كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الثانية

189

كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الثانية
05 تشرين الثاني/2020

كانت عين إبل قد أثبتت وجودها في المنطقة وزادت أراضيها وكثر انتاجها، وفي أوائل القرن هاجر بعض بنيها إلى الولايات المتحدة وجمعوا ثروات عادوا بها إلى القرية وعمروا الدور التي يزينها القرميد الأحمر، وكان هذا النوع من البناء بالقرميد قد وصل إلى لبنان مع الحملة الفرنسية في 1860 التي عمرت أول منزل في دير القمر وسقفته بالقرميد، ومنذ ذلك الحين أصبح القرميد دلالة على الثراء، لأنه مستورد من مرسيليا، ومن استطاع أن يعمر بقرميد فمن المؤكد أنه صاحب ثروة، وهكذا فقد أصبح في عين إبل ستة أو سبعة بيوت قرميدية ما عدا الكنائس والدير ما أعطاها طابع الغنى زيادة على وسع الأراضي ووفرة الانتاج و”أسطول” الجمال التي كانت تغادرها قبل كل فجر محملة من خيراتها إلى مدن الساحل بخاصة صور، ما زاد من حسد الحاسدين وشهوة الطامعين، ولكن دونما تطاول، فقد حصنت بالرجال الأشداء المتيقظين الذين عرفوا أن “الرزق السايب يعلم الناس الحرام” فكان أفهمهم وأخلصهم أشدهم حرصا على صون البلد من اي تطاول، وكان وجوه البلدة نواطيرها وقد كان لهم علاقة بالجيرة ضبطتها أصول ولياقات تعلقت بمفاهيم وتقاليد كل فئة. فالمنطقة فيها شعوب ومذاهب ولكل منها مفاهيمه وتراثه، ولو التقى الكل على بعضها، فالمتاولة، وقد كان عددهم مقبولا أكثر من غيرهم، كانت لهم مفاهيمهم التي تختلف عن مفاهيم البدو العائشين في المضارب والذين لهم قيم وطرق عيش تخصهم، وبينما ساكن الروم، الحرفيون بأغلبهم، المتاولة في كثير من الأماكن والقرى وتفاعلوا معهم في بعض المجالات، انفرد الموارنة في قرى تختلف حسب المشارب في العادات واللهجة وبعض التصرف.
وفي العهد العثماني لم يكن المتاولة من أصحاب الحقوق في الدولة وكانوا لا يختلفون شأنا عن المسيحيين، وكان لهم بعض المعارك مع دروز الجبل من جهة ومع قبائل فلسطين من جهة ثانية، أما المسيحيون في المنطقة فقد كانوا منهمكين بتأمين قوتهم. وفي ما بعد الحملة المصرية حاول “حمد البيك” زعيم الشيعة يومها استرضاء الدولة العثمانية بأن هاجم ببعض فرسانه فلول المصريين في رميش… ثم جاءت مشاكل الجبل الطائفية فلم تتاثر بها المنطقة بسبب عدم وجود منافسة على الزعامة، ولكنها لم تخل من تحرش هنا ومشكل هناك. ولكن بعيد دستور 1908 الذي ساوى بين مواطني الدولة العثمانية بدا وكأن الأمور تسير نحو الأفضل فتحمس المسيحيون إذ شعروا بأنه ستصبح لهم حقوق حتى في الانتساب إلى الجيش العثماني والاشتراك بالسلطة بشكل فعلي، فانتسب البعض إلى جمعية “الاتحاد والترقي” وفتحوا “ناديا” في عين إبل أصبح فيما بعد يتدخل بكل شؤون البلدة، وعمت مرحلة من التامل بمستقبل نير. لكن ما أن بدأت الحرب العالمية الأولى حتى ظهر الوجه الآخر من المساواة، فقد بدأ الطلب على العسكر، وكان أن وصل الأمر إلى أخذ كل الرجال من عمر ثمانية عشر عاما إلى عمر خمسين، مما أفرغ البلاد إلا من النساء والأطفال والعجائز، وجعل من هرب من الخدمة، فارا طول الوقت، فبارت الأراضي وقل الانتاج ووصلت الحالة إلى المجاعة وزاد الأمر سوءً، تشديد الأتراك وكثرة زياراتهم لتلك القرى، حيث كانوا يقيمون على حساب هؤلاء المساكين، آكلين شاربين مع أعلاف خيولهم، وزيادة على كل هذا ما كانوا يفرضون من “خوات” على الناس. ولكن لكل شيء نهاية ولكل ظلم ختام، فقد خسرت تركيا الحرب ولحقت بالأمبراطوريات البائدة وذهب معها عصر القهر والتبعية إلى غير رجعة، وقد كان الرابحون، لأول مرة منذ قرون، دول يختلف مذهبها ومعتقدها عن تلك التي حكمت البلاد منذ خروج الفرنج، لا بل كانت الدول التي قهرت تركيا تنادي بحرية الشعوب وتقرير مصيرها وبحقها في الاستقلال والعيش بسلام.
كان هذا كثير على من خرج لتوه من ظلم الأتراك، فلم يحلم الناس بهكذا قدر من التحرر وعمت الأفراح بوجه خاص عند المسيحيين الذين عرفوا معنى التمييز والظلم، وعرفوا معنى أن يزايد بعض الحكام على الاسلام، ليستدرج عطف المسلمين فيسامحونه على أخطائه الكثيرة، بالتهجم على غير المسلمين وفرض شروط قاسية تذكر دوما بالشروط العمرية، فيتدخل السلطان بلون الحذاء ، ويمنع القاضي دفن الميت، وتفرض ضريبة “ظلم ” مجاهرة…
لكن أهالي عين إبل لم يعرفوا ما كان ينتظرهم بالرغم من الفرحة الكبرى، فسياسات الدول، حتى المنادية بحرية الشعوب وتقرير مصيرها وبالمساواة والأخوة، لها في إدارة البلاد ما لا يتصوره عقل أولئك الفلاحين. فبين فرنسا وبريطانيا، المتحالفتين، تضارب في المصالح، فقد كانتا اتفقتا على تقسيم الشرق إلى مناطق نفوذ، وكانت بريطانيا وعدت “فيصل” ابن “الشريف حسين”، “شريف مكة”، بمملكة عربية يحكمها، وككل الخارجين من صحاري العرب، حلم فيصل ب”الشام” جزءً من مملكته، فتعدى على نفوذ الفرنسيين حسب الاتفاقية (سايكس- بيكو) ولم يكن له شأن معهم. من جانب آخر قد يكون البريطانيون تركوا الأمور تجري على ما هي، عله يستطيع “تشليح” فرنسا بعض نفوذها دون أن يمسوا هم بالاتفاق. لكنه لم يعرف ما ينتظره فتمادى وجماعته وطالب بلبنان جزءً من دولته. ودار أزلامه يقنعون المسلمين بطلب حكمه، على أساس حرية الشعوب بتقرير المصير. فقبل به بعض الشيعة عندنا على أنه من “آل البيت”، ودارت العرائض ودرت الاستفتاءات مدة سنتين وكانت موجهة إلى مؤتمر الصلح. وكان المسيحيون هنا يناضلون في سبيل الانضمام إلى لبنان، فجماعتهم هناك وأصولهم هناك وعلاقاتهم هناك وبطركهم أيضا، ولم ينسوا بعد ظلم المسلمين ومعاملة “أهل الذمة”، فكان الطلب والاصرار على الانضمام إلى لبنان. فقامت حركات تهدد وتتوعد من يرفض القبول بحكم فيصل، وهي طريقة لم ينسها بعد من حكم من قبل تركيا، وكان الفرنسيون يحبذون أن يغلط فيصل ويحاول فرض الأمور بالقوة، لأنه كان قد دخل الشام عنوة مع الانكليز ولم ينفذ هؤلاء تعهدهم للفرنسيين باخراجه فانتظروا الفرصة لطرد ذلك البدوي الذي يتجرأ على اللعب مع الكبار…
بدأت اللعبة تكبر وزاد جماعة فيصل من تهديداتهم وتعنتهم، فطلب المسيحيون الحماية من الفرنسيين فأعطوهم بضع بنادق لم يكن لهم خبرة في استعمالها، ولكنها أعطتهم ثقة بالنفس، فتصدت عين إبل للعصابات ووقفت بوجههم ومنعتهم من التعدي على المسيحيين في جوارها، وقد كانت من أكبر قرى المسيحيين في جبل عامل وكان رجالها أشداء يقويهم إيمانهم بالله وبحقهم في الدفاع عن النفس فصمدوا مدة تسعة أشهر بوجه عدة عصابات ومجموعات. وقيل فيما بعد أن من بين هذه العصابات والمجموعات من كان يعمل مع المخابرات الفرنسية. فقامت هذه العصابات بمهاجمة كل القرى والمزارع الصغيرة، من جنوب الليطاني وحتى الحدود، فتهجر أهلها، وأحرق بعضها، وفرغ كثير منها، إنما في عين إبل لم يستطيعوا فرض خوة أو سرقة رأس ماعز أو التعدي على أحد، لا بل تحدى أهالي البلدة عصابة “صادق حمزة”، يوم أرسل يطلب تسليم أسلحة ودفع خوة، بالقدوم إليهم، وهاجموه في شلعبون، فهرب وتوعد، وعاودوا التصدي له، يوم طلب من دبل تسليم أسلحة، فكان جوابهم أن شباب عين إبل هم الذين ينتظرونك في دبل أيضا، إن كنت تنوي النزال، فلم يجرؤ على المواجهة هذه المرة …
في صباح ذلك اليوم، وكان أهل البلدة، كعادتهم، قد وزعوا على كل الاتجاهات، فرقا صغيرة للاستطلاع والحماية، يختلف عدد عناصرها حسب الموقع وأهميته، بينما ذهب الباقون إلى أعمالهم مطمئنين. وكان “أبو نصري”، يومها ابن تسعة عشر عاما، من بين مجموعة “الدوير”. كانت الساعة قد قاربت على التاسعة عندما سمعوا إشارة إطلاق نار من فرقة “شلعبون”، فأخذوا “استحكامات” حول التل في جل “بيت أبو عبدالله”، وكان كبيرهم “أبو سالم”. وقد كان “أبو سالم” من القبضايات المشهود لهم، فهو كان هاجر إلى الولايات المتحدة، وجمع ثروة في ظروف لم تخلو من المغامرة والشجاعة. ثم عاد إلى البلدة واشترى أراضي جمعها بالبدل والسخاء لتصبح مزرعة متكاملة، وعمر بيتا ومخزنا وبدأ بتجارة مع مدن الساحل والداخل في حوران والمنخفضات الفلسطينية. وقد كان في غدواته يبيت في نابلس ويصبح في الشام ويمسي في صيدا ليعود إلى عين إبل محملا بما لذ وطاب. وكان “أبو سالم” حلو المعشر لكنه رصين وشديد في الأوقات الحرجة، ولذا فقد اختار موقعا يعتبر خطرا لبعده عن القرية، ولكنه كبير الأهمية لأنه يمنع التسلل من الناحية الشمالية. فعندما سمع إشارة “شلعبون” وزع الشباب على أماكنهم وحاول أن يستطلع الأمر…
كان هناك بالفعل تجمعا ما تجاه كونين وقد تقدم بعض العناصر إلى ما فوق وادي “عين سدير” فأطلقت مجموعة المراقبة في “شلعبون” النار باتجاههم كإنذار لعدم التقدم أكثر وبنفس الوقت كإشارة لبقية المجموعات المدافعة للتنبه لما يحدث. فلم يكن عندهم وسيلة اتصال، ولم يكن لديهم مركز قيادة وتوجيه عسكري يعرف أن يقوم الأمور، فيعطي الأوامر، بالصمود هنا والانكفاء هناك، بالهجوم في نقطة معينة أو الثبات والمدافعة في نقطة أخرى، بدفع الاحتياط لدعم موقع ما، أو لتقييم الوضع بشكل شامل وتأمين إستمرارية المعركة لوجستيا وعملانيا… كان الدفاع عن القرية إحدى “العونات”، والقتال شكل من إظهار قوة قد تخيف العدو فيهرب أو يتراجع، كما حدث في تحدي “صادق حمرة”. لكن الأمر أختلف هذه المرة، ولم يقتصر على “صادق حمزة” وعصابته، بل تجمعت كل العصابات وتقرر القضاء على مقاومة القرية. وقد شاركت عصابات من أطراف الجولان و”عرب الفاعور” الذين ينزلون ب”الحولة” وغيرهم. وكان التجمع على بركة كونين شحذت فيه النفوس وتوزعت الأدوار، وفي الوقت نفسه أطلت فرقا من الجهة الشرقية، ثم ظهرت فرقا من الغرب بينهم “عرب الشعب”…
أحس “ابو نصري” ورفاقه بالخطر هذه المرة لأن “أبو سالم” كان واجما على غير عادة ولم “يتمخطر” أمامهم بل زحف بين الصخور عائدا إلى متراسه، وعندما حاول “أبو ابراهيم” رفع راسه زجره وصرخ به ثم اشار إلى عدم إطلاق النار بدون أمر منه وعدم التحرك أو ترك أي شخص لمكانه، لكن “أبو ابراهيم”، وكانت له دالة على “أبو سالم” كونه يفلح له الملكيات، اعتبر أن الأمر مبالغ به وحاول النهوض بعد بعض الوقت لقضاء حاجة، وكان “أبو سالم” في الجهة المقابلة يراقب مجموعة تحاول الاقتراب باتجاههم، وكان ينتقل بين رجاله يعين لكل منهم هدفه ساعة يعطي الأمر، فقد أرادها ضربة قاضية لهذه المجموعة، لكن تحرك “أبو ابراهيم” الذي كان يضع “حطته” البيضاء على راسه كشف وجودهم وما كان من أحد المتسللين إلا أن فتح النار، عندها رد “أبو سالم” وتبعه كل على هدفه فأصيب ثلاثة من المهاجمين واحتمى الباقون بين الصخور عائدين من حيث أتوا وطلقات المجموعة تتبعهم. فرح الشباب وقويت معنوياتهم بهذه العملية، ولكن عنين “أبو ابراهيم” أعادهم إلى واقعهم، فقد كان أصيب بذلك الطلق الناري في خاصرته واتكأ على ساق شجرة واضعا يده على الجرح. قفز “أبو سالم” مستطلعا الأمروإذا الجرح بليغ والنزف حاد، فتجهم وجهه ونزع الحطة وحاول أن يربط بها الجرح. في هذه الأثناء كان الرصاص يلعلع من “ضهر العاصي” باتجاه “شلعبون” يجاوبه إطلاق نار كثيف من الجهة المقابلة فهم منه بأنه لم يبق أحد من مجموعة شلعبون التي كانت مهمتها الانذار عن اي تقدم ثم الانسحاب. حاول أبو سالم أن يرسل أبو ابراهيم إلى القرية فقد تعتني به الراهبة، وإذا كان مقدرا له أن يموت فلماذا يموت هنا بعيدا عن القرية، ولذا فقد كلف
“جرجس” بمرافقته للعودة ونبهه أن يفتح عينيه جيدا فالأرض غير آمنة وألا يتعب ابو ابراهيم بل “يطول باله عليه”…
في هذه الأثناء كان “أبو صقر” وهو ابن السابعة عشر بين المجموعة التي تؤمن الدفاع عن البلدة من الشرق وكانوا يرابطون في “الضهور” وكان معهم “أبو يوسف” بذاته وقد كان زعيما بكل ما للكلمة من معنى، فهو البعيد النظر، المتزن، القوي الشخصية والعادل في أحكامه،حتى كان اصبح مضرب المثل في العدل والشمول في معرفة أمور الفلاجين وخلافاتهم، وكان شرعه مقبولا حتى على المتاولة والبدو. كان “أبو يوسف” يقدر أن يكون الهجوم، إذا حدث، من الجهة الشرقية لأنها أقرب إلى بنت جبيل وأسهل للتسلل. ومع أنها قليلة الشجر لكنها كثيرة الصخور حيث يمكن الاحتماء من الرصاص، لذلك فضل أن يكون هناك بقرب الشباب لكي يتجنب المعركة إذا أمكن أو يقودها إذا ما فرضت عليهم، وكان لا يزال لديه أمل بتدخل “الأوادم” لتجنب المعركة فقد كان القاضي “محمد نجيب” انتقد تصرفات “المتهورين الذين لا يعرفون إلى إين يقودون الناس”، وقد سمع من البعض أن “البيك” غير راض عن أعمال هؤلاء الطارئين ولكنه لا يجرؤ على مجابتهم في موضوع كهذا فهو يعرف حده في مواجهة الموجات ذات المنحى الديني وقد كان الموضوع أخذ هذا المنحى. ولكن “أبو يوسف” لم يأخذ ذلك على محمل الجد لأنه كان يعرف قدرة البيك إذا ما اقتنع بأمر.
كانت المجموعة تحوي عددا أكبر من مجموعة “أبو سالم” فهنا لا مجال للتراجع وهذا هو خط الدفاع عن البلدة. وعندما فتحت النار في “ضهر العاصي” أرسل “أبو يوسف” أحد الشباب إلى هناك للتأكد مما يحدث خوفا من أن تكون عملية الهاء. كان “أبو صقر” ذلك الرسول وقد كتب فيما بعد عن ذلك اليوم في مذكراته بعد أن كان أصبح في الثلاثينات صديقا حميما ل”سلطان باشا الأطرش” زعيم دروز سوريا الذي قاد في 1925 الثورة ضد الفرنسيين وقد تخاوى معه وسكن “السويدا” عاصمة “جبل الدروز” وعلّم فيها هو وغيره من أبناء عين إبل في تلك المرحلة. ذهب “أبو صقر” إلى ضهر العاصي ليستطلع الأمر وكان المكان جبهة حرب حقيقية. فقد انتشر الشباب خلف متاريسهم وصوبوا بنادقهم باتجاه شلعبون حيث كانوا يرون بين الحين والآخر خيالا يتحرك أو حصانا يجري فتطلق النار باتجاهه وكان “روكز” الموجه العسكري هناك كونه قد خدم في الجيش التركي وعاد بعد نهاية الحرب وهو الوحيد الذي مر بتجربة عسكرية سابقا، وقد اعتبر “ضهر العاصي” مهما لأنه يشرف على كل الجهات ومنه يمكن رؤية الشرق والشمال والغرب ويمكنه مساندة مجموعة “الدوير” أو “الضهور” على السواء.
كان “أيوب” رجلا منظورا بين جماعته وقد جعله ذلك، وإن لم يكن لديه خبرة روكز العسكرية، مركز ثقة المجموعة. لذلك عندما وصل “أبو صقر” كان هو من تحادث معه ليطمئن “أبو يوسف” عن الوضع. ولكن “أبو صقر” فهم منه أن الشباب يصرفون كثيرا من الذخيرة وقد كان “روكز” ألمح إلى ذلك ولكنه لم يرد أن “يكسر بخاطرهم” أو يقلل من معنوياتهم، وقد كان عناصر مجموعة شلعبون الذين التحقوا في ضهر العاصي تحدثوا عن أعداد كبيرة تجمعت قرب بركة كونين، وأخبره أنهم صدوا مجموعة كانت تحاول التقدم من جهة شلعبون وقد منيت ببعض الاصابات ولكنه لا يعتقد أنها ستكون المحاولة الأخيرة، لأنه قد لاحظ زيادة في عدد الوافدين إلى بيدر “صف الهوا” من اتجاه كونين، فهو من موقعه يستطيع رؤية أطراف تلك البلدة، ولذا فقد كلف ابو صقر أن يكمل طريقه إلى “بيت شباط” حيث كان مركز التجمع والذخيرة وحيث كان من المفروض أن يكون المختار “أبو بركات” والخوارنة وبعض الوجهاء الذين كانوا يأملون أن يتدخل أحد لوقف التدهور مثل “البيك” أو بعض العقلاء أو حتى الفرنسيين، مع أنهم كانوا قد لاحظوا أن هؤلاء آخر من يتدخل، فلم يكن هناك حامية كبيرة في صور لا بل كان “دولابستيار ” يجاهر بأنه يخاف العصابات ولذلك فهو يركب كل ليلة قاربا لينام في البحر كي لا يستطيع رجال العصابات اللحاق به فأين عظمة فرنسا كي يخاف ممثلها مجموعة كهؤلاء؟ أو أنها كانت تطيل لهم الحبل، وإلى أي مدى؟ وهذا كان يخيفهم، وقد طلب “ايوب” من ابوصقر أن يشرح الوضع ويستفهم عن موضوع الذخيرة التي كانت تشغل باله.
كانت الساعة قد قاربت على الثالثة عندما وصل أبو صقر إلى “بيت شباط” وكان علية بكل معنى الكلمة ففيه قبو أرضي كانت الذخائر موضوعة فيه ولم يكن تبقى منها إلا ثلاث صناديق فقد توزع منذ الصباح أكثر من عشرة صناديق على كل المجموعات المحيطة بالبلدة وقد كانوا صرفوا خلال الشهر الماضية بين معارك وتدريبات وتهويل ما يقارب العشرة صناديق ولم يكن باستطاعتهم شراء رصاصة واحدة من المحيط ولا الوصول إلى صور بعد تكاثر العصابات وعملياتها حولهم. لذلك عندما صعد أبو صقر إلى الطابق الثاني حيث اجتمع المختار والآخرون وكلمهم عن الوضع كان تعليق “أبو بركات” المباشر:
– الله يراف، ما بتخلصنا إلا عجيبة.
ثم استدار إلى خوري الحدادين قائلا:
– وين صاحبك البيك؟.. ما على بنى هوي ضد هالشي…
لم يجب الخوري بشيء، فصحيح كانت له علاقة صداقة بالبيك وكان يحترمه ولكنه لم يدع مرة معرفة ما بداخله، ثم دار الحديث حول الثبات بالمواقع حتى آخر رصاصة وسأل أحدهم عن وضع بقية الجبهات وعن مساعدة القرى الأخرى وهنا شدد “أبو بركات” على ضرورة أن يبقى باب “القبلي” مفتوحا وزاد “أن لا تنتظروا مساعدة من أحد فقد بدا واضحا أن المعركة معركتنا وقد فرضت علينا ولا يمكننا التراجع”.
في هذا الجو القاتم والرصين الذي شهده ابو صقر في “العلية” بين كبار البلدة، وقد كان طلب إليه البقاء لينقل آخر الأخبار لأبو يوسف وجماعته وبخاصة في موضوع الذخيرة والثبات، إذا ب”حنا” يدخل مسرعا وقد أتى من ضهر العاصي، كان منظر “حنا” وهو يلهث أنفاسه مضحكا بعض الشيء، فقد ركض ليخبر بالجديد وينقل الأوامر لجماعته. كان الموضوع مهما جدا فقد ظهر بعض الخيالة رافعين الأعلام البيضاء فأمر “أيوب” أن يبقوا تحت النار ولكن دون أن يطلق عليهم إلا بأمره، وتقدموا إلى مسافة يمكن منها سماع نداءاتهم وأخبروا بأن “البيك” و”الأفندية” يرغبون بالصلح وقد أرسلوا يطلبون القدوم إلى عين إبل للتفاوض. كان “حنا” يخبر لاهثا والكل مشدوه وعندما وحل إلى البيك والأفندية إنشرح الجميع وأكثرهم خوري الحدادين الذي لم يكن قد قطع الأمل مرة ثم قال “أبو بركات”:
– هي هيي العجيبة.. الله يكملها عخير وسلامة..
ثم اشار على “أبو صقر” ليعود إلى ضهر العاصي فيخبر الشباب بالموفقة على وقف النار وإعلام الرسل بالسماح لوفد البيك والأفندية بالدخول متى شاؤوا. فاعترض الخوري “يوسف” وكان صامتا حتى تلك اللحظة وقال لأبو بركات أنه يجدر بنا الحذر في هذا الشأن عله يوجد مكيدة. فقام الجميع يؤنبونه على هذا الشك في غير محله وبدأ كل واحد يشرح نظريته بشأن التفاوض وأسبابه وتنطح من يدافع عن وقف القتال حتى أن خوري الحدادين الذي كان يعرف القرآن استشهد بآية منه تقول: “وإن جنحوا للسلم فاجنح له”، وكانت خلاصة الحديث ما اشار إليه ابو بركات في النهاية؛ “هل لدينا ما هو أفضل؟ فقد كدنا نفقد الذخيرة ونشكر الله لم يبلغ بعد عن أية إصابة حتى الآن وأعداد المهاجمين كبيرة فإن داهمنا الليل قد يصبح الدفاع أصعب، وقد يكونون فعلا خسروا في المعركة ويريدون، عن حسن نية أو عن خوف، إيجاد مخرج مشرف فاستقدموا البيك والأفندية لإجراء مصالحة، وقد يكون الفرنسيون يضغطون. ونحن أيضا نفضل الصلح، ولكن الحذر يبقى واجبا”.
كان هذا الكلام يدور في العلية بينما غادر أبو صقر مسرعا باتجاه ضهر العاصي فهو يريد أن يوصل الخبر ويرى بعينيه ما يجري، لذلك طلب من “حنا” قبل أن يغادر أن يذهب هو إلى “الضهور” ليعلم “أبو يوسف” بالتطورات بعد أن يرتاح قليلا. وما أن وصل إلى ضهر العاصي حتى رأى الشباب مرتاحين والبسمة على وجوههم وقد ترك بعضهم مكانه وتجمعوا حول “أيوب”، أما “روكز” فقد ظل في مكانه وعينيه على الرسل الذين وقفوا على مسافة اربعماية متر تقريبا في اسفل التل ينتظرون الجواب وقد رفعوا الأعلام البيضاء وكان يرقد بجانبه “خيرالله” وهو يسدد سلاحه نحو حامل الراية الذي بدا وكأنه يعرفه من اللقاء الأول مع جماعة “صادق حمزة” وقد كان، على ما تصور “خيرالله”، هو الرسول الذي جاء من يارون يومها يحمل مطالب زعيم العصابة وقد رد خائبا، وكان “خيرالله” ينتظر أن يسمح له بأن يرديه فلا يعود يرى وجهه بعد اليوم، ولكن الأصول كانت تقضي بعدم التعرض لمن يرفعون الراية البيضاء، ولذا فقد بقي مصوبا سلاحه باتجاهه عله يغلط بحركة أو يتغير الموقف، ولكنه، في كل الحالات، كان يلتذ أن يراه تحت رحمته.
ما أن وصل أبو صقر وأخبر أيوب بالموافقة حتى صرخ بهم وأعلمهم بالأمر على أن يأتوا من نفس الاتجاه رافعين الرايات البيضاء، عندها استدار هؤلاء وعادوا أدراجهم مسرعين باتجاه شلعبون.
في هذه الأثناء كان “أبو ابراهيم” الذي اصيب في “الدوير” قد وصل إلى “العين” بعد جهد جهيد ولم يعد يقوى على السير فقد نزف كمية كبيرة من دمه وطلب إلى “جرجس” أن يساعده للوصول إلى الماء ويجلسه بقرب النبع ويكمل طريقه إلى القرية فيحضر دابة يحمله عليها، فطلعة العين صعبة جدا ولن يقوى وهو بهذه الحالة على الاستمرار، ولا خوف عليه هنا.
صعد “جرجس” إلى البلدة بعد أن أجلس أبو ابراهيم بقرب النبع وسقاه بعض الماء وعندما وصل إلى مفرق “الكسار” وقف ليأخذ نفسا ونظر باتجاه “الدبش” فإذا بمجموعة من المسلحين تظهر صوب “شجرة المكبرة” قرب حانين فأطلق عيارا ناريا باتجاههم وأكمل إلى البلدة وقد شغل باله أن تتقدم هذه المجموعة إلى “الدبش” فيصبح التحرك داخل البلدة خطرا لأنها مكشوفة من هذا الاتجاه.
في هذه الأثناء وصل “حنا” إلى “الضهور” وأخبر أبو يوسف ومجموعته عن طلب الصلح ففرح الجميع ولكن أبو يوسف لم يكن مرتاحا فطلب أن يبقى الكل في أماكنهم وذهب بنفسه إلى “العلية” للتأكد من الموضوع. كان أبو يوسف يفكر وهو بطريقه إلى العلية فيما إذا الأمور تسير بالشكل الصحيح، ولماذا اليوم وبعد هذا الهجوم يتدخل البيك ليفرض وقف النار؟ هل إن العصابات المهاجمة قد فقدت أحد كبارها في المعركة مثلا فأصبحت الآن أكثر طواعية؟ أم أن ضمير البيك قد تحرك في آخر لحظة وهو يحاول فرض نفسه من جديد؟ أم هل يمكن أن يكون الفرنسيون قد تدخلوا بشكل أو بآخر؟ لكن “البادري” كان قد أخبره سرا في آخر زيارة له أنه يخاف من لعبة السياسيين، ولا يفهم ماذا يريد الفرنسيون عمله… أم هل هناك خدعة؟ أم ماذا؟..
كانت الساعة قد قاربت الرابعة وبعد ساعتين تقريبا تغيب الشمس، وهذا أخاف أبو يوسف أكثر لأنه لو حدث شيء غير متوقع قبل المغيب يكون من الصعب جدا السيطرة على الوضع لكثرة العدد وبداية الليل حيث “تضيع الطاسة” فلا يعود بالامكان تأمين حماية الناس من التسلل خاصة بوجود هذه النجمعات التي تكلم عنها “حنا”، وبالرغم من أنه أطل على الكنيسة الجديدة، التي كانوا يفتخرون بها، ورسم إشارة الصليب كعادته، لكنه لم يشعر بالطمأنينة ككل مرة، فلام ذاته على هذا التشاؤم وقلة الإيمان وتشدد وقال في نفسه “متل ما الله بريد”.
كان أبو يوسف ذاهبا باتجاه العلية وفكره في المصير القاتم والأحداث الجارية أما قلبه فكان في مكان آخر بعيدا عن كل ذلك. فقد كانت “ام يوسف” حبلى في شهرها وهي على وشك الولادة وكانت، عندما غادر في الصباح، توجعت قليلا ولكنها لم ترد أن “تعتله الهم” وقالت له أنها إذا ما أحست بشيء سوف تذهب إلى غرفة الوقف التي في “الخلة” لتلد هناك. فإذا ما هوجمت البلدة لن يكون بالامكان تدبير خروجها بسرعة من البيت أما في “الخلة” هناك فقد يتمكن أحدهم من مساعدتها على الهرب اثناء الليل. كان يتساءل، خاصة بعد أن أطل على البلدة ولمح البيت، هل أنها ذهبت، ومن ترى رافقها؟ هل يمكن أن تكون جارتهم “شمى” برفقتها، أم هل تكون “لطيفة” التي تعرف بالتوليد معها؟ وأين الأولاد الصغار؟ وهل يمكن أن تكون “مريم” على قد الحمل فتعتني بهم؟ والكبار موزعون على المجموعات المدافعة؟ والصغيرة “حنة” و”موسى” هل سيتمكنان من السير كل هذه المسافة؟..
نزل أبو يوسف باتجاه البيت ليتأكد من الوضع ويعود، ما دام الجميع يتحدث عن الصلح، فلماذا يكون هو الوحيد الذي يحسب هذه الحسابات، ولكنه ما أن وصل إلى قرب المقبرة حتى التقى “جرجس” الذي رافق أبو ابراهيم من الدوير فأخبره عن الوضع هناك وعن حالة ابو ابراهيم والمجموعة التي رآها قرب شجرة المكبرة فأنبه على تركه لأبو ابراهيم بهذه الحالة وقال له تعال خذ “دابتي” وانزل أحضر المسكين ابو ابراهيم وخذه إلى الدير عل الراهبات يتمكن من مساعدته وأنا أتكفل بموضوع العناصر التي بقرب شجرة المكبرة. فدخلا إلى بيته وفك أبو يوسف الحمار ووضع عليه “الجلال”، ولكنه لم يجد أحدا في المنزل فارتاح باله قليلا وقال في نفسه إن الله أرسله من أجل ابو ابراهيم، وهم بالانصراف، لكن “زهير” بدأ يخور ويرفس، فتنبه أنه منذ الأمس بدون شرب ففكه ورفيقته “الصبحى” وأخرجهما إلى الدار ونشل سطلي ماء من البئر وضعهما في الجرن ووضع الخشبة على باب الدار كي لا يخرجا، لأنه لم يرد الانتظار حتى يكملا شربهما ويعيدهما إلى الداخل وقد قاربت الشمس على المغيب فلن يؤثر بقاءهما في الخارج والصغار ليسوا بالبيت، ثم هب مسرعا باتجاه العلية شاكرا الله على أنه أتى إلى البيت.
أما في الدوير فقد كان الشباب بعد أن طردوا المتسللين في الصباح بقوا في وضع قتالي تحت اشراف أبو سالم وتحسنت معنوياتهم إذ توقف إطلاق النار في ضهر العاصي وكانوا رأوا الخيالة الذين حملوا الأعلام البضاء ومكوثهم حتى أخذ الخبر ثم عودتهم بدون اطلاق نار ما جعلهم يتصورون أن هناك نوعا من الاتفاق تم التوصل إليه، ولكنهم بعد مضي وقت قليل رأوا جموعا يتقدمهم فريق من الخيالة يتجهون إلى البلدة ثم بدأت عناصر بالتحرك باتجاههم من جهة الطيري فاحتاروا بأمرهم أيطلقون النار باتجاه هذه العناصر أم يتركونهم يقتربون؟ وهل أن هناك أمرا ما يدعو إلى فتح أبواب البلدة لغرباء في المساء لدخولها، وخاصة بعد معارك النهار؟ ولكن لماذا لم تفتح النار من ضهر العاصي؟..

*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة التمهيد والحلقة الأولى (طريق البحر) من كتاب الكولونيل شربل بركات “المداميك”
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الثانية

*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الثالثة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الرابعة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الخامسة

*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الأولى
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الثانية
* ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الثالثة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الأولى