شارل الياس شرتوني/جمهورية الطائف او الفصل الاخير في تفكيك اوصال الجمهورية المتداعية

186

جمهورية الطائف او الفصل الاخير في تفكيك اوصال الجمهورية المتداعية
*مونتسكيو: “ليس من استبداد اعتى من الذي يستظل القوانين والوان العدالة”
شارل الياس شرتوني/01 كانون الثاني/2021

*انفجار مرفأ بيروت هو عمل ارهابي ارادي يستهدف النسيج المديني لبيروت، والبنية الناظمة للعمل السياسي في البلاد لمصلحة سياسات النفوذ الشيعية، التي تستهدف التوازنات البنيوية على تدرج مراتبها، بدءا بالصيغة الناظمة للعمل السياسي وانتهاء بمشروعية الكيان الوطني، كما عبرت عنه فعاليات سياسية ودينية شيعية.

******
لقد درست تاريخ وسوسيولوجيا النزاعات اللبنانية (١٩٦٥-٢٠٢٠) على مدى ١٢ سنة انطلاقا من فرضية منهجية مبنية على التواصل بين حقبات نزاعية مختلفة تجمع بينها ازمات الشرعية الوطنية، تماسك المشروع الدولاتي، تراجع النخب الميثاقية، سيطرة الاوليغارشيات السياسية والسياسية-المالية، المشاريع الانقلابية القومية العربية واليسارية-الفلسطينية، واحتباس لبنان داخل سواتر الحروب العربية والاسلامية الباردة والحامية، وتمفصل الحياة السياسية الداخلية والخارجية على قاعدة اصطفافاتها المتحركة، الى حد يصعب معه التبصر فيما هو لبناني وغير لبناني، واذا ما كان للدولة اللبنانية من حيثية مستقلة خارجا عن مراكز النفوذ المتوالية ومحاورها الاقليمية الناظمة. لقد انهت سياسات النفوذ الانقلابية الكيان الوطني والدولة معا، عبر ثلاثين سنة من الدولة الصورية التي احتجب وراءها واقع التبعيات الاقليمية الآسرة، والاقفالات الاوليغارشية الشيعية والسنية والدرزية وملحقاتها في الاوساط المسيحية، وتحول الدولة اللبنانية الى مصدر لترفيد سياسات النهب المنهجية للاموال العامة والخاصة من قبل اقطاب معادلات النفوذ القائمة، وتمدد الحيازات والريوع والزبائنيات على حساب الخير العام والحقوق المواطنية، وجعل لبنان متغيرا تابعا داخل ديناميكيات نزاعية اقليمية ودولية مفتوحة. لقد احالنا هذا الواقع الى استحالات لجهة حماية السلم الاهلي، وصيانة موضوعية واستقلالية الكيان الدولتي، وصون السياسات المالية العامة من استراتيجيات النهب المنظم التي وضعتها سياسات النفوذ الآنفة، ووضع حد لواقع الدولة الناهبة. نحن لسنا امام مندرجات سياسية عامة وجيو -سياسية منفصلة، بل أمام واقع استوائي دمر فكرة وواقع الدولة الوطنية على خط التقاطع بين الايديولوجيات النافية لشرعية الدولة الوطنية، وممارسات سياسية تلتئم على خط تعاقبي بين النزعات الانقلابية، والجريمة المنظمة، والفراغ القيمي الذي حول دولة القانون ومتكآتها الدستورية والقانونية، الى بنيات فارغة المضمون استخدمت لتغطية واقع الاستباحات الآخذة بكل اتجاه. هذه الملاحظات تودي بنا الى الاستنتاجات التالية:
أ-ان أية تسوية من ضمن واقع المفارقات الجيو-پوليتيكية ومحاورها الآسرة، والسياسات الانقلابية ومفاعيلها المدمرة، وتطبيع سرقة الاموال العامة، وتكريس الاقفالات الاوليغارشية، وواقع الارتهانات والنزاعات الاقليمية المتداخلة، كما هو الحال اليوم، تضعنا امام تناقضات لاغية لواقع الدولة كإطار ناظم للحياة الوطنية والعامة.ان السياسة الانقلابية التي تقوم بها الفاشية الشيعية وما تستحثه من مضادات سنية متماثلة، ومن تحالفات انتهازية قائمة على قاعدة المبادلات والمحاصصات الاوليغارشية سوف تؤدي الى ترسيخ واقع الانهيارات البنيوية التي تعاني منها الدولة الحاضرة، والتي تحيل لبنان الى واقع الدولة الفاشلة، والى العزلة الدولية التي تحول دون سياسات المساعدة الدولية الشرطية التي ترتبط باصلاحات بنيوية على مستوى آليات الحوكمة، وانتظام عمل دولة القانون، وانهاء واقع القطيعة بين المجتمع المدني والدوائر السلطوية التي تسعى الى تقويضه واستتباعه، كما هو الحال في سائر دول المنطقة، نحن كما قال البطريرك الماروني امام واقع دولة تستمد حيثيتها من استهداف المجتمع المدني في أمنه وحرياته واستقلاله. ان واقع الدولة المركزية في لبنان قد اصاب مبدأ الحوكمة الديموقراطية من خلال استهداف مهنية العمل العام، ومناقبية الخدمة العامة، وصيانة التوازنات البنيوية للاجتماع السياسي اللبناني. لا بد من مؤتمر تأسيس يخرجنا من اغلاقات هذا الواقع النزاعي المغلق، ويسمح بوضع أسس لتسوية سياسية، ان كان هنالك من قصد لاعطاء لبنان سبيله الى مئوية ثانية.
ب – لا امكانية لاجراء أي اصلاح مالي واقتصادي خارجا عن اعادة النظر بآليات الحوكمة، واعادة الاعتبار لمبدأ فصل السلطات، وإنهاء سياسات الاستخدام والزبائنية والاثراء الاوليغارشي، ووضع حد لواقع الدولة الريعية والاقتطاعات الحيازية، واجراء التحقيق الجنائي المالي على خط التواصل بين سياسة العقوبات المالية الدولية، والمقاضاة من خلال قضاء يستحدث للغاية ويستند الى اعمال التقصي وآليات التقاضي المحلية والدولية، واعادة هيكلة النظام المصرفي ورسملته على قاعدة خطة مركبة تستند الى تصفية ودمج المصارف، وضبط اداءاتها لجهة الالتزام بمقررات بازل الثلاثة، والرقابة القانونية والديموقراطية على اساليب عملها وهيئاتها التمثيلية، واعادة النظر بسياسة المصرف المركزي لجهة استئصاله من دائرة القرار الاقتصادي وكبديل عن آليات السوق والفاعلين الاقتصاديين، واعادته الى وظيفته كضابط ايقاع للسياسات المالية، وانهاء دوره كمحكم مهني للمصالح الاوليغارشية التي نهبت البلاد من خلال سياسات الهندسات المالية التي صيغت على قاعدة نهب الاموال العامة والخاصة من خلال الاكتتابات بسندات الخزينة، وتمويل سياسات اعادة الاعمار المشبوهة والخاطئة في موضوعاتها واولوياتها. أخيرا لا آخرا لا بد من ربط الاصلاح المالي والاقتصادي والمهني بالنموذج الناظم للاقتصاد المعرفي كأساس في مجال صياغة السياسات الصناعية والزراعية والخدمية.
ج- لا مجال لصياغة تسوية سياسية داخلية تعيد الاعتبار للدولة اللبنانية على خط تقاطع سياسات النفوذ الاقليمية وصراعاتها ( ايرانية، تركية، سعودية… )،ان عملية فصل المسارات والمترتبات اساس في عملية اعادة تكوين الحيثية الوطنية والدولتية. ان الاستراتيجية الانقلابية لحزب الله معطوفة على سياسة القضم التي يقودها مع نبيه بري، ومن خلال سياسة تحالفات انتهازية قائمة على المحاصصات الاوليغارشية وتقاسم المسالب، هي الطريق المباشر لتفكيك اوصال ما تبقى من الدولة والمشروع الوطني اللبناني. ناهيك عن فتحه المجال واسعا امام سياسات راديكالية سنية تنعقد حول القاطرات التركية والقطرية والارهابية، وتحويل لبنان مجددا الى مساحة لنزاعات اقليمية مفتوحة على كل تناقضات منطقة تتآكلها الحركات النهيلية الاسلاموية المتنوعة والنزاعات الاتنو-دينية. السؤال الاساس هل من سبيل لاعادة الاعتبار الفعلي لمبدأ الدولة الوطنية على حساب متخيل الامة الاسلامية وتصريفاتها الدينية والسياسية وتوپوغرافيتها، السؤال مطروح والاجابات تتلازم مع حركية موازين القوى وموجباتها، وما يمكن ان تدخله من تعديلات على المسرى الواقعي للاحداث. لا اصلاح في الحوكمة والسياسات العامة دون استقرار سياسي ذات مرتكزات بنيوية تبدأ بالثقافة السياسية وتنتهي بالبنيات الدولتية.
ان الانفجار المدمر الذي قضى على مرفأ بيروت وبيروت الشرقية ليس بحادث يفسره، على نحو قسري، فساد الادارة العامة وانعدام مهنيتها وتبعياتها الزبائنية ومحاصصات سياسات النفوذ القائمة. هذا الانفجار هو عمل ارهابي ارادي يستهدف النسيج المديني لبيروت، والبنية الناظمة للعمل السياسي في البلاد لمصلحة سياسات النفوذ الشيعية، التي تستهدف التوازنات البنيوية على تدرج مراتبها، بدءا بالصيغة الناظمة للعمل السياسي وانتهاء بمشروعية الكيان الوطني، كما عبرت عنه فعاليات سياسية ودينية شيعية. ان المعلومات العائدة لعمل التدمير الكلي الذي ينطلق من مبدأ الحرب الشاملة قد اكدت صحة هذه الفرضية من الناحية المنهجية، كما ان الاغتيالات المتلاحقة التي تلت التلاعب بمسرح الجريمة، واخفاء الدلائل، والتدخل بمسار التحقيق، والحؤول دون تأليف لجنة تحقيق دولية، او المشاركة في اعمال التحقيق الداخلية، يؤكدون على حد سواء على ارادة السيطرة الشيعية غير المواربة. ان ارادة السيطرة المعلنة التي حولت الكيان الدولتي اللبناني الى كيان صوري تابع سوف تصطدم بحدود واقع اقليمي متفجر ينهي ما تبقى من الكيان الوطني اللبناني، لمصلحة فراغات اقليمية متنامية وصراعات مفتوحة لا أحد يملك ناصيتها.