المخرج يوسف ي. الخوري/ألفرد ماضي: كان فيك ما تؤرُط سطل الحليب لبطا

518

ألفرد ماضي: “كان فيك ما تؤرُط سطل الحليب لبطا!”
المخرج يوسف ي. الخوري/24 آب/2020

لا شكّ في أنّك كنت أمس متماسكًا في حديثك عن رفيقك بشير الجميّل، في حلقة “حلم الجمهوريّة” على شاشة الـ mtv. ولا شكّ أيضًا في أنّك أوحَيتَ بالثقة في معظم ما تكلّمتَ به، إلّا أنّك أخفقت في مقاربتك عمليّة 7 تمّوز 1980.
ردّدتَ خلال الحلقة، أكثر من مرّة، أن عمليّة 7 تمّوز التي قام بها حزب الكتائب بقيادة بشير، ضدّ نمور الأحرار، كانت ضروريّة، إذ كان الوضع قد أصبح في المنطقة الشرقيّة لا يُحتمل. وفي سياق كلامك، رتّبتَ تعابيرَك بالشكل الذي يُصوّر شباب النمور كأعداء، داخل الصف المسيحي، لا بدّ أن يتمّ التخلّص منهم وإلّا تعرّضت القضيّة للانهيار، لاسيّما أنّكم توقّعتم، في الكتائب، أنّ يرتفع عدد القتلى كثيرًا جرّاء الصدامات المتتالية بينكم وبين النمور.
سيّد ماضي،
أنا من بلدة الصفرا التي استهدفتها عمليّة 7 تمّوز، وأجزم جزمًا حاسمًا أن كلامك الذي سبق غير صحيح! فبين العامين 1975 و1980 مثلًا، اشتبك الكتائب مع نمور الصفرا مرّات عدّة، حيث بلغ عدد القتلى من الطرفين ومن الأبرياء، 19 (تسعة عشر) قتيلًا في 5 (خمس) سنوات. أتعرفُ يا سيد ماضي كم بلغ عدد الضحايا الأبرياء في ذلك اليوم المشؤوم جرّاء هجومكم على الصفرا وحدها؟ أنتم اعترفتم بـ 150 (مئة وخمسين)… جريدة السفير عنونت 570 (خمسمائة وسبعين) قتيلًا!! وكان الأصح أن تقول الصحيفة “ضحيّة” وليس “قتيلًا” لأن أكثر من 90% من الذين سقطوا في 7 تمّوز ليسوا من النمور!
امّا عن زعمك بأنّ نمور الأحرار كانوا سيعرّضون القضية للانهيار، فهذا مُعيب بحقّك وبحقّ المقاومة اللبنانية، إذ هؤلاء النمور خاضوا أشرس المعارك وأقواها ضد الفلسطينيّين، وهم كانوا رأس الحربة في تحرير شكّا بعدما اجتاحها الفلسطينيّون على غفلة، وهم حرّروا تل الزعتر والضبيه، وأمسكوا بالجبهات الأماميّة من الحدث إلى عين الرمانة وصولًا إلى السوديكو.
في الحقيقة، لولا وَعِي الرئيس كميل شمعون في يوم 7 تموز، وتجاوزه عمليّة الغدر الكتائبي ضد نمور الأحرار، لكانت القضية تعرّضت بالفعل للانهيار! قبول الرئيس شمعون التضحية بالنمور، الذراع العسكري لحزبه الأحرار، هو الذي حافظ على وحدة الصف المسيحي، وأعطى المعنى الإيجابي لشعار “توحيد البندقيّة المسيحيّة”، وليس تهوّر بشير في ارتكاب ما ارتكبه في الصفرا!
باختصار، سيّد ألفرد، عمليّة 7 تموز ما كانت إلّا ترجمة لطموحات بشير الجميّل للسيطرة على منافسيه الأقوياء في المناطق الشرقيّة، كي تخلو له الساحة للترشّح إلى رئاسة الجمهورية. والبرهان، بعد شهر واحد من العملية، وفي 6 آب، التأمت في “مجمّع الهوليداي بيتش” بأنطلياس، لجنةُ الدراسات الاستراتيجيّة المحيطة ببشير، وقرّرت إعداد دراسة لاستيلاء بشير على السلطة الشرعيّة في لبنان.
أعذرني سيّد ماضي، حتّى بشير، هو مصاب بلوثة الموارنة للوصول إلى الرئاسة الأولى، وصحيح، كما أنت قلت، أنّ بشيرًا لم يتجاوب مع طلبات الإسرائيليّين خلال اجتياح العام 1982، لكنّ موقفه هذا لم يكن نابعًا من إرادة وطنيّة بحتة، بل بدافع إرضاء المسلمين لنيل أصوات نوّابهم في انتخابات الرئاسة. فإن لم يكن الإسرائيليّون قد “أبّوا باط” لاغتيال بشير، كما أنت أكّدت، فإنّهم أيضًا لم يحموه، ولا تنسى أنّ عملية الاغتيال جرت في برهة من الزمن، كان بشير ممتنّعًا خلالها عن التواصل مع الاسرائيليين بسبب ما حصل في اجتماع نهاريّا. هذه هي الحقيقة الأهم التي كان يجب عليك إطلاع المسيحيّين عليها اليوم بالذات، لأنّ شيئًا من صراعاتهم على كرسي الرئاسة لم يتغيّر، وهم مستعدون للتضحية بالوجود المسيحي في هذا الشرق، وبتسليم لبنان لإيران وحزبها الإلهي مقابل الوصول إلى الرئاسة. ولكي نتعلّم من ماضينا القريب، ونبقى، كان عليك سيّد ماضي، إجهار هذه الحقيقة المُرّة وألّا تُشوّهها “وتؤرط كل اللي حكيتن بالحلقا لبطا”!
حول حلقة “حلم الجمهوريّة”،
سواء عن قصد أو غير قصد، أصابت الـ mtv بسهامها أكثر من هدف ثقيل من خلال هذه الحلقة! فبسهم الرئيس بشير القوي أصابت “بيّ الكل القوي”. وبسهم “حلم الجمهوريّة” أصابت “الجمهوريّة القويّة”. وبسهم شعارات البشير السياديّة والوطنيّة أصابت “الجندي الصغير” في ولاية الفقيه. وبسهم الحزم البشيري أصابت دولة سماسرة ما بعد الطائف. إلا أنّ كل هذه السهام الصائبة تخدم في الدرجة الأولى محطة الـ mtv، لاسيّما في مواقفها العلنيّة الواضحة ضدّ السلطة وفسادها في الآونة الأخيرة! أمّا في مضمون الحلقة، فرفيقا بشير في النضال، أنطوان نجم وألفرد ماضي، تليا علينا أخبارًا هي بالإجمال معروفة إلا مِمَّن لا يقرأ من الجيل الجديد، وكنت أتوقّع منهما أن يتقدّما بقراءة تقييميّة عميقة لمسيرة بشير نحو السلطة وتحرير لبنان. مقاربات الأب جورج حبيقة الفلسفيّة حول شخصيّة والتزام بشير كانت صائبة وجوهريّة، إلا أنّه كان ينقصها شيء من العفوية والبساطة كي تصل إلى شريحة أوسع من الناس. المحلّلة الدكتورة نادين كرم كانت بحت علميّة، وشابَ قراءاتها للغة جسد بشير بعض الترداد في نفس الفكرة، إضافة إلى أنّها حدّدت شخصيّة بشير من خلال لغة جسده في اثنين أو ثلاثة من خطاباته، وهذا لا يجوز، إذ لا يُمكننا من خلال لغة الجسد أكثر من استنتاج الوضع النفسي والأخلاقي للمتكلم في الوقت الذي يتكلّم ويتفاعل فيه، خصوصًا أنّ هذا الوضع قد يتغيّر في ظرف آخر. في الواقع دور الدكتورة نادين لم يكن ذا معنى في الحلقة، وكلامي هذا لا يمسّ بمهنيّتها، إنّما هو إشارة إلى خطأ أساسي ارتكبه فريق الإعداد التلفزيوني، إذ ليس بالأمر السوي الحكم على شخصيّة قائد بعد أربعين سنة على وفاته، من خلال لغة جسده، خصوصًا أنّ لهذا القائد مواقف وأفعال كادت تُغيّر تاريخ لبنان، وهي كافيّة لتعرّف به.
بالرغم من أنّي متأكّد أنّ حلقة “حلم الجمهوريّة” ستلقى صدى واسعًا وقويًّا في الأوساط اللبنانية لاسيّما المسيحيّة منها، لا بدّ ان أشير إلى أنّ الحلقة ينقصها الرأيّ الآخر، وهذا أمرٌ بديهي ما كان يجب أن يتجاهله فريق الإعداد، كي لا تقع الحلقة في الرتابة وتصبح حفلة مديح وتبخير، وبشير ليس بحاجة للمديح والتبخير.
أخيرًا، أقرّ وأعترف أنّي كنت أتابع الحلقة بكثير من الاهتمام، وأنّ الحلقة بالإجمال ناجحة، لاسيّما في توقيتها وفي رمزيّة جامعة الكسليك حيث تمّ تصويرها، ويبقى رأيي فيها مجرّد رأي ناقد لن يغيّر شيئَا على صعيد صدمة الأمل الإيجابية التي أعطتها للبنانيّين المؤمنين بلبنان.