Lebanon bids farewell to poet Said Aklوداع الشاعر سعيد عقل

607

Lebanon bids farewell to poet Said Akl
Edy Semaan/The Daily Star/Dec. 03, 2014

BEIRUT: Lebanon bid farewell to a titan of Lebanese culture, the renowned poet Said Akl Tuesday, with mourners paying their respects in Beirut and his hometown of Zahle.

Patriarch Beshara Rai led the funeral services at the St. George Cathedral in Downtown Beirut, hailing the late poet’s achievements.

“The absence of [Akl’s] physical presence is a big loss, but his great output – of poetry, prose and plays – keeps him alive in minds, consciences and hearts, one generation after another. He remains a literary, intellectual and cultural icon for the coming generations,” Rai said.

The Mass brought together politicians from rival factions.

Culture Minister Raymond Areiji represented Prime Minister Tammam Salam and Speaker Nabih Berri.

Also attending were former Presidents Michel Sleiman and Amine Gemayel; MP Assem Araji, representing former premier Saad Hariri; Free Patriotic Movement leader Michel Aoun; and other politicians.

Other well-known figures were also in attendance, such as Papal Nuncio Gabriel Caccia, singer Majida al-Roumi and composer Elias Rahbani, as well as other cultural, religious and academic figures. Many mourners laid wreaths in remembrance of the beloved literary icon.

The late poet’s body was brought to the cathedral at 10:50 a.m., carried in a casket made of Mount Lebanon’s rocks and cedar wood.

Designed and built by Lebanon’s famous painter and sculptor Rudy Rahme, the coffin had Akl’s name and the titles of many of his poems, as well as the word Lubnan carved into it.

Akl died at the age of 102 last Friday, leaving behind poetic oeuvres filled with philosophical thoughts, lyrical imagery and profound spirituality.

Notre Dame University had hosted prayers over Akl’s body Monday at its campus in Louaizeh, where students, officials and artists took photos of the corpse.

A particular sense of patriotism characterized most of Akl’s poems, Rai remarked at the funeral.

“He loved Lebanon and he put it on top of all nations,” Rai said. “He’s the one who said: ‘I love Lebanon more than myself,’ and considered it as an extraordinary country.”

The centenarian poet had dug deeply into Lebanon’s history during his life, hoping to revive the memory of ancient thinkers and cultural figures who hailed from the shores of what is now Lebanon, Rai said.

“Akl is an artist who spent his long life in constant search of the true meaning of things, and a burning desire to express the indescribable,” Rai said.

The patriarch ended his speech with an extract from a prayer that Akl wrote, which like many of his works has become a popular hymn.

Rai concluded by professing hope that the deceased’s family, hometown of Zahle and all of Lebanon would find solace in faith as Akl did in his lifetime.

After the Mass, the funeral parade left Beirut for Zahle, where the coffin was carried by residents and taken on a tour accompanied by a huge cheering crowd from the city.

The parade arrived to the Mar Maroun Cathedral in Ksara, where Bishop Joseph Mouawad led the ritual prayers for the poet’s body.

It then headed to Zahle’s Governmental Serail, passing by the Mar Afram School that Akl ran for many years, then to the city’s downtown on foot.

Finally, the casket was transported to Our Lady of Deliverance Cathedral, as stated in the poet’s will, where prayers were once again recited over the body that was then buried in a special tomb in the city’s cemetery.

وداع الشاعر سعيد عقل في كاتدرائية مار جرجس المارونية
الراعي:أحب لبنان وأعلاه إلى قمم الأوطان وأغنى سنيه بما حباه الله من نبوغ

الثلاثاء 02 كانون الأول 2014

وطنية – ترأس البطريرك الماروني مار بشاره بطرس الراعي، ظهر اليوم، الصلاة الجنائزية على روح الشاعر الكبير سعيد عقل، في كنيسة مار جرجس المارونية وسط بيروت، يعاونه عدد من المطارنة وحشد من الكهنة.

حضر الصلاة وزير الثقافة ريمون عريجي ممثلا رئيس مجلس النواب نبيه بري، رئيس مجلس الوزراء تمام سلام، الرئيسان ميشال سليمان وأمين الجميل، الرئيس حسين الحسيني، النائب عاصم عراجي ممثلا الرئيس سعد الحريري، وزير الاعلام رمزي جريج، وزير العمل سجعان قزي، السفير البابوي غابرييل كاتشا، رئيس تكتل الاصلاح والتغيير النائب ميشال عون، النواب بهية الحريري، طوني أبو خاطر، نعمة الله ابي نصر، ابراهيم كنعان، جان أوغاسابيان، اميل رحمه، آغوب بقرادونيان، نبيل نقولا، الوزراء السابقون: سليم ورده، الياس حنا، وديع الخازن، يوسف سلامه، سليم جريصاتي، خليل الهراوي، غابي ليون، العميد شامل روكز ممثلا قائد الجيش العماد ميشال سليمان، العميد فؤاد حميد الخوري ممثلا المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء ابراهيم بصبوص، العميد فادي الخواجة ممثلا المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم، مستشار الرئيس سعد الحريري داوود الصايغ، رفيق شلالا، ميشال عقل.

كما حضر الفنانون ماجدة الرومي، الياس الرحباني وأولاد منصور الرحباني، عبد الحليم كركلا، الشاعر طلال حيدر، الدكتور انطوان صفير، رئيس مرفأ طرابلس السابق انطوان حبيب، ادارة جامعة سيدة اللويزة والاساتذة وحشد من الطلاب.

وكان جثمان الراحل الكبير وصل عند العاشرة والدقيقة الخمسين الى كنيسة مار جرجس المارونية وسط بيروت، محمولا على نعش مصنوع من صخر جبل لبنان ومن خشب الأرز محفور عليه كلمة لبنان، حيث حمل على الأكف حتى سجي في داخل الكنيسة. وقد وزع المنظمون من جامعة سيدة اللويزه ومحبو الراحل الكبير على الحضور مناديل حمراء مزينة باسم سعيد عقل.

وقد وضعت أكاليل من الزهر باسم الرئيس بري، الرئيس سلام، الرئيس الحريري، الرئيس فؤاد السنيورة، العماد ميشال عون، الوزير سليمان فرنجيه، الوزير جبران باسيل، حزب حراس الأرز، مدير المخابرات في الجيش العميد ادمون فاضل، جامعة سيدة الويزه وغيرهم.

الراعي

وبعد تلاوة الانجيل المقدس من الاستاذ عقل عقل نسيب الراحل الكبير، القى الراعي الكلمة الآتية:

“يشبه ملكوت السماوات كنزا ولؤلؤة” (متى 13: 44-45)

1 – ملكوت السماوات هو سر الله المتجلي في التاريخ بشخص يسوع المسيح، الإله – الإنسان، الذي هو الكنز واللؤلؤة. من يكتشفهما يمتلئ فرحا، ويسعى بكل ما لديه من طاقات روحية ومادية للحصول عليهما. وإذا فعل باخ إزاءهما كل شيء آخر وفقد قيمته، وبلغت الحياة ملئها ومعناها. هذا هو اختبار القديس بولس الرسول الذي اعتبر خسرانا الأشياء التي كانت له في السابق ربحا. بل أعد كل شيء خسرانا إزاء الربح الفائق أي معرفة يسوع المسيح (راجع فيل3: 7-8).

2 – هذا هو سر عملاق الأدب والشعر الدكتور سعيد عقل، شاعر لبنان الحلم والعنفوان والجمال، إبن زحله العزيزة، عروس البقاع، المولود على كتف البردوني. إننا نودعه بالأسى الشديد والصلاة، في لبنان والعالم العربي ودنيا الانتشار. غياب وجهه خسارة كبيرة، لكن نتاجه العظيم، شعرا ونثرا وقصائد ومسرحيات، يبقيه حيا في العقول والضمائر والقلوب، جيلا بعد جيل، فيظل ذخرا أدبيا وفكريا وحضاريا للأجيال المتعاقبة. سئل ذات يوم عن بداية حياته فقال: “بدأت بقراءة اللاهوت الذي هو أعظم من الفلسفة، وأعظم من العلم، وأعظم من الفن. ورغم حبي لهذه الأمور، فإن حب اللاهوت أكبر. عندما يدرسه الإنسان يصبح صاحب الكمال”. وقال: “أنا أتعبد للمطلق الذي هو الجودة والجمال. أما النقص والبشاعة فيوجعانني” (راجع جريدة الأنوار، 29/11/2014). وجد سعيد عقل كنزه ولؤلؤته في الجمال الإلهي المسكوب في الطبيعة والإنسان والوطن اللبناني. ففرح وراح يصنع الجمال بموهبته الشعرية والأدبية، ويزرع الفرح.

3 – يغيب عن عمر مئة وسنتين، وقد أغناها بما حباه الله من نبوغ، وما اقتنى من ثقافة واسعة، هو الذي قرأ روائع التراث العالمي، شعرا ونثرا، وفلسفة وعلما وفنا. وغاص في نتاج كل من CorneilleوRacine وShakespeare و Paul Verlaine و Paul Valéry و Baudelaire؛ وتعمق في اللاهوت المسيحي وكسب منه المحبة والفرح وفضيلة الثورة على كل التواء وانحراف وضعف، ودرس تاريخ الإسلام وفقهه، حتى غدا طليعة المثقفين في هذا الشرق.

في مطلع الثلاثينات، وهو بعد دون سن العشرين كتب بجرأة وصراحة في العديد من صحف زمانه: البرق والمعرض ولسان الحال والجريدة ومجلة الصياد؛ ثم علم تباعا الأجيال في مدرسة الآداب العليا، ومدرسة الآداب التابعة للأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة في دار المعلمين، وفي الجامعة اللبنانية وجامعة الروح القدس – الكسليك وجامعة سيدة اللويزه.

4 – أما نتاجه في الكتابة والتأليف فبدأه سنة 1935، وهو بعمر ثلاث وعشرين سنة، بمسرحية “بنت يفتاح” وهي أولى مسرحيات لبنان الكلاسيكية، ونالت جائزة “الجامعة الأدبية”، وأتبعها بقصيدة “فخر الدين” المطولة التاريخية الوطنية، وبرهن فيها أن الشعر يقدر أن يؤرخ ويظل شعرا مضيئا. وبعد سنتين أصدر قصيدته “مريم المجدلية” وأظهر فيها الشعر سكرة كثيفة الجمال جوهرها الموسيقى. ومن بعدها قصيدة “سميراميس” المعروفة برمزيتها الموسيقية. ثم كانت رائعته الشعرية مسرحية “قدموس” سنة 1944، وقدم فيها لونا جديدا من الملاحم التي تهز ضمير الأمة، وترفع لبنان على عرش الشعر في العالم. وفي مطلع الخمسينات كان ديوانه “رندلى”، مجموعة قصائد غزلية، ذات نفس إيقاعي – صوري جمالي، ما حمل العديد من الأهلين على تسمية بناتهم بهذا الاسم؛ ثم كتيبه النثري “مشكلة النخبة” الذي طالب فيه بإعادة النظر في كل شيء من السياسة إلى الفكر والفن. وكم سمعناه يردد: “هدفي أن تكون بلادي شيئا عظيما. فالبلدان ليست بالكبر، بل بالجودة”. وثار على السياسيين اللبنانيين، إذ صرح مرة: “إنني أسكت بعض المرات عن فرد مخطئ، وأتساهل مع الأخطاء في الأدب، ولكن بحق السياسة لا أسكت. أنا من طبعي لا أكره، ولكني أكره السياسيين الذين ضيعوا الفرص على بلادي” (راجع الأنوار 29/11/2014).

ولا مجال لإكمال سلسلة آثاره في الستينات والسبعينات والثمانينات وقد بلغ عددها عشرة، ما عدا كتاب “خماسيات” باللغتين اللبنانية والفصحى (1992)، وديوان شعر بالفرنسية اسمه “الذهب قصائد”. كما يترك بين أوراقه عدة دواوين مخطوطة وجاهزة للطبع. هذا فضلا عن قصائده في العديد من المناسبات، وقد غنى بعضها مطربون (راجع جريدة المستقبل 29/12/2014).

5 – هذا سعيد عقل الذي كان يعتزم في شبابه التخصص في الهندسة المعمارية، أضحى مهندسا حقيقيا في سبك شعره ونثره بالشكلية والرمزية والإيحائية والإيقاعية. فبرع فيها كمهندس معماري ونحات ورسام وجوهرجي، مزاوجا بين تأثيراته الفكرية والثقافية، اللبنانية والعربية والفرنسية والإنكليزية. فالشعر عنده ليس فقط كلمات وأفكارا بل وبخاصة جمالية وشكلية، وبهاء تعبيري ولغة وبناء (المرجع نفسه، مقال بول شاوول).

6 – وأحب لبنان وأعلاه إلى قمم الأوطان. وهو القائل: “أحب لبنان أكثر من نفسي”. وكان يعتبره وطنا غير عادي. فكم نقب في تاريخه السحيق والوسيط، مكتشفا العباقرة الكبار الذين يعرفهم العالم، ولا يعرف أنهم من مدن الساحل اللبناني القديمة: قدموس أبو الأبجدية، وموخوس مكتشف الذرة، وأقليد سيد الهندسة، وبيتاغوراس عالم الرياضيات، وسواهم ممن بنوا أعمدة المعرفة والحضارة في العالم القديم، فضلا عن مدرسة بيروت أم الشرائع. وكم عظم تاريخ مدن لبنان العريقة: بعلبك وجبيل وصور وصيدا وقانا وطرابلس وبيروت. وقدم في كتابه “لبنان إن حكى” سفرا لبنانيا يختصر جمالات لبنان التاريخ والعلم والحضارة.

7 – سعيد عقل هو هذا الفنان الذي قضى حياته الطويلة في بحث دائم عن المعنى العميق للأشياء، ورغبة حارة في التوصل إلى التعبير عن العالم الفائق الوصف. فكان ينهل من النبع الصافي، نبع الإنجيل وعلم اللاهوت، مثل شعراء المسيحية القديسين أمثال افرام السرياني ويعقوب السروجي وأغسطينوس وأمبروسيوس وغريغوريوس النيصي، وكان قولهم المأثور: “إن فننا الأوحد هو الإيمان، والمسيح هو ترنيمنا”. وقد مزجوا شعرهم بالموسيقى المقدسة والتعبير اللحني عن إيمانهم وإيمان الكنيسة. فقرنوا “الجمال” “بالخير”، ونقلوا النفوس، عبر دروب الفن، من المحسوس إلى الأبدي (راجع قداسة البابا يوحنا بولس الثاني إلى أهل الفن، 7). فوضع بدوره مشروع “قداس ماروني” عبر فيه عن كل إيمانه وشغفه بالمسيح الإله والإنسان.

8 – سعيد عقل، الشاعر والأديب ومهندس النفس الوطنية، سلك هذا الدرب الرفيع، مستنيرا بالروح الإلهي المبدع والملهم. كان يدرك أن هذا الروح الإلهي هو الفنان الخفي في الكون، وموزع مواهب الإلهامات الإبداعية التي يتجذر فيها كل نتاج فني أصيل. وكان يؤمن أن النسمة الإلهية للروح المبدع تأتي لملاقاة عبقرية الإنسان، وتحفز طاقاته الإبداعية، وتجعله يعيش “لحظات نعمة” مع المطلق الذي يتعالاه (المرجع نفسه، 15). واعتبر مع المفكر والكاتب الروسي دوستويفسكي: “إن الجمال وحده سيخلص العالم”.

9 – كل حياة سعيد عقل كانت استعدادا وتوقا لرؤية الجمال الإلهي الفائق. ولذلك صلى وتركها لنا صلاة ننشدها في كنائسنا:

أعطنا رب، قبل كل عطاء أن نحط التفاتة في سناك

كل ما دون وجهك الجم وهم أعطنا، رب، أعطنا أن نراك

انتقل بسلام، أيها الشاعر والأديب العملاق والمؤمن المصلي، إلى رحاب الجمال الإلهي في السماء. وأنت القائل بتوق: “ما أحلى من يسوع إلا رؤية يسوع”.

وليجد العزاء في هذا كل الذين يبكونك وبخاصة أسرتك ومدينة زحله ومجلسها البلدي وجامعة سيدة اللويزه، بل كل لبنان. هنيئا لك لقد وجدت “الكنز واللؤلؤة”، ملكوت السماء، الذي تدخل أبواب مجده بنعمة الآب والابن والروح القدس، آمين.

 

المطران جوزيف معوض ترأس صلاة البخور على جثمان سعيد عقل في زحلة: اراد لبنان وطن الصمود والحلم والثقافة
الثلاثاء 02 كانون الأول 2014 / وطنية – ترأس المدبر البطريركي على ابرشية زحلة المارونية المطران جوزيف معوض صلاة البخور على جثمان الشاعر والفيلسوف الراحل سعيد عقل، في كاتدرائية مار مارون في كساره – زحلة، بمشاركة الاساقفة: جورج اسكندر، اندريه حداد، اسبيريدون خوري وبولس سفر في حضور النائبين طوني ابو خاطر وايلي ماروني، وموسى فتوش ممثلا النائب نقولا فتوش، الوزير السابق غابي ليون، العميد شارل عطا ممثلا الوزير السابق ايلي سكاف، والنائب السابق سليم عون، محافظ البقاع القاضي انطوان سليمان، رئيس بلدية زحلة المهندس جوزف دياب المعلوف والسيدة اولغينيا ايلي الفرزلي الى حشد كبير من فاعليات زحلة ومنطقتها والجوار. وقال معوض: “تجتمع زحلة مع كل المحبين بجمهورها الغفير لتودع بعاطفة الاكرام، كبيرا في الشعر والفن والثقافة، ابنها الشاعر والاديب والمفكر سعيد عقل، وترافقه بالصلاة لتكون وفاته اشتراكا في السر الفصحي، موت المسيح وقيامه وعبورا الى المجد الابدي فيختبر جمال ما ابدع الله للانسان، سعيد عقل ولد في زحلة منذ اكثر من قرن، وعاش في ربوعها وأحب بيئتها، وفيها نمى بمسعاه الشخصي موهبته الفكرية والجمالية التي اغدقها عليه الخالق. فخاض في غمر الشعر والادب مؤلفا ومبدعا ومحدثا ومجددا، ومعبرا عن رؤيته للكون وللبنان وللانسان وللحب، فهو ليس شاعرا واديبا فحسب بل صاحب رؤية”. اضاف: “تألق الجمال في شعره وادبه، فالابداع الذي يكشف فيه الشاعر والاديب عن البعد الجمالي في هذا الكون، ويعبر فيه عن رفعة النفس البشرية والعقل البشري، يجعله ايضا مشاركا لله في صنع الجمال والابداع، فشاعرنا نفسه قال ان هذا الكون تحفة خرجت من يد الله، وعلى الانسان ان يشارك في اتمامها. وكأن هذا الوجود يحتوي في مضامينه وثناياه على جمالية لا تستطيع العين المجردة ان تراها، ولكنها تحتاج لتبيانها الى عبقرية الشاعر والاديب، تماما كالنحات الذي بحسه الفني يستخرج المنحوتة الجميلة من الصخر الخام”. وتابع: “احب سعيد عقل لبنان محبة استحوذت على مجامع قلبه، فتغنى به في قصائده وتمسك بالهوية اللبنانية، وهي هوية لها ثقافتها ولغتها وتاريخها الضارب جذوره في العصر الفينيقي. اراد لبنان وطن الصمود والبطولة والمجد، ووطن الفكر والحلم والثقافة، وهذا ما يساهم في التقديم الحضاري. وفي صلاته الى الله، سأله تعالى، في قدموس، ان تكون باكورة عطاياه الالتفاتة الى سناه، فقال: “اعطنا ربي قبل كل عطاء ان نحط التفاتة في سناك”، فالتقى بذلك مع الروحانية الابائية التي تدعو الى محبة الله وعيش الشركة معه والاتحاد به قبل سؤال عطاياه”. واردف:”وما ساعد سعيد عقل في دخول عالم الابداع هو ارادته المقدامة والثابتة وثقافته الواسعة، فقد اضطر الى توقيف دروسه في المرحلة المدرسية ولكنه بإرادة مصممة تابع ثقافته واستطاع ان يكون فيما بعد استاذا محاضرا وصحافيا، وانكب على المطالعة فكان برتاد المكتبات ينهل منها الثقافة والادب من مختلف التقاليد لا سيما العربية واليونانية واللاتينية واداب اوروبا الحديثة وبذلك ساهم بدوره بصقل العبقرية التي اوتيها. وختم:”اننا اليوم في وداعك أيها الشاعر الكبير، وقد تركت أثرا بليغا ومساهمة فريدة في الأدب اللبناني وفي ذاكرتنا الثقافية، نستعير باقة من كلماتك لنقول لك أنك باق بعد رحيلك في شذا شعرك في إرثك أدبي فأنت الذي قلت: “تمضي الورود ويبقى بعدها العبق”. الى الله اليوم نصلي لكي يشملك برحمته ويقبلك مع الأبرار والقديسين فتسعد في الحياة الأبدية برؤية وجهه، هو الجمال الأسمى الذي يقود اليه كل جمال تغنيت به على هذه الأرض. بإسم أصحاب السيادة والآباء الأفاضل وإسمي وإسمكم جميعا أتقدم بالتعزية الى أنسبائه والى زحلة والى كل لبنان، راجيا للشاعر الكبير الراحة في الملكوت السماوي ولكم جميعا طول الحياة”.

 

في رحيل سعيد عقل.. «إخرسوا»
ميرفت سيوفي/الشرق/ 02 كانون الأول/14

في يوم وداع سعيد عقل، لا بدّ من وقفات أمام تاريخ رجلٍ شكّلَ وجه لبنان في عزّ «التآمر» على لبنان لتحويله إلى «وطنٍ بديل»، إلا أننا نختار أن نبدأ من مدخل أن يُعاب على سعيد عقل أنّه أكبر دعاة «القومية اللبنانية» ودعوته للتخلي عن اللغة العربية الفصحى واعتماد اللهجة العامية كلغة قومية لبنانية، وأنّه وضع «الأبجدية اللبنانية» التي تكتب بحروف لاتينية، فهذا اجتزاء لتاريخ الرجل الذي كان بحقّ طوال القرن الماضي «المبدع» و»الناحت» الأوّل للغة العربية وللشعر العربي في زمن عاش فيه تجربة «الحداثة» التي أفضت إلى تدمير بنية القصيدة العربيّة، رفض سعيد عقل تسمية القصيدة الحديثة بالقصيدة، خصوصاً القطعة الخالية من الوزن، والتي شاعت تسميتُها «قصيدة النثر». مقترحاً بسخرية تسميتها بالـ»نثيرة»، فحارس الشعر «ديوان العرب» وشاعره الأخير، وحافظ اللغة العربيّة في قصائده سينصفه تاريخٌ آتٍ يدون له فضله على استمرار اللغة العربية وحفظها من الوهن الشديد الذي اعتراها، أمّا «اللغة اللبنانيّة» التي «نحتها» سعيد عقل، فيحقّ لعملاقٍ مثله أن يترك أكثر من الدواوين، أن «نظرياته اللغويّة» في «لغة ابتدعها» ولم تلقَ رواجاً، ولا نرى في هذا عيبٌ أو ضير أو عنصرية لبنانيّة حتى…

ومن المفيد أن نقول إنّ ما تمَّ ارتكابه من إساءات بحقّ الراحل سعيد عقل «الفيلسوف» و»المنظّر» لفكرة لبنان، يُحسب له لا عليه، فعندما كانت «طريق فلسطين تمرّ في جونية» كان المجتمع اللبناني أحوج ما يكون في لحظة انتزاع لبنان من أهله إلى «المغالاة» في الفكرة اللبنانية، ونستغرب بشدّة أن تطرح عناوين من مثل «رحل سعيد عقل ولم يعتذر من الفلسطينيين»، فعلامَ يعتذر سعيد عقل، فأيّ اعتذار هذا المستحقّ للمنظمات التي استباحت لبنان وكرامة شعبه؟!وربما علينا  تذكيرهم باعتذار الشاعر محمود درويش من المدينة الرياضية من الشعب اللبناني أيام حصار ياسر عرفات في رام الله مطالباً إيانا أن نصدّق أبو عمّار هذه المرة بأنه يريد أن يموت شهيداً…

وللمناسبة، الذين يحاولون إدانة سعيد عقل بكلام قاله في زمن الاجتياح الإسرائيلي وموقف، ما علينا إلا أن نردّ عليهم بمشهد قرى الجنوب التي استقبل أهلوها الجيش الإسرائيلي بالأرز والورد لتخليصه إياهم ممّن استباح أرضهم وقراهم وأعراضهم وأموالهم وبيوتهم، أو أن نردّ عليهم بأنه عندما فاض الكأس بمسلمي لبنان من جور المنظمات الفلسطينية وانتهاكها لكلّ الحرمات لجّوا بالدّعاء، وكانت جملة «إن شاء الله تجي إسرائيل تقبعهم» تتردّد في السرّ والعلن، وهذا ليس من باب مؤازرة العدوّ ولكن من باب الحكمة التي تقول: «وما من ظالم إلا سيبلى بأظلم»!!

غاب الرّجل ولا شاعر من مقامه وقامته يرثيه، وقد رثى سعيد عقل نفسه في حياته، ربما لأنّه أدرك عجز الآخرين عن رثائه فقال: «أقول: الحياةُ العزمُ، حتى إذا أنا/ انتهيتُ تَوَلّى القَبرُ عزمي من بَعدي»، وقد تفي في هذا المقام استعارتنا قصيدته «من شاعر؟» لرثائه: «لا مذ بَكيتُك، لكِنْ، قَبلُ، مُذ سكَتَت/    يَراَعةٌ لكَ، قَلَّ الهَمُّ في الغُصُنِ/ غَصَصتُ بالدَّمع، هل فَرّتْ بَلابٍلُنا/ طُرّاً، فما من شَجِيٍّ، بعدُ، أو لَسِنِ/ أنا الَّذي قالَ: يا شِعْرُ، آُبكٍهِ وأجِدْ/ مِن قَبلِ ما كان لا، يا شِعرُ لم تَكُنِ»…

كتب أحدهم قبل عام في تكريم سعيد عقل في ذكرى مئويته: «لبنان الذي أكره»، ولا علاقة لسعيد عقل بكراهية الكاتب للبنان، فهؤلاء معروفون بولائهم لغير وطنهم منذ العروبة والاتحاد السوڤياتي ومنظمة التحرير الفلسطينية ثم معمّر القذافي، ثم الخميني والخامنئي وأحمدي نجاد، كتب متفّهاً مستهجناً تكريم سعيد عقل بسبب موقفه في الاجتياح الإسرائيلي، ولأن الشيء بالشيء يُذكر، نودّ أن نسأل هؤلاء: لولا الاجتياح الإسرائيلي هل كان هناك اليوم «لبنان» أم كنّا لاجئين في دول العالم، فيما المنظمات الفلسطينية تمعن في تقتيل بعضها على أجزاء لبنان، ولولا الاجتياح الإسرائيلي كم دولة فلسطينية كانت قائمة اليوم محل لبنان الوطن والدولة… ألا يقولون «ربّ ضارّة نافعة»…

إن كان سعيد عقل في يوم وداعه مداناً بحبّ لبنان، مداناً بـ»لي صخرة علقت بالنجم أسكنها طارت بها الكتب قالت: تلك لبنان!»، فكلّنا مدانون لأننا وصلنا إلى خلاصة لبنانيّة صميمة حملت عنوان «لبنان أولاً»، في يوم وداع سعيد عقل نختار أن نردّ على كلّ محاولات تجريح رحيل عملاق من بلادي،(من قصيدته في شفيق معلوف) وواحد مجد لبنان الذي أخذت عنه الحضارة ما لولاه لا حضر/ جبيل، بيروت، صيدون، طرابلس إطارها البدع أو لا كانت الأطر/ ان مس ذكر لقانا أو لصور سنى مس الكمال رؤى التاريخ والعبر/ أو خمشت لمعة من بعلبك أسى توجعت مهجات الحسن تنفطر/ أقسم البيت؟! ماذا! الانتصار سدىً!؟ ماذا؟! دماء رفاقي في الفلا هدر!؟/ لبعض لبنان ناضلت؟! اشهدي شيمي، كما السواحل هاتيك الربى الخضر/ شمالهن، الجنوب، القلب، تلك سما بالي لتبقى، ويبقى الرمل والنهر/ ووحدهم أهلها أغلى على كبدي منها كعيني أغلى منهما البصر/ جميعنا لفحتنا الحرب: ذاك بما قاسى، وهذا بقصد الموت يبتدر/ ولن أفرق، ناسي الناس لا بعدوا كذا الينابيع، مائي الماء لا الكدر/ ولست أخسر نصراً هز أعمدة ً لبنان منشطر؟/ لبنان مندحر!/ افتن بشعرك لكن قل تحطمه ممن غووا وبذمات العلى كفروا/ لوحده في العداوات الدخيل جرى بباله غصب أرض تربها الطهر/ وان نكن لربىً خضر شمخن هوىً شطٍ، وقامات صخر ليس تنكسر/ معاندات، لها في الله، والتفتت دوماً، الى الله، قل هل بعدها خسر/ بل سنبقى، ويبقى فوق صخرته لبنان، قهار من ما غيرهم قهروا/ وقال من خطر نمضي إلى خطر ما هم؟ نحن خلقنا بيتنا الخطر»… وداعاً سعيد عقل.. ترحل أنت، ولبنان باقٍ، وسوف نبقى، [من كتاب «قدموس»]، ومن أغنية ماجدة الرومي وآخر ما غنتّه لك من قصائد: «سوف نبقى يشاء أم لا يشاء الغير فاصمد، لبنان، ما بك وهن/ سوف نبقى لا بد في الأرض من حقً وما من حقً، ولم نبق نحن».. سوف نبقى…