كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث..الخامس من ايار/الحلقة الأولى

316

كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث..الخامس من ايار/الحلقة الأولى

31 تشرين الأول/2020

نهض شريف باكرا هذا الصباح ونزل يتفقد “العرايش”، فقد كانت زوجته أخبرته بأن “أبو حهاد” قد حضر بغيابه وفرّك الدوالي ورشها، وقد تخوف من وجود بداية رمد على تلك التي من الغرب، وقال لها بأن تخبره فور وصوله ليرى بنفسه ما يجب عمله. وكان شريف ممن يحبون الأرض ويعتبرون الاعتناء بها واجبا كالاعتناء بالعائلة والبيت وكل ما نحن قيمون عليه. “فالأرض التي نملكها لها علينا واجب أن نرعاها لتفرح بالعطاء فتتزين بالخير وتفوح بما فيها من مواسم تجعلها تفتخر بأصحابها”، وكان يقول بأن “زيارتها والتجول فيها وتقدير ما تعطيه، يفرحها، تماما كما تفرح سيدة جميلة بالثناء على جمالها والانتباه لكل جديد تحاول أن تظهره، فالطبيعة ولو لم تتكلم هي تحس بوجودنا وتتأثر بعملنا معها، ومداعبة ترابها يزيدها عطاء، وملاحقة اشجارها يمنحها حافزا للنمو”. وقد كان يحب أن يروي دائما قصة ذلك الرجل العجوز الذي كان قد قضى أيامه في حقله وبين زيتوناته ولما شاخ خف عطاء الكرم فسأل مرة ولده أن يأخذه إلى هناك ولما وصل، وكان قد شح نظره، نزل إلى أقرب زيتونة وبدأ يداعب أوراقها ويتلمس أغصانها فسأله ولده عما يفعل وأجاب العجوز:”يا ابني هيدي الشجرة مثل الولد الصغير بدك تسايرها وتحلمس عليها وإلا ما بتحبك ولا بتعطيك”…
وقد كانت هذه القصة رمزا لأهمية تواجد “الملاك” في رزقه فهو الذي يجب أن يعرف المتغيرات والحاجات التي يتطلبها حقله فيعطي هنا ويعالج هناك وينزع المضر أو الزائد من هنالك…
نزل شريف وتفقد “العرش” ووجد أن تخوف “ابو حهاد” في محله، فنزع بعض الأوراق من حول الأقطاف “المضروبة” ثم أحضر قنينة دواء كان قد وصفها له ذلك المهندس الزراعي الذي جاء مع المهجرين السنة الماضية، وكان يحتفظ بها في غرفة “العدة”، وعاود رش الدوالي مشددا على تلك التي ظهر فيها المرض. في تلك الأثناء كان “أبو مارون” و”أبو جورج” قد حضرا للسلام عليه، ووقفا يتأملانه وقد وضع المضخة على ظهره ولبس نظارات وكمامة. كان منظره، كما أشار “أبو مارون”، يشبه المرحوم “طنوس” الذي اشتهر بالاعتناء بعمله، ولذا فقد كانت كرومه الأفضل وبقي من القليلين الذين استطاعوا الاستمرار في النجاح بدون الحاجة للوظيفة أو العمل خارج القرية والحقل. فقد كان “طنوس” في البدء يعمل “كندرجي” القرية، وهي مهنة مهمة في عصره، وكان الحذاء المصنوع عند “طنوس” لا يفنى ويتوارثه أحيانا كثيرة الإبن عن أبيه والصغير عن الكبير وجل ما كان يحتاجه “نصف نعل وكعبيات” مرة في السنة، ثم ترك مهنة الكندرجي وساهم في “الموتور” وهي معصرة كانت حديثة يومها، فيوم كانت المعاصر تدار بواسطة الحصان كان إدخال “الموتور”، حدثا في القرية، حتى أن معصرته سميت بال”موتور”، وقد كان “طنوس” مديرا بكل معنى الكلمة، وهو في أثناء العمل “لا يضحك للرغيف السخن”، كما يقولون، وكان يوزع الأدوار على “البراكين ” بدقة، ولا يقبل أن يترك أحدهم وظيفته أو يتلهى بالحديث مع آخر أو يتواسط لزبون، وقد كان يطرد من العمل من يتجرأ أن يخالف أوامره. وكان في الوقت نفسه دقيقا جدا في موضوع الآلات، وبخاصة “بركة التبريد” ومستوى الماء فيها، وفحص الزيت في “الموتور”، وتعيير الصبابات، والاهتمام بعدم نسيان المازوت، ففي تلك الحالة يحتاج “الموتور” للتنفيس، وكان جل همه المكبس وحسن تصفيط “القفف”، ولم يكن يرضى إلا بقفف من شعر الماعز كان يذهب خصيصا إلى “شحيم” ليوصي عليها، وكان يعرف من نزول “الهريس” من “البد ” إذا كان ممكنا أن “يميل” في المكبس أم لا، وعندها يعطي أوامره الدقيقة بشأن الكمية الواجب وضعها في كل قفة، فإذا كان نوع الزيتون “بميل” كان يأمر بالتخفيف في القفف، وأحيانا يتركه في البراميل لليوم الثاني لأنه لا يريد أن يعطل العمل بسبب “شكارة عاطلة”. كان الناس يعتقدونه “حاكما بأمره” ومستبدا، ولكنه كان مديرا ناجحا إعترف له المحب والمبغض بذلك، فأصبح مثلا بالكمال في العمل والإتقان بكل شيء. وكان في حقله كما في “المعصرة” دقيقا في كل الأمور فقد نصب كرما في كل جهة من أرض البلدة وكان يعتني بكرمه عناية مميزة فيبدو مختلفا للناظر اليه من بعيد عن كل ما يحيطه من كروم، وكان إنتاجه مختلفا أيضا، فقد كان صاحب البراد في “الدامور”، حيث كان “طنوس” يرسل تفاحه، ينادي على المزارعين ليتفرجوا على حسن التوضيب ودقة التصفيط والصناديق المتقنة ولون “الستاركن” الأحمر الشهي. ولذا فعندما رأى “أبو مارون” شريف يرش الدوالي في أول يوم بعد وصوله إلى القرية ويلبس الكمامة والنظارات، تذكر المرحوم “طنوس” وأبدى تلك الملاحظة…
أنهى شريف عمله وسلم على “ابو مارون” و”أبو جورج” ودعاهما إلى الدخول إلى المنزل ريثما بعيد العدة إلى مكانها، ثم تبعهما بعد أن غسل يديه وخلع “الأفرهول” الذي كان يرتديه. كان الحديث في البدء طبعا، عن الرحلة وبيروت وأحوال الأهل و”القضية”، وبعد أن شرح شريف باختصار الموضوع ظهر الحزن على وجه أبو مارون فلم يعلق بشيء واكتفى بالقول:
– الله يسامحن، ويمرق هالأيام على خير وسلامة… أنا بصدق بترجع الأيام المنيحة؟…
ثم حول الحديث إلى موضوع الغد وكيف ستكون الاحتفالات. فقد تعودت البلدة على الاحتفال بعيد شهداء عين إبل في الخامس من ايار من كل عام وها هو الخامس من أيار بعد غد، فهل ستقام المسيرة التقليدية، والسهرة، وإضاءة الشعلة؟.. وهل سندعو أحدا من خارج القرية لحضور الاحتفال؟.. كانت هذه الأسئلة موجهة إلى شريف، فأبو مارون وأبو جورج يمثلان اللجنة المدنية ويريدان الاستفهام من شريف، لأن الشباب الذين كانوا يتولجون هذه الأمور في السنوات الماضية، لا يريدون أن يعتقد الاسرائيليون بأنهم يخرقون الحظر، فقد كان الاسرائيليون أمروا باغلاق المكاتب الحزبية في كل القرى، وخاصة مركز “القوات” في عين إبل، ووقف النشاطات، وخوفا من أن يعتبروا هذا الاحتفال نشاطا حزبيا، توجه الشباب إلى اللجنة المدنية لتأخذ الموضوع على عاتقها، فلا يمكن أن يمر العيد بدون احتفال، ولا نريد مواجهة مع الاسرائيليين أو سوء تفاهم، فقد كان المسيحيون خسروا الشوف والشحار والأقليم وشرق صيدا والبقاع الغربي وبيروت الغربية، ويعتقد الجميع، أن ذلك بسبب سوء التفاهم مع الذين كانوا يعتبرون حلفاءهم، “ولا نريد نحن، وقد عدنا إلى ما قبل 1982، أن نحدث اي خلل في العلاقة معهم”.
كان هذا محور حديث “المجتمعات” في تلك اليام، فقد كانت البلدة لا تزال تعج بالمهجرين من قرى شرق صيدا والإقليم الذين هربوا من منازلهم السنة الماضية بعد خروج الاسرائيليين من هناك، وكانت الدولة أرسلت لواء من الجيش ليحمي المواطنين ويمنع التعديات، ولم يصمد هذا اللواء ساعات فقد تحول إلى ميليشيا هاجمت مع جماعة “شعبان” وما تبقى من الفلسطينيين وجماعات الشيعة وعلى رأسهم حركة “أمل” في شرق صيدا وجماعة “جنبلاط” في الأقليم، هاجموا القرى فهرب سكانها إلى منطقة جزين والمنطقة الحدودية، حيث أمكن استيعابهم في البيوت واستقبالهم كأهل ريثما يتم حل مشكلتهم. لكن شريف رفض هذه المخاوف وأصر على أن تقام الأحتفالات كما في كل سنة وأشار حتى إلى دعوة الاسرائيليين لحضور الاحتفال، ولم لا فإذا كانوا قد أمروا باغلاق المكاتب ووقف النشاطات الحزبية، وتلك خطوة قد يفهم منها أنها تمنع زيادة التفرقة والاختلافات كما يحصل في المناطق اللبنانية الأخرى، فلماذا يمانعون من اقامة الاحتفالات على مستوى القرية ككل وباشراف اللجنة المدنية التي تنسق شؤون الناس معهم، “ونحن نعرف ، اردف شريف، اهتمامهم بتذكر الكوارث والبطولات، وقد تركوا في كل زاوية من بلادهم نصبا يذكر بحدث مهم وفي كل مدينة كبرى متحفا “للكارثة والبطولة”، وهي مأساة شعبهم مع النازية، فهل يمكنهم أن ينكروا علينا حقنا في ذلك”؟.. ” ولكن، أكمل شريف، من الأفضل وضعهم بالصورة، ولا أعتقد أنهم يمانعون”. فتم القرار على أن يذهب ابو مارون وأبو جورج إلى مكتب الادارة المدنية، “لدعوة الكولونيل حاييم للمشاركة بالاحتفال”، وليس كأنه طلب إذن، ولا يجب فسح المجال للتساؤل حول الموضوع، فنحن لسنا بحاجة إلى إذن للقيام بتكريم شهدائنا. ثم تغيير الموضوع إذ حضرت القهوة وفتح باب الحديث عن “السكري” والقهوة المرة والسيجارة، وكان شريف قد ألف جمعية مقاطعة الدخان في البلدة، وقد أخذ قرارا بأن لا يقدم الدخان لضيوفه، وكانت تلك قضية صعبة على ابو مارون الذي يحب الأصول والواجبات، ولا يريد أن يمس أحد سمعة شريف لكونه لم يضيفه سيجارة، وكانت هذه تعتبر إهانة في تلك الأيام. ثم حضر بعض الزوار ومن بينهم “ابو جوزيف”، وكان “ابو جوزيف” من المدخنين وقد سمع بأذنه تعليقات شريف حول الموضوع فلم يجرؤ على طلب سيجارة أو حتى التدخين من علبته. وبقيت “الجمعة” أكثر من ساعة وقد نوقشت فيها مواضيع شتى، وكان كلما حضر شخص جديد يعاد السؤال عن “القضية” ويشرحها شريف بشكل آخر بشارك به البعض بتعليق من هنا وتذمر من هناك. ثم طرح أبو جورج موضوع “اللوز الفرك”، وكان قد أحضر ستين نصبة من “الجش” حيث يسكن أحد أقاربه، الذي شجعه على هذا المشروع وأقنعه بأنه افضل من الزيتون “شجرة البلدة”، فهو “يطعم” بعد ثلاث سنوات ويمكن بيعه أخضر وفرك ويابس ويحمل في كل سنة، لا كالزيتون الذي يحتاج إلى عشر سنوات ليطعم ثم يعطيك مرة كل سنتين، ودار جدال حول الزراعة وشؤونها بين مدافع عن الزيتون ومهاجم له، ودخل دور الري والأرض “الخفيفة” والأرض القوية والعناية وخاصة الفلاحة أو عدم الفلاحة والسوق وتصريف الانتاج وتطرق الحديث حتى إلى موضوع “النجاسة” عند الجيران، وقد ظهر تناقض كبير في طرح المواضيع عند أطراف الجدال يعود سببه إلى أن أغلبهم لم يكن يعمل بالحقل وقد اكتفوا بالوطيفة حتى أصبحت الزراعة شغلة الذي لم يستطع أن يتوظف بسبب نقص ما ، إما في “الواسطة” وإما في العلم وإما لقلة طموحه، ولذا فبعد الرعيل القديم “بارت ” الأراضي وخف عطاؤها وقل عدد السكان في القرية وعدد العاملين بالأرض وأضحت تلك القرية، التي كانت تملك آلاف الدونمات المزروعة زيتونا وكروما كانت تملأ الأرض خيرات، أضحت خالية من الفلاحين ولا يرى فيها فدان للفلاحة أو بقرة للحليب أو حوض نعناع، وكانت، لولا الحرب، فرغت إلا من بعض العجائز والمقعدين. ولقد كان هذا هم شريف، منذ نهاية الحصار الذي كان مفروضا على القرية من قبل الفلسطينيين وأعوانهم، أن يعيد اليها النشاط الذي يحييها، فانغمس هو نفسه بالعمل الزراعي، وكان يقول، إننا ربحنا الجزء السهل من الحرب، وهو البقاء، ولكن الأهم منه هو الاستمرار، ولذا فيجب أن نعطي جهدا، كالذي أعطيناه في الحرب، للإنتاج وتفعيل الطاقات والتعلم من خبرة جيراننا الاسرائيليين، فالتعلق بالأرض رهن بالعاملين بها حيث تكون راس مالهم الأساسي ومحور اهتمامهم، فلن يستطيع فلاح أن يحمل أرضه على ظهره ويرحل، وعليه أن يقاتل في سبيلها، هذا ما صنعه أهلنا في الماضي وما شعرنا به في هذه الأيام، ولكن الحرفة أو الشهادة أو الوظيفة يمكن أن نأخذها ونهرب حتى بدون حقائب. ولقد كان هذا هو الفرق دائما بين سكان الأرياف والمدن، بين الفلاح الماروني في جبل لبنان والتاجر الذي سكن الساحل. وهؤلاء المتعلقون بالأرض المتجذرون معها في كل رواح ومجيء هم الصانعون لمصيرها المدافعون عن حريتها الصائنون لكرامتها والضامنون لمستقبلها.
وقد كان شريف ربى ابقارا حلوب في مزرعة أنشأها لهذه الغاية وحدثها فأدخل الآلات إليها واقتنى جرارا زراعيا ثم حصادة آلية وصار عنده دورة انتاجية شبه كاملة، فهو يربي الأبقار ويبيع الحليب في البلدة ويعلفها من إنتاج الحقول التي يزرعها ويغزي الحقول بسمادها وقد تشارك مع عدد من الرفاق لتكبير المشروع وزيادة المتعلقين بالأرض والقرية وحذا حذوه آخرون فزاد العمل والاهتمام وصارت الزراعة حديث القرية ولو متأخرة. ولذا فقد كان الجميع يحب أن يتحدث عن منجزاته الزراعية واهتمامه بها خاصة حيث يكون شريف، من هنا كانت إشارة ابو جورج لنصبات اللوز التي أحضرها من “الجش” وفتحت الموضوع الزراعي.
كان “أنطون” قد دخل قبل قليل وسلم على شريف وتناول كرسيا من المطبخ جلس عليه، فلم يرد أن يوسخ فرش الصالون برائحة الزبل، وقد أتى من المزرعة ليحضر الحليب ويسلم على شريف. فقد كان دورهم في هذا اليوم من كل اسبوع، وكان “أنطون” يدير المزرعة هذه السنة، وهو المسؤول عن الأبقار وإنتاجها يساعده “مارون” في التنظيف والرعاية بعض الأحيان. وقد كان لكل زبون يوم في الأسبوع يأخذ سطلا من الحليب يكفي للشرب وصنع اللبن واللبنة. جلس “أنطون” مستمعا، فشرب القهوة ولم يشارك بالحديث إلا حين تطور الجدل حول أهمية الفلاحة، وكان “أنطون” فلاحا ابن فلاح يعرف كيف “يدير” الأرض وكان لا يزال صغيرا بعد حين غدا يفلح مع جده وابيه، وبالرغم من أنه سافر إلى الخليج، مثل كل الشباب في حينه، وعمل بورش الدهان ثم بدأ يلتزم ورشا لحسابه، فجمع بعض المال، لكنه عاد إلى القرية وشارك بالمشروع الزراعي مع شريف، وقد استلم في السنة الأولى الجرار الزراعي وفلح نصف “أرض الملك”، وقد ظهرت خبرته في الفلاحة على الفدان في كيفية توجيهه للأرض وعملية فلاحتها على التراكتور، وقد شهد له “أبو تريز”، وهو وكيل الوقف الذي يعرف بإدارة الأرض واصول الفلاحة، وقد كان من المدافعين دوما عن الفلاحة بأنه لا بديل لها بالنسبة لخصب الأرض، وكان “أنطون” يستمع عندما تكلم “أبو جوزيف” عما سمعه في إذاعة اسرائيل في البرنامج الزراعي وفي التلفزيون الأردني عن الأدوية التي تغني عن الفلاحة، فتصدى له مدافعا عن أهمية الفلاحة ومستشهدا بكلام ل”أبو توفيق”. وكان “ابو توفيق” مزارعا أصيلا من بقايا الرعيل القديم. فقد تجاوز الثمانين من العمر ولا يزال على نشاطه إذ قلما يبزغ الفجر قبل أن يصل هو إلى الحقل وقلما يرجع قبل أن يكون الليل قد حل. كان “ابو توفيق” وحيدا بين اربع بنات وقد قتل والده في مشكل عائلي في القرية وهو لم يزل صغيرا، ولم يكن قد ترك لهم الوالد ما يسد الحاجة، فواظب على العمل في الحقل مع والدته وأخواته حتى اصبحت حقولهم مضرب المثل في الترتيب والدقة ووفرة الانتاج، فأجمل الأراضي على الاطلاق يجب أن تكون له. وقد اشترى بالعرق والجهد ما أراد من الأرض ورتبها بدقة المهندس فلا ترى عنده سلسالا مهدما أو “ربعة” غير مشغولة ولم يكن ينصب أشجاره إلا على الخيط ولم يشارك التراب، في أي من أراضيه، صخرة أو حجر، وتراه يركب دائما حمارا عاليا يحمل في خرجه عدة العمل. كان أبو توفيق بلغ أشده في السنين الأخرة، ويوم زار الطبيب السنة الماضية وصوره بالأشعة سأله الطبيب عن نوع عمله، ولما أخبره ابو توفيق بأنه يفلح وينكش ويحصد ويعمر سلسالا من هنا ويقلع حجرا من هناك اشار عليه الطبيب بالمداومة على العمل نفسه لأنه قد يموت فور توقفه عنه فعنده فقرتان ذائبتان في اسفل الظهر وإثنتان مشعورتان وهو يعتقد بأن العضل هو الذي يحمل جسمه وليس العظم وهذا يعود إلى مواظبته على العمل بشكل دائم. وكان يزرع من كل شيء فيمتلىء بيته ويبيع مما فضل وكثيرون كانوا يقاطعون عنده على الزيت مثلا لأنه كان ينقي زيتونه حبة حبة قبل عصره. ولم يفرق مرة بين ما يبيعه وما يأكله. لذا فإن الاستشهاد بأبو توفيق أعطى أنطون قدرا اكبر من المصداقية في الحديث. وأخيرا انحل العقد وخرج الجميع فقد دخل سامي وأبلغ شريف بأن الجنرال سيأتي إلى بنت جبيل ويريد أن يراه، فهو مساعده، وما أن وصل أبو جوزيف إلى الباب حتى تناول سيجارة من علبته واشعلها قائلا لأبو مارون:
– حششنا كعمي… شو هيدا؟.
خرج شريف مع سامي وتوجها إلى بنت جبيل حيث كانت قيادة المنطقة الغربية وقد مرا أمام الكنيسة وكان عناصر الكشاف ينظفون ساحتها وحول قبر الشهداء بينما فرسان العذراء ينظفون الكنيسة وقاعة الاحتفالات. كانت الكنيسة تبدو بارتفاعها من جهة الشارع وضخامة حجارتها وبنيانها عملا جبارا يدل على عظمة هؤلاء الفلاحين الذين بنوها بالعونة، وأكملوها بالرغم من توقيف العمل بها مدة ثماني عشرة سنة بأمر من الأتراك، وهي في مقاساتها من أكبر الكنائس في القرى اللبنانية وقد استند سقفها المثلث العقد على صفين من الأعمدة يبلغ قطر واحدها ثمانين سنتم. وإرتفاعه ثمانية أمتار ينتهي بتاج روماني النسق وقد كان سقفها مطليا بالأزرق كلون السماء تزينها نجوم ذهبية وقد بقي الصليب الماروني تتوسطه حمامة الروح القدس مع أماكن الرصاصات تحت جناحيها تذكر بتلك الحادثة في الخامس من ايار سنة العشرين…

**************
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة التمهيد والحلقة الأولى (طريق البحر) من كتاب الكولونيل شربل بركات “المداميك”
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الثانية
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الثالثة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الرابعة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الخامسة

*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الأولى
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الثانية
* ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الثالثة