منى فياض/داعش نازية جديدة أم كاريكاتور الاستبداد؟

414

داعش” نازية جديدة أم كاريكاتور الاستبداد؟

منى فياض
2 كانون الأول 2014

هل “داعش” هي امتداد النازية ام هناك من سبقها؟ تعد النازية تاريخياً أول نظام أدخل في ايديولوجيته المعايير العرقية وقام على فكرة العرق الواحد النقي.

انه نظام قومي بامتياز يزعم ان الالمان وحدهم القادرون على حكم العالم والسيطرة عليه من اجل مصلحة الجميع وان باستطاعتهم القيام بأي شيء من اجل ذلك. ولقد نفذوا ذلك.
التوتاليتارية وإن كانت تختلف عن النازية في هذه المسألة تحديدا لكنهما تمتلكان باقي المواصفات بشكل مشترك: الدولة التوتاليتارية هي دولة مركزية قوية قبل أي شيء آخر. تتميز بوجود قائد واحد وحزب واحد وبوليس سياسي، مع غياب الحريات على انواعها بالإضافة الى البروباغندا لتغطية ذلك كله، في ظل عبادة الشخصية. وجميع هذه المواصفات تنطبق على النازية كما على المنظومة السوفياتية وعلى أنظمة الاستبداد التي هيمنت على دول المنطقة.
بلغت البروباغندا مع هتلر ابعاداً غير مسبوقة، لقد أراد ضبط أفكار الشعب الالماني والتحكم بها من اجل ممارسة الرقابة والهيمنة، فاستخدم لذلك الملصقات والسينما والراديو، قبل اكتشاف وسائط الاتصال الحديثة التي فاقته دول الاستبداد في براعة استخدامها. كذلك لتأطير الجمهور وضبطه أوجدت النازية الشبيبة الهتلرية. جميع هذه المواصفات والممارسات رافقت نظامي البعث ونظام آيات الله، من كشافة اسلامية او تنظيمات بعثية شبابية او مجالس عزاء وجميع أنواع الممارسات التي تشغل كامل أوقات الجمهور التابع. كما أفرزوا جيوشاً متخصصة لتطوير البروباغندا واستخدامها عبر وسائط الاتصال الحديثة بنجاح تحسدهم عليه النازية.

ربما أخذت “داعش” من تراث النازية عدداً من الممارسات، لكن الخطر الكامن في حصر توصيفها بأنها النازية الجديدة تحديداً يكمن في أنه يشكل تغطية على ممارسات الانظمة الاستبدادية. الأمر الذي يصب في مصلحة هذه الأنظمة ويخلصها من الوصمة النازية ويشكل تغطية مباشرة لجميع جرائمها السابقة على وجود “داعش” واللاحقة عليها أيضاً. ونموذج هذه الأنظمة: عراق صدام وسوريا الاسد، وايران آيات الله. إن شيوع عادة تحييد هذه الانظمة عن هذا التوصيف أساسه جهلنا احيانا وتجاهلنا في احيان اخرى لما يجري في سجونهم وفي بلدانهم من ادوات سيطرة مخيفة ينجحون في تمويهها عبر استخدام جميع الوسائل بما فيها الرشوة والصفقات المشبوهة عدا عن القمع طبعاً. ومهما حاول المعارضون فضحها تظل مغطاة ومقبولة. لقد تعلموا الدرس من النازية والفاشية وتوابعهما وعملوا على التمويه باعتماد البطء والاخفاء والانكار واللعب على قشور الديموقراطية الشكلية بتواطؤ موصوف من ديموقراطيات العالم الحر.
النازية لم تكن عبارة عن مجموعات ذات أطر تنظيمية غير واضحة المعالم ومتغيرة. وصلت النازية الى الحكم بانتخابات شرعية وتحت شعارات وطنية جذابة ومن ثم وضعت يدها على أجهزة دولة قوية منظمة وحكمت عبرها. كذلك دول الاستبداد، حكمت كما النازية، عبر استخدام الانتخابات لوضع اليد على الدولة بأجهزتها المتعددة وعبر اشرافها على تناسل اجهزة أمنية موازية، وأحياناً جيوش، تبرع في تفريخها كي تمسك بقبضتها الحديد بمقاليد البلاد والعباد. كما تشترك هذه الأنظمة مع النازية في أنها تمارس وحشيتها في ظل الكتمان وتحت غطاءات وتسميات قانونية مختلفة. فلقد جهدت النازية للإبقاء على ممارساتها سرية وعملت تحت غطاء علمي ومن باب التجارب البحثية والطبية. كما ان السجون والمعتقلات وما حصل فيها من توحش ولاإنسانية لم يتم الكشف عما كان يجري فيها إلا بعد فترة وبعد هزيمتها إثر اعلان الحرب عليها ليس بسبب ممارستها القمعية بل بسبب الخوف من قدراتها العسكرية والتنافس معها ومنعها من السيطرة والهيمنة على العالم بما يهدد مصالح المتحالفين في وجهها.

الفارق بين النازية والانظمة الاستبدادية المحلية يكمن في كثافة عمليات الابادة التي مارستها تجاه اليهود ومن لاحقتهم خلال وقت قصير نسبياً. بينما تمارس انظمة الاستبداد نفس المبدأ لكن بجرعات صغيرة وتنتج عدداً غير معروف من الضحايا لكنه كبير جداً لأن فترات امتدادها على عشرات السنوات تعوّض عن الكثافة. وتمارس سلطات الاستبداد سياسة الانكار لجميع ممارساتها فلا تعترف بالقمع ولا بالتعذيب ولا باختفاء آلاف البشر في سجونها. وتحارب معارضيها عبر تجريمهم تحت مسميات يعاقب عليها القانون وتعدم معارضيها تحت ذرائع أيضاً “قانونية”. أي ان القمع يتم “في ظل القوانين” وبتغطية وتواطؤ من ديموقراطيات العالم ورجعياته.

على العكس من ذلك تماماً تقوم “داعش” باختيار اكثر الضحايا لفتاً للانتباه وإثارة للجدل. تختار ذبح المساعدين الانسانيين والصحافيين الغربيين وتقوم بذلك بطريقة استعراضية، وتختار الأقليات التي لا تثير الكثير من الاهتمام (الأزيديين) فتنكل بهم وتقتلعهم وتهجرهم و”تسبي” نساءهم وتبيعهن وتغتصبهن علناً للاثارة. بينما تنكيلها بالمسيحيين يختلف إذ لا يلجأ الى القتل والتفظيع لكن يلجأ الى الترويع واستخدام الاختيار بين دفع “الجزية” لما لها من رنين سلبي او الرحيل.
لم يكن لدى النازية كما انظمة الاستبداد حاجة للتخويف عبر الاعلان عن جرائمها بل استعملت البروباعندا كوسيلة للتغطية على ممارساتها وحجب روزنامتها الحقيقية. بينما درجت “داعش” على التبجح واستعراض ما تقوم به. وذلك لإثارة خوف المستهدفين وإرعابهم لكي يستسلموا دون مقاومة ولإثارة العالم وإدهاشه وجلب الدعاية لأنفسهم عبر إثارة حساسيته تجاه هذه القسوة المعلنة غير المسبوقة. كما انها بذلك تبرهن على ثقتها بنفسها واطمئنانها الى إحكام قبضة سيطرتها على “الجماهير” المذعورة. سلاح “داعش” نشر الرعب مثلما يفعل الحيوان المحشور الذي يطلق الاصوات المخيفة ليحمي نفسه. انها تتعمد إثارة الرعب والتخويف قبل ان تحكم سيطرتها او بالأحرى من اجل هذه الغاية. وهناك من يتركها تتوسع دون مجابهة عسكرية جدية ودون مواجهة على الصعد الاخرى: اقتصاد وتنمية وتربية…

تختلف النازية والدول الاستبدادية عن “داعش” أيضاً بوجود قائد مستقطب واحد (القائد البطل الى الأبد أو ظل الله على الأرض، والولي المعصوم) او عبر الحزب الواحد كما في بدايات البعث العراقي والسوري قبل هيمنة عبادة الشخصية.
بينما قبل القضاء على بن لادن وبعده لم يكن هناك قائد واحد منفرد هو الآمر الناهي. وعند مقتله ظل هناك من يحل محله. والآن حتى ولو صحت اخبار مقتل البغدادي فهذا لن يضرّ بها كثيراً على عكس إيران حيث سيشكل غياب خامنئي هزة للنظام غير معروفة النتائج. “داعش” عبارة عن مجموعات ارهابية متعددة تتفكك وتتجمع بحسب الظروف من مجموعات عدة واحيانا تكفر بعضها بعضا وتتحارب في ما بينها. وبدأت أخيراً العمل على إقامة دولة على غرار دولة بدايات الاسلام غير واضحة المعالم.

كما يختلف نظاما البعث عن الحكم في إيران في أنهما – كما النازية والدول التوتاليتارية التقليدية، علمانيان. بينما تتميز إيران، التي يتمتع زعيمها بالقداسة، في أن نظامها ينسب ما يقوم به، كما “داعش”، إلى الدين الاسلامي.
وهذا ما يشترك به النظام الايراني مع “داعش”: مرجعية الدين والحكم باسم “المقدس” مع طغيان لمبدأ المذهب، الشيعي هنا والسني هناك. بينما تختلفان حول الديموقراطية، ففي حين تتلطى ايران خلف قشرة زائفة من الديموقراطية نجد ان “داعش” ترفضها وتسمي أنظمة الغرب بالصليبيين مع ما تحمله التسمية من مضمون. “داعش” تريد العودة الى النموذج الأول الوهمي وإلى الأصول والجذور كما تفهمهما وبشكل فج وبدائي للاثارة. “داعش” ترفض الديموقراطية لارتباطها بالدول الغربية المستعمرة. بينما تجهد ايران في الانفتاح على الغرب بأشكال ملتوية. “داعش” هي خلاصة ونتاج سيرورة منظومة العنف في العالم، وكاريكاتورها أيضاً. لكن هذا لا يقلل من خطرها ولا من ضرورة مواجهتها.

أستاذة جامعية