. وقد بلغت الانانية والمصلحة الذاتية لدى زعماء منهم حد تعطيل نصاب كل جلسة مخصصة لانتخاب الرئيس اذا لم يكن ضامنا الفوز بها لأنفسهم، ولا يهمهم ان تعطلت مصلحة الوطن ومصلحة المواطن، ثم يلومون الشريك المسلم على انه لا يأتي لهم برئيس قوي للجمهورية كما يأتي برئيس قوي لرئاسة المجلس ورئاسة الحكومة، ناسين او متناسين ان الرئيسين المسلمين القويين جاء بهما اتفاق المسلمين ووحدة موقفهم. فكيف يمكن ان يأتي رئيس مسيحي قوي لرئاسة الجمهورية والمسيحيون انفسهم غير متفقين عليه؟!

اما في المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في المقاعد النيابية، فكيف للمسيحيين ان يحققوا هذه المناصفة عندما يكونون منقسمين ومتفرقين حتى داخل الحزب الواحد فتصبح اصوات المسلمين، على اقليتها، هي الوازنة في دوائر انتخابية ذات اكثرية مسيحية.

لذلك فان اي قانون للانتخابات لن يستطيع تحقيق المناصفة الفعلية مع تضاؤل عدد المسيحيين مضافا اليه تفككهم، الا بالعودة الى “المشروع الارثوذكسي”، وهو مشروع مرفوض كونه يهدد العيش المشترك والوحدة الوطنية.

اما في ما يتعلق باستعادة بعض الصلاحيات لرئيس الجمهورية كي يستطيع ان يكون حاكماً وحكماً، فان الرئيس في ظل الطائفية البغيضة، وفي ظل وجود السلاح خارج الدولة لا يستطيع استخدام حتى ما تبقى له من صلاحيات فكيف اذا كانت أوسع؟ اوَلم تقم القيامة عليه عندما دعا الى ان يكون السلاح حصرا في يد الدولة ورفض معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” ورفض ايضا تدخل “حزب الله” عسكريا في الحرب السورية لأنه أدخل العنف الى لبنان؟ لذلك على الزعماء تمكين رئيس الجمهورية اولا من استخدام ما تبقى له من صلاحيات قبل ان يطالبوا بالمزيد منها، فتزداد الانقسامات والخلافات وتختل التوازنات. ففي لبنان لا استقرار في ظل احزاب طائفية وفي ظل ولاء لغير الوطن، وعلى المسيحيين ان يعلموا ان لا احد يستطيع انتزاع دورهم عندما يكونون موحدين، ولا احد يستطيع ان يعطيهم دورا وهم غير موحدين.