من المخرج يوسف ي. الخوري إلى الميت الحي الكبير موريس عواد: مَرئو سنتين وبعدَك ما مِتِت

341

مَرئو سنتين وبعدَك ما مِتِت
المخرج يوسف ي. الخوري/10 كانون الأول/2020

#موريس_عواد_الميت_الحي

موريس عوّاد وأنا، قصّا طويلي بلّشت من مسرحيّة “أماريس” وكان شعرنا بعدو أسود، وكمّلت تلاتين سني لحَدِّيت كتابو “ثلاتي وسبعين صبّاط وكحفِة نعامي” وكان صار لَوْن شعرنا أبيض.

مبارح صار لو سنتَين تركنا وكأنو مبارح! كل النهار عِشْت بذكرياتنا، واليوم وِجْ الضو وعّاني. ما تغيّر شي، كل عمرو يرنّ التلفون قبل طلوع الضو، وإركُض أنا ردّ قبل ما يوعوا اللي بالبيت، لأن أعرف إنّو هادا موريس.

من الـ “آلو” يعرِف إنّو وعّاني، ودغري يستلقي الوضع بنبرة تأنيب حلوي: “طلع الضو، بعدك نايم!؟” وأنا جاوبو وعارف إنّو الجواب ما رح يغيّر شي: “شو أنا ديك يا موريس وواجباتي صيح للناس تَ يوعُوا؟” ويرجع تاني يوم يتلفن وكأنو قبل بيوم ما حكينا ولا لطّشنا… هيدي بساطة العباقرا يَلّي بالنسبي إلن الشغل بِبلّش طلوع الضو مش لمّا الناس بيوعوا!

من وقت ما نقلت يا موريس عَ المقلب التاني ووقّف تلفوني يرنّ بكّير، صار في شي تاني يوعّيني: الضمير يلّي هوّي صوتك. ويا محلا رنّة التلفون قدّام هالصوت البيوقّفلي قلبي وبيخجّلني من حالي: “كيف فيكن تنامو ولبنان عم يخرب!!؟ آآآآآخ شو اشتقت لصوتك، آخ!… آخاتَك صاروا ضميرنا يا موريس! شاب لبنان وشِبنا، وصرنا عايشين ببريّي ما باقيلنا فيها نحنا صحابك إلّا صوتك!

اليوم الصبح وقبل ما أوعا نِئزان متل كل يوم، هزّتني إيدو بنعوميّي وحكاني:
– هوّي: (بصوت همس) جوزيف… جوزيف… وعا
– أنا: … موريس؟!!
– إيه موريس. بعدك نايم!!؟
– ما بقا في شي نعملو تا نوعا.
– (بنبرة) وإذا ما بقي شي تعملوه بتناموا!!!؟
– (غيّرت الحديث) مبارح تذكرتك… (جلّست قعدتي بالفرشي)
– تذكّرتني بالنهار اللي نقلت فيه لحدّ الكنيسي، ونسيت كل سنيني المالحا؟!
– لأ مش هيك.
– وكيف لكَن؟
– مبارح، شعرا بيضا
من شَعري. وَقعِت
عَ المخدّي البيضا.
حدفتا. روحي. رِجعِت.
فكّرتا هيّي
اللي وَقعِت عشيّي.
يا تاري غَيرا.
– هوّي: شو عم تبيعني من كيسي؟ ما هيدي قصيدي أنا كاتبها وقت كان بعدني فوق الأرض.
– أنا: ما أنا لمّا وقعِت شَعرْتي البيضا تذكّرتك لأنّك إنت كاتب هاي القصيدي.
– طمّنتني إنّك مش صابغ شعرك… حكيني عن لبنان بغيابي.
– شويّة رؤسا وقواد عاشو عَخيانة لبنان. وعهدُن مكفّا باتفاقات زليلي متلُن.
– وصرت تسمح لحالك تحوّر حكي أنا قايلو!؟ هيدي القصّا أنا كاتبها بالتمانينات وما قِلت “عهدُن مكفّا”، قلت “عهدُن نتها باتفاقات زليلي متلُن”.
– إيه شو بعملّك أنا إذا عهدُن بعدو مكفّا؟ شو بدّك قلّك:
بالجبل ريحا غريبي، وزاحفين
ولاد البدو، من ليبيا، من الشام.
من بلاد الفرس. واللي بايعين
أرض الوعد… (بيقاطعني)
– هوّي: لحظا لحظا… هاي أنا كاتبها بكوانين سنة 1986، ما تغيّر شي؟
– أنا: مبلا الليبيي ملهيّين بحالن، والبدو سبقونا عالسلام! ما حبّيت غيّرلك بالقصيدي بس فيك تقول صار في بدالٌن التراك (الأتراك).
– يا ويلكن إذا ما لبننتو!
– كرمال مين بدّك يانا نلَبنِن؟
– (بغضب) كرمالُن:
كرمال الفقر السارق
براءة أطفالُن
كرمال الوعد الخارق
من زمان، ببالُن
“لبنّو”. كرمالن
– هيدي “كرمالُن” إنت كاتبها سنة الـ 1975، شِفِت، ما تغيّر شي! هالقصيدي إنت كتبتها كمناجاة لربّك وصرخت “يا ربّي كرمالن” مش “لبنّو كرمالن”! إذا ربنا بِ 45 سني ما سمع، بدّك يانا نحنا اليوم نلبنن؟
– (زِعِل) حاسس حالي مش عم إحكي مع جوزيف البَعرفو. ما بعمري شِفتَك هَيْك إنهزامي!
– شو ناطر منّي أعمل وآخَك بتحفر وجع بجسمي من سنة الـ 1973. جسمي تِعِب.
– روحَك ما لازم تِتْعَب.
– تِعْبِت كمان. بعدا السهرات ملياني خطايا. والصبايا فواكي عَ صينيّة الأمير. الاناجيل عَ رفوف المكتبات ما حدا بيقراها. كل ما إلنا لورا! بوقتك كان الشعب يصلّي عَ اجرَين التمثال، اليوم صار ينطر المنجمين. صار الشعب عالرصيف، بَلا أعياد، بلا رغيف، بلا نوم… ناطرين ملاك. انذلّوا كتير عَ باب الملك وما إجاهن ملاك. ما التقيتلّك بشي ملاك مطرح ما إنت فَوق يرأف بحالنا؟
– هاو أنا قِلتن من زمان، معقول ما في شي تغيّر؟! وَين هِنّي الحكّام، شو عم يعملوا؟
– بعدا “ريحِة حكيُن مماسح”.
– “والشعب، وين هوّي الشعب؟”
– “ليش هِنّي خلّوا شعب”، صلّيلو من مطرح ما إنت هيديك الصلا.
– (بيفكّر) … أيّا صلا؟
– خلّي بواق الحرب تصير
هيصا وعيد ودقّ جراس… (بيقاطعني)
– تذكّرتا:
خلّي وعدك يبرُق
عَ الليل العم يُطْوَل
وشمس الرجا تشرُق
عَالأرض العم تِتْقَل
(سكت بحزن ورجع قال)
يا ريتني لا جيت ولا عرفت إنّو القصّا “مطرحك يا واقف”.
– أنا: بس أنا ربحت شوفتك. بيناتنا، منيح اللي إنت جيت لعندي مش أنا رحت لعندك.
– هوّي: بخاطرك… (وتِكي وجّو صوب الأرض ومشي حزين)
– (ندهتو) موريس… (وقِف) في شي تغيّر…
– (من دون ما يلتفت صوبي) شو بينفع طالما الكتير بعدو عَ حالو. بس قِلّي شو تغيّر.
– إنت عَ زمانك قِلت “كِلّن لآخر واحد”، اليوم صاروا عَم يقولوا “كِلّن يعني كِلّن”.
– (ما علّق وكفّى طريقو وسامعو عم يرندح):
بدّي إدبح عشر ديوك
كِبرو بالصيف وما صاحو.
بدّي إكمُش عشر ملوك
نامو عَ القصّا وارتاحو
ووعيت نِئزان وقلبي عَم يدقّ من الفَزَع… آخ، شو جابك عليّي يا موريس!؟
#عرّاب_لْ_حريّي