كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الثالثة

142

كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الثالثة
07 تشرين الثاني/2020

كان أبو سالم شديد الحذر في شأن هذه المجموعة وقد قرر ألا يترك أحدا يدخل من جهته فإذا كان هناك إتفاق فدخول القرية يكون من جهة ضهر العاصي. ولذلك قرر أن يبقي جماعته على أهبة الاستعداد ولكنه منع إطلاق النار إلا بأمره وأشار على “بركات” أن يذهب إلى العلية ويعرف الوضع عن قرب. وهكذا فقد توجه “بركات” إلى العلية باسرع طريق وعرف بالوضع المستجد فنزل إلى البيت ليرى ما يمكن عمله في حال قدم البيك وجماعته، فهذه مناسبة يجب أن يحسب لها حساب، فكل الشباب موزعون على جهات البلدة، و”نظيرة” زوجته قد ولدت حديثا إبنها “إدوار”، ولن تستطيع شقيقته “وردة” وحدها أن تحل محلها في البيت، لذلك عليه أن ينبه أحدا ليدعو بعض النسوة للاستعداد، في حال الاضطرار، لتحضير وليمة للبيك ورجاله، وأمكنة للمبيت مع الأعلاف اللازمة لخيولهم. فكر بشقيقته “وديعة” التي كانت “على قد الحمل” لولا أنها لا تزال ممسكة عن المشاركة باي احتفال بعد غياب زوجها الذي لم تعرف عنه شيئا حتى الآن، فقد كان جمالا وعنده من الأموال ما جعله “يشتري نفسه” بدفعه “البدل” كي لا يذهب إلى العسكر في حرب الأربعتعش، ولكن العسكر التركي، بالرغم من ذلك، عاد وقبض عليه واقتاده إلى الخدمة، ولم تسمع عنه أي خبر منذ أكثر من أربع سنوات، وقد أقسمت ألا تشارك بفرح حتى يعود أو تعرف مصيره. فتوجه إلى البيت وأرسل “الحجة لوسيا” لتدعو بعض النسوة لأعداد اللازم ثم ارسل ولده “رزق الله”، وكان ابن ثماني سنوات، ليفتش عن “الناطور” إذا كان في البلدة ليأتي إليه حالا.
كانت “نظيرة” تحمّص التراب لتضعه تحت الطفل كي لا “يتسمط” وكان جمر الموقدة يكفي لهذا الموضوع دون الحاجة لتشعيل الحطب، بينما جلست “إميلي” إبنتها بقرب السرير تهزه. فنادى على شقيقته “وردة” وتشاور معها بالنسبة للتحضيرات فاشارت فورا على “إميلي” لتأخذ اخوتها الصغار وتنزلهم مع أخيها “حنا” إلى بيت جدهم “العبد” للتخفيف من العجق في البيت، وبدأت هي باجراء الترتيبات اللازمة بينما نزل “بركات” ليتفقد القبو. ففي هذه الفترة من السنة، ولم تجمع الغلال بعد، يجب أن يعرف ما عنده بالضبط، سيما وأن أحدا من ألأجراء لم يكن في البيت. فإذا ب”حميدي” المهرة تصهل فور تقدمه، فارتاب أن لا يكون قد سقاها أحد ودخل فأخرجها إلى الدار لتشرب، ولكنها كانت تريد الترحيب به وليس الشرب. ثم عاد يتفقد الخلايا فوجد “خير كتير” فلا يزال هناك شعير يكفي لمئة راس خيل وهناك برميلان من الطحين ولا تزال خلية من القمح ممتلئة حتى بابها. كان الثوران والبقرات مربوطة في أماكنها ولا تزال في معالفها بعض التبن ما يكفيها للمساء. ويظهر بأن “موسى” قد جاء قبله فسقاها وأطعمها، فأطمأن وعاد ليرى إذا كان “رزق الله” قد رجع. في هذه الأثناء حدث إطلاق نار كثيف من الجهة الشمالية فدخل إلى “نظيرة” وقال لها:
– الله يسترنا… إذا صار شي أهربي صوب الدير.
وعاد مسرعا باتجاه ضهر العاصي.
أما في ضهر العاصي فقد كان الشباب رأوا القوم يقتربون وقد تقدمهم عدد كبير من الخيالة لم يرافق البيك أو غيره مرة مثله، وكانت الفرقة الأولى تتقدم حاملة الأعلام البيضاء، وكان بعض الشباب، عندما شاهدوهم نزلوا إلى أسفل التل للأستقبال والتأكد من حسن النوايا. وكان “عبدالله” مسؤولا عن هذه المجموعة، وما أن وصل الخيالة إلى علوه حتى بادره أحدهم بطلق ماري قتله على الفور، عندها أطلق “فؤاد” النار وتبعه المرافقين الآخرين الذين احتموا بالصخور، فأصيب عنصر أخر منهم بينما سقط أحد الخيالة من جانب المهاجمين وفتحت النار من قبل المشاة الذين كانوا يرافقونهم والذين تمركزوا أيضا خلف الصخور والسناسل بمواجهة ضهر العاصي، فما كان من العناصر المتمركزة هناك إلا أن ردت بنار غزيرة فسقط عدد من الخيالة في الصفوف الأمامية. ولكن الكثرة مكنت بعضهم من الوصول إلى ضهر العاصي، فهجم أبو صقر على فرس أحدهم وأوقعه أرضا وقتله، وأردى أيوب مهاجما آخر، لكن كثرتهم أربكت المدافعين فأصيب أبو صقر في كتفه وسقط.
أما مجموعة الدوير فعندما شعرت بالمكيدة فتحت النار واصابت عددا من المهاجمين في جهتها وهرب قسم آخر، ثم أخذت بمساندة ضهر العاصي، فتضايق المهاجمون، ووصلت نجدة من البلدة عندما سمع تجدد النار فتمكنت المجموعة من الثبات في موقعها ونقل الجرحى إلى العلية. لكن المهاجمين كانوا قد ثبتوا في اسفل التل حيث قتل “عبدالله” ثم أعادوا الكرة محتمين بنيران مساندة كانت تطلق من مرتفع شلعبون حيث تمركزت عناصر منهم.
كانت الجموع تتدفق إلى ساحة المعركة؛ خيالة ومشاة لم يتصور أحد عددا كهذا ولو اجتمعت كل العصابات وحتى القرى المجاورة، فمن إين كل هذه الجموع؟..
كان أيوب يتسأل عن العمل وهو فقد حتى الآن ثلاثة عناصر وكثير من الذخيرة، وبالرغم من أن المهاجمين تكبدوا خسائر كبيرة إلا أنهم لا يزالون مصممين على الهجوم بذلك العدد الجرار الذي جمعوه، فراى الموقف ميؤوسا منه سيما وأنه قد علم بكمية الذخيرة المتبقية في العلية، فقرر على الفور تجميع عناصره باتجاه البلدة ومحاولة توقيف المهاجمين ما أمكن حتى يتسنى للآخرين فتح “باب القبلي” لتهريب الأطفال والنساء.
أما في الدوير فقد راى أبو سالم الأعداد المتجمعة وقدر، كما أيوب، أن لا مجال للصمود بدون دعم خارجي، ولم يخطر بباله أن يأتي أحد لمساندتهم من أية جهة، فالقرى الصغيرة المحيطة كانت تعتمد عليهم للدفاع عنها ولن تجرؤ، وهم في هذه الحالة، على القدوم لمساعدتهم وقد عرفوا بالتأكيد حجم الهجوم، لذلك قرر أن لا يتلهى بعد بالدفاع عن الدوير بل يذهب ومجموعته للمساعدة بفتح باب الهرب جنوبا باتجاه فاسطين حيث يسيطر الأنكليز ولم تحدث مشاكل حتى الآن.
أما أبو يوسف فقد كان وصل إلى العلية عندما فتحت النيران في ضهر العاصي وخال البعض أنها لاستقبال “البيك”، ولكن أزيز الرصاص كان يسمع فوق رؤوسهم في العلية ويسقط أحيانا في البلدة، فوجمت الوجوه، وتأكد الجميع من المكيدة، وخبط الخوري يوسف على الطاولة وقال بحدة موجها حديثه لخوري الحدادين:
– هيدي شيمن يا بونا، ما تقلي بيك ولا أفندي، كلن متل بعض، وقت بتوقع الحزة بترجعلهن الغريزية وبصيروا جماعة غزو لا دين ولا ضمير…
وقبل أن يدور الجدل قطع “أبو بركات” الحديث وقال لأبو يوسف:
– خذ بعض الرجال وأعمل على فتح “باب القبلي”.
وللخوري يوسف:
– وانت يامحترم روح على الدير خلي الكل يتحضروا للهرب فور تأمين الطريق.
ثم دعى أحد الشباب ليأخد ما تبقى من الذخيرة لأيوب وجماعته وقال:
– قل له ليصمد ما أمكن ولكن ليعمل على عدم خسارة أحد من الشباب الذين معه فسوف نخلي القرية…
التقى بركات أبو يوسف وثلاثة من الشبان فطلب منه أبو يوسف مرافقتهم لتأمين باب القبلي وتوجهوا إلى “المجدول” عن طريق الدير وكان الخوري يوسف يتبعهم ورأوا بعض عناصر مجموعة “شرتا” فنادوهم وسالوهم عن مجموعتهم، وكان جوابهم أنهم عادوا لمساندة الجهة الغربية وبقي منهم عناصر يأمنون إتجاه “كفربرعم”، فطلبوا منهم الرجوع إلى “شرتا” وتأمين طريق “وادي يارون” لأنه قد يستعمل للتطويق ثم أكملوا باتجاه “المحفرة”…
كان أبو سالم وقد رافقه “أبو نصري” و”أبو ريمون” و”أبو أنطوان” قد تركوا الدوير واتجهوا إلى العين، وقبل أن يصلوا إلى مفرق “الدبش” فوجئوا بعناصر تقترب من صوب “شجرة المكبرة” فأمر أبو سالم بأخذ “استحكامات” وانتظار اقترابهم بعض الشيء. وبعد قليل وعلى اشارة منه فتحت النار فإذا بهم يصيبون أربعة أشخاص ويضطر الباقون الذين لم يكونوا يتوقعون وجود أحد في تلك المنطقة إلى الهرب باتجاه “حانين”. فتابعوهم بالنار حتى أمنوا ابتعادهم ولم يبقوا بمرمى نيرانهم فأكملوا طريقهم إلى القرية فقد كان أبو سالم يريد الاطمئنان إلى طريق لتهريب النساء والأطفال ما دامت المعركة كما يراها ميؤوسا منها. وقرب “العين” وجدوا “أبو ابراهيم” مكوما وقد لفظ أنفاسه…
أما في “الضهور” فقد كانت المجموعة هناك تقدمت إلى منطقة “قبر النصراني” لتساند ضهر العاصي من الشرق وقد ردت مجموعة من العناصر المتقدمة في ذلك الاتجاه. وكان حنا قد لاحظ بعض العناصر في اتجاه “الحمرا” ففتح النار وأصاب أحدهم لكنه لم يعد يراهم فاعتقد أنهم عادوا أدراجهم، لكنهم كانوا قد داروا حول “القدام” محتمين بصخوره ثم نزلوا إلى “حامل بو” فتقدم نفر منهم دون أن يلحظه هؤلاء إلى كروم الزيتون، حيث استطاعوا الوصول إلى أطراف القرية من جهة الدير.
وكان قبو “بو بركات”، الذي باعه ل”بو اسرائيل” اليهودي الذي سكن البلدة مع عائلته بعد أن انتقل بو بركات إلى بيته الجديد بقرب الكنيسة، يقع هناك قرب الدير. فقد كان بعض العائلات اليهودية القادمة من أوروبا إلى “ارض الميعاد” يمر أحيانا ببنت جبيل وعين إبل كمحطة استراحة قبل الوصول إلى “صفد”، حيث يوجد مقر لجمعيات اسرائيلية كانت تساعدهم على الاستقرار والعمل. وكان العينبليون يرون بهؤلاء المهاجرين صورة لأجدادهم، الذين استقروا في هذه الأرض قادمين من شمال لبنان فعمروها بجهدهم وإيمانهم، ولإخوتهم الذين هاجروا إلى امريكا حبا بالمغامرة والاثراء في المرحلة الأولى أو هربا من الأتراك في الحرب الكبرى، وعاد بعضهم وساهم في تطوير البلدة وزيادة عمرانها وهم أدخلوا أفكارا جديدة وتحدثوا عن اختراعات لم يكن يحلم بها أحد قبلا. ف”حنا بشارة” أصبح مثلا لأنه أصر أنه يستطيع أن “يعمر الفوقى قبل التحتا ” وقد فعل… ولذا فقد كانوا يساعدون هؤلاء المهاجرين ويرون فيهم نسمة خير قد تسهم في تطور المنطقة بالأفكار الجديدة والدم الجديد في هذه المرحلة التي بدا فيها العالم أكثر انفتاحا.
كان “بو اسرائيل” بالفعل أحد هؤلاء النشيطين فهو اشترى البيت وصنع خمارة يسحب فيها العرق والسبيرتو. وكانت عين إبل بحاجة لمن يشتري كمية من انتاج العنب، فمواسمها كانت تضطر إلى بيعها في صور أو عكا، ومنذ أن قدم “الاسرائيليون” هؤلاء بدأوا يشترون بعضا من عنبهم ولم يكونوا يفرقون كالآخرين بين انتاج قرية وأخرى فكل السكان مختلفون عنهم والمهم الجودة والسعر. ثم اصبح بو اسرائيل يشتري كميات كبيرة من العنب فيبيع لجماعته ويصنع الخمور ويسحب السبيرتو وينقله أيضا إلى صفد، وقد كان خبيرا بالخمور حيث كان والده أقام فيما مضى باحدى دول أوروبا حيث يقدرون الخمور الجيدة وهناك تعلم المهنة وأتقنها. وقد أصبح بعد أن سكن القرية حوالي عشر سنوات معروفا من الجميع. وتربى أولاده بين أطفال القرية وتصادقوا وتحابوا دونما تمييز أو تفرقة. فقد تعود أبناء عين إبل على استقبال عائلات منفردة لتسكن وتعيش فيما بينهم وكان الجميع يتأقلم بسرعة ويصبح مواطنا. فالقانون واضح والقرية مستقرة والجميع يتنافس على النشاط والانتاج وليس على الخمول والكسل وتناقل الأخبار والحسد الذي يولد المشاكل، خاصة لساكن جديد، لا يعرفه أحد. وهكذا فقد اندمج بو اسرائيل وعائلته في مجتمع عين إبل وعرف قبو “بو بركات” فيما بعد ب”بيت بو اسرائيل” ثم بعد أن غادره بقي مدة يعرف ب”بيت اليهودي”.
كان بو اسرائيل قد أخذ عائلته قبل شهر إلى صفد فأحد اقاربه، وكان صديقا للحاكم الانكليزي هناك، نصحه ألا يبقى في المنطقة لأنها معرضة للمشاكل، فلماذا لا يأتي إلى صفد في هذه المرحلة. وكان قبل أن غادر مر على بو بركات وأخبره بنصيحة الانكليزي. وكانت زوجته تعاني من مشكلة صحية أضطرته إلى أخذها بشكل مستمر إلى طبيب من جماعته كان تخرج من جامعة في “فيينا” ويسكن قرب صفد. وكان بو اسرائيل قد صادف مرة عصابة “أدهم خنجر” على طريق “وادي فارة” واضطر للاختباء منهم، ولكنهم أخذوا حماره الذي كان يسوقه وما عليه… وهكذا فقد كان بيت بو اسرائيل خاليا يومها فدخل أول هؤلاء المتسللين إلى البيت وبدأ بالنهب. وكان أحد أصحابه ينتظر في الخارج لتأمين حمايته، بينما لم يزل باقي عناصر المجموعة متأخرين قليلا.
دخل الخوري إلى الدير وإذا بعدد كبير من الأهالي هناك وقد ركع الكبار يصلون مرددين خلف الراهبة أبيات “مسبحة الوردية”، بينما صمت الصغار محتمين بأمهاتهم. وإذ شعروا بوجوده توقفت الصلاة. فقال الخوري أن الوقت قد كان لاخلاء القرية ويجب أن يتم ذلك بسرعة ولكن في الوقت نفسه بانتباه، كونه قد يكون هناك متسللون. وعليهم الاتجاه إلى طريق كفر برعم في الأراضي الفلسطينية. خرجت “جميلة” على راس النسوة حيث كانت تريد الرحيل منذ الصباح ولكنها كانت تخجل من الآخريات، أما وقد طلب الخوري ذلك فهي أول من يرحل. وقد حملت طفليها بيديها وأمرت ابنتها “تريز” أن تقود أخويها الصغيرين وتتبعها. وفور خروجها شاهدت ذلك المتسلل خلف حائط بيت بو اسرائيل فحاولت العودة لتخبر الآخرين ولكنها لاحظت ابو سالم وجماعته قادمين من الجهة الثانية فصرخت به:
– يا بو سالم صاروا هون ببيت بو اسرائيل…
ودخلت قبل أن تتبعها رصاصة كادت أن تصيب ابنها على يدها، فسجدت وشكرت العذراء مريم وتحسست طفلها الآخر…
قفز بو سالم فوق جدار التصوينة وقد وضع “الشبرية” بين اسنانه، فلم يرد أن يستعمل الرصاص لأنه شحيح وقد بقي عليهم مسافة لتأمين خروج الأهالي، وإذا به وجها لوجه أمام ذلك المتسلل. فصرخ به فارتعد وقدف بشبريته إلى صدره فسقط على الفور فتقدم بو سالم وركع فوقه ليستعيد شبريته وإذا بآخر يخرج من الباب حاملا فرشة بيديه ومعلقا البندقية في كتفه، فاستدار أبو سالم وطعنه بالشبرية من فوق الفرشة، الذي حاول أن يحتمي بها لأنه لم يستطع تناول بندقيته، ورفعه فوق راسه وقذف به إلى جانب رفيقه، ولحقه الشباب فطوقوا البيت وفتشوه ثم توجهوا إلى المجدول للبحث عن المتسللين الآخرين الذين كانوا قد فروا من حيث أتوا.
تابع ابو سالم ورفاقه التفتيش حتى مجدول “ناصيف” حيث ظهرت قبالتهم عناصر شرتا فلوحوا لهم للانتباه لجهة “حامل بو” وترك أبو سالم أبو ريمون وأبو نصري في تلك الجهة وعاد مع أبو أنطوان إلى الدير لاخراج الموجودين فيه…
أما في ضهر العاصي فقد كان المهاجمون تمكنوا من الوصول إلى التل بالرغم من الاصابات في صفوفهم وقد بقي ايوب وجماعته يناورون ويعيقون تقدمهم ولكنهم بدأوا يخففون من إطلاق النار ما سمح للمهاجمين بالتقدم. وعندما وصل ايوب إلى بيت شباط لم يكن هناك أحد في الطوابق العالية فاعتقد أن الجميع قد تمكن من الانسحاب فأمر رفاقه بنصب كمائن بين البيوت واستعمال السكاكين بدل البنادق والابقاء على الذخيرة ما أمكن.
وصل المهاجمون إلى العلية ودخلوا إليها بعد إطلاق نار غزير. ولما لم يلقوا جوابا اضرموا النار في قرميدها، وهم كانوا خسروا الكثيرين من عناصرهم في هذا الهجوم حتى الآن، وإذ رأوا النيران تلتهم العلية، أحد رموز الفخر في عين إبل، سرت بهم نشوة النصر.
كان أيوب يكمن في أعلى “المراح” وقد وصلته عناصر من جهة الضهور، فوجه بعضهم إلى الكنيسة الجديدة وأطراف البيادر بينما ذهب “يعقوب”، الذي كان من مهرة الرماة، صوب البيت في أعلى “العين”. وقد كان أرسل “يوسف” ابنه ليؤمن رحيل العائلة إلى بيت أحد أصدقائه في “أبو سنان” وأقسم أنه لن يغادر قبل أن يذيقهم طعم رصاصه ويعلمهم عدم الاستهانة برجال عين إبل. وكانت لا تزال لديه في المنزل كمية من الرصاص ليكمل مهمته.
وصل يعقوب ودخل فتفقد المنزل وأخرج بعض الرصاص وصعد إلى أعلى التصوينة فوضع علبتين في مكمن يمكنه استعماله لرد أي محاولة للدخول من الباب الخارجي، وعاد باتجاه الخلف فوضع برميلا يستطيع إذا ما وقف فوقه أن يرى ما وراء المنزل. وكان منزله يطل على الوادي فوق العين ويشرف على كامل الجهة الغربية. وكان يعقوب صاحب ثروة وقد كان والده إشترى مزرعة الصالحاني بكاملها، والتي تزيد مساحتها على اثنا عشر مليون متر مربع، ثم باع نصفها ل”بيت نور” وهم من سكان صور.. وبعد أن صمم يعقوب خطة لدفاعه “مترس” في مكمنه فوق المدخل…
وفي بيت جدها “عبد الأحد” كانت “اميلي” قد سمعت ما يجري من اطلاق نار فقررت أن تعود مع اخوتها إلى البيت ولكنها رات مجموعة من النسوة يركضن وقلن لها أن الجميع سوف يخلون القرية فدخلت وأخذت ربطة خبز من “اللجن” ولفتها بزنارها وحملت أخوها “ادمون” على ظهرها بينما أمسك حنا أخاه “فيكتور” بيده وتبعه “شكرالله” وخرجوا من البيت وجدهم ينادي عليهم، فلم يريدهم أن يرحلوا وحدهم ولم يرَ الحالة تستأهل رحيله هو وقد طعن بالسن، ولكن اميلي كانت مصممة ولم ترد البقاء فحاول أن يؤخرها وقال لها أن تنتظر فقط ليريها أين خبأ الذهب فلن يرحل هو حتى ولو دخل الغرباء إلى البلدة وقد يموت “فتعالي لأريكي أين دفنت الذهب”، وقد كان صاحب ثروة بالفعل والكل يعرف، فلم تأبه باقواله وتابعت باتجاه الدير، ولكن “شكرالله” لم يرد أن يكمل الطريق معهم وأراد العودة للبيت فأجبره حنا على متابعتهم حتى وصلوا إلى بيت “بو كرم” فاستدار راكضا نحو البيت وتابعوا هم طريقهم باتجاه الدير.
في هذه الأثناء كانت “نظيرة” قد جمعت بعض الأغراض لطفلها وصرتها بشرشف ووضعتها على راسها وحملته، وقد لفته بشرشف آخر، وهمت بالانطلاق، فسمعت صوت الرصاص قرب الكنيسة، فركضت باتجاه “الجنينة” لأن الطريق أكثر أمانا من هناك، ولكنها خافت على الأولاد فأرسلت “وردة” ابنة عمها لتحضرهم من بيت والدها، وعندما وصلت هي إلى طرف الجنينة الجنوبي تذكرت “رزق الله” واحتارت فهو لم يكن في البيت عندما ذهب إخوته وماذا لو رجع ولم يجد أحدا، فوقفت تفكر ما العمل؟ ثم سمعت حركة قرب البيت، فقررت العودة، ولكن أزيز الرصاص كان يقترب، فوضعت “أدوار” على الأرض وجنبه صرة الثياب وعادت باتجاه البيت. فسمعت صهيل “حميدي”، ثم وقع أقدامها وهي تجري. فاقتربت، فلمحت وكأن “رزق الله” راكبا فوقها مع ولد لآخر خلفه ممسكا به وقد غابا وراء السطوح. ولكنها شاهدت رجلا يتبعهما راكضا ومهولا وهو يصوب بندقيته. فصرخت به فاستدار باتجاهها ليتبين مصدر الصوت، وتوقف عن متابعته لهما…
وكان رزق الله، عندما ذهب للتفتيش عن الناطور في الحي العتيق، راى بعض النسوة يركضن، ثم بدأ يسمع الرصاص يقترب. وعندما وصل إلى قرب المقبرة، رأى والده وآخرين يهرولون من صوب العلية فتوقف يراقبهم. ثم بدأ يرى كثيرين يركضون. وكأنهم هاربون والبعض يحمل أولاده أو بعض الأمتعة. فقرر العودة إلى البيت، وبوصوله، وجد “حميدي” في الدار، فحاول إدخالها إلى القبو، ولكنه رأى جارتهم “تقلا” تخرج من بيتها مسرعة وقد سبقتها إبنتها “حنة” وهي تجر بيدها أخاها الصغير “يوسف” بينما حملت إبنتها الصغرى “زكية” صرة وتبعتهما، وإذا بأخيه “شكرالله” قادما وهو يبكي، فسأله لماذا يبكي ومن أين أتى فأخبره شكر الله أن بقية إخوته قد ذهبوا إلى الدير وهو لا يريد الذهاب معهم، فأشار عليه أن يصعد إلى البيت ريثما يدخل هو المهرة خوفا من أن يسرقها أحد، وكان يعرف مدى حب والده لهذه المهرة التي أحضرها صغيرة من “الخليل” وكان يعتز بأنها “مسلسلة” أصيلة، ولكن شكر الله بقي واقفا ولم يتحرك من مكانه، فقد كان يراقب الدخان المنبعث من العلية، ثم رأى أحدهم يسقط من شباك بيت “نعمة” وقد اصيب على ما يبدو، وعندما هم رزق الله بادخال المهرة، شاهد أحدهم يطلق النار على جارتهم “تقلا” فتسقط في الدار ويتابع أولادها الركض باتجاه بيت عمه “ابراهيم”، فتسمر مكانه وقد رأى لأول مرة مشهدا مشابها، ثم تحركت “حميدي”، فالتفت، وإذا بالرجل يتقدم باتجاههم وقد رأه يجر المهرة، فنهره أن يتركها، فما كان منه، وقد عرف أنه سوف يسرقها لا محالة وقد يؤذيها، إلا أن ركب فوقها وأركب شقيقه خلفه، فوصل الرجل الغريب وحاول الامساك بالرسن، إلا أن حميدي صهلت ووقفت على رجليها وهاجمته والأولاد على ظهرها، فهرب من أمامها خوفا وانطلقت مسرعة إلى ما وراء السطوح. وهكذا رأتهم الوالدة وذلك الرجل يتبعهم، وقد عرف قيمة المهرة، عله يستطيع وقفهم والاستيلاء عليها. وعندما استدار على صوت “نظيرة” وافلتت منه فرصة الحصول على المهرة، لحق بها للانتقام فولت هاربة، فاطلق النار باتجاهها مهددا شاتما، فلم تستطع التوقف لأخذ طفلها أو الصرة. ولم تستعد أنفاسها إلا وقد وصلت إلى المجدول، لتجد ابنها حنا وإميلي والصغار، وهي ترتجف خوفا ودموعها ملء عينيها. ثم رأت رزق الله وشكر الله ينزلان باتجاههم على ظهر حميدي، فارتاحت قليلا، لأنها وجدت عائلتها، ولكنها أدركت أنها فقدت طفلها الصغير فماذا سيحل به؟..
ما أن استعادت نظيرة أنفاسها وأدركت الموقف حتى اركبت “إدمون” خلف إخوته على المهرة وتركت اميلي تسير مع حنا وفيكتور بجانبها، وقالت لحنا واميلي تابعوا الطريق مع اخوتكم إلى المحفرة فقد تجدون والدكم أو من تكملون معهم الى كفر برعم أما أنا فسأعود لأحضر أخاكم الصغير. وعادت مسرعة ويدها على قلبها وهي تحسب ألف حساب، ولكنها ما أن وصلت إلى قرب الدير حتى التقت ب”مرون” جارتهم قادمة فقالت لها:
– هيك بتعمل الناس”.. نسيتي إبنك ورحتي؟.. منيح اللي مرقت أنا من الجنينة وشفتو، والا كان ضل هونيك أو إجالو حدا أخدو، يا الله خديه… واشكري ربك…
فتناولته من يدها وضمته إلى صدرها وأجهشت بالبكاء، ولم تستطع أن تخبر “مرون” ما جرى لها، وبقيت تتمتم شاكرة لها وللعذراء على هذا الصنيع. ثم تابعت مع جارتها طريقهم إلى المحفرة لتلتحق بالعائلة…
أما أبو يوسف الذي كان أمن طريق كفر برعم وأبقى عددا من الشباب لحماية الأهالي الهاربين فقد عاد ليتفقد زوجته والأولاد، فإذا ب”ابو جبران” ينادي عليه، وقد كان وصل إلى المحفرة، قائلا بأن إم يوسف بخير وهي لا تزال في غرفة الوقف مع الأولاد الصغار وجارتهم “شمى”. فأرسل “بطرس” ليحضرها ويوصلها إلى الجش ويهتم بإخوته ريثما يتأكد هو من خروج الجميع…
كان “جرجس”، عندما تأكد من موت أبو ابراهيم حزن وبكاه. ثم قرر أن يثأر له. فصعد إلى الشحار ومترس هناك منتظرا قدوم أحد من المهاجمين من جهة الغرب، وقد رأى أبو سالم والمجموعة عندما كمنوا وأطلقوا النار عند مفرق الدبش ومن ثم أكملوا باتجاه البلدة فلم يجرؤ على اظهار نفسه لأبو سالم خوفا من التأنيب لتركه أبو ابراهيم يموت قرب العين، وظل في مكمنه. وكان قد لف “رسن” الدابة وأطلقها، فذهبت باتجاه الكسار، وعندما وصل بطرس في المساء إلى غرفة الوقف في الخلة ليحضر أمه وإخوته، سمع حركة قرب الغرفة، فظن أن هناك متسللا وحاول إطلاق النار، ولكنه إقترب ليجد دابتهم وقد وقفت ترعى قرب المكان، فشكر الله لأنه كان يفكر بأمه وكيف ستستطيع السير معهم حتى كفر برعم وهي بهذه الحالة. ثم دخل وأخرجهم فاركب والدته و”حنة” و”موسى” على الدابة، وسار بهم. وكانت شقيقته “سارة” قد ذهبت مع بيت عمها “مخول” قبلهم، أما “مريم” فقد كانت مع الصبايا في بيت “أبو الياس”. ولم يحمل هم “مسعود” لأنه كان ذهب مع صديقه “البحري” ورأ العنزات منذ الصباح إلى جهة “بسبسة” فلا خطر عليه في تلك الجهة، وقد يكون التحق بمجموعة من الهاربين…

**************************
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة التمهيد والحلقة الأولى (طريق البحر) من كتاب الكولونيل شربل بركات “المداميك”
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الثانية

*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الثالثة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الرابعة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الخامسة

*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الأولى
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الثانية
* ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الثالثة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الأولى
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الثانية