الكولونيل شربل بركات/فلترقد بسلام نازو بعد هذه الرحلة الطويلة من العطاء

87

فلترقد بسلام نازو بعد هذه الرحلة الطويلة من العطاء
الكولونيل شربل بركات/08 آب/2020

يوم احتاج لبنان لمن يقف بكل جرأة بوجه المتطاولين على حرية بنيه، كنت من الأوائل، وحملت السلاح بكل شجاعة للدفاع عن ترابه. لم تهب الموت فهرب من أمامك، وهو الذي هدد الكل وضرب بدون رحمة.
جمعتنا الأيام القاسية بكل مشاكلها، والظروف الصعبة بكل مآسيها. ولم تكن متهاونا وقد قدمت على مذبحه بدون تردد. وكان جرحك في يوم البطولة في قنات كبيرا. ولم تتراجع بالرغم من هذه الجراح العميقة. ولا فتر الحماس عندك. فالمعركة بين لبنان وبقائه تطلبت هذا الكم من العطاء، فلا تمييز بين الرفاق والأهل في التقدمة، ولا توقف مهما عظمت القرابين.
اختلفت المواقع بيننا وتنوّعت طرق العطاء ولكن مصلحة أبناء هذا الوطن والذود عن ترابه بقيت وحدها ملهما، فجمعتنا الظروف في أماكن كثيرة تعددت فيها الوسائل ولم تختلف الأهداف. وكانت محاولة لملمة الأشلاء والنهوض من الضربات المتتالية بعد سقوط البشير وتسارع الهبوط، حوافذ دفعتنا للتعاون بشكل مستمر خلال فترة حرجة من تاريخ لبنان ومقاومة مسيحييه لمشاريع التفتيت والتهجير.
ومرة أخرى كان كل ما بنيت ينهدم تحت ضغوط كبرى، ولكنك حاولت، حتى النهاية، أن تبقى بجانب من وثقوا بك وتعاونوا معك. ولما فرض القتال بين الأخوة تركت الساحة مرغما. فلم تكن رؤيتك ولا هدفك تقسيم الطاقات. ولم تكن المدرسة التي تعلمت الوطنية فيها، ولا القرابين التي قدمتها على مذبح الوطن، تقبل بذلك. فرحلت…
ودارت الأيام على الكل. وجمعنا الوطن البديل. وبالرغم من المسافات والزمن، وتغيّر الظروف، وسقوط بلاد الأرز تحت ثقل الاحتلالات، وهي التي دفعنا في سبيلها الغالي والنفيس وزهرة العمر، كان أول اتصال بيننا بصيص من نور أعاد بعض الحياة إلى تلك الآمال التي بنيناها. وبدأت مرحلة جديدة ولو صعبة للملمة الأشلاء والعودة إلى ساحة النضال الفكري والتنطيمي هذه المرة.
ولكن قدر الأبطال ومهما تغيرت الظروف يبقى واحدا. وكما أعدت الاعتبار للكثير من الرفاق الذين عملوا بصمت وضحّوا بدون تردد، فأضأت من موقعك الجديد على هذه التضحيات، خاصة مع كمال لسنة خلت وجوسلين قبل ايام، ها هو إكليل الغار يتوّج هامتك اليوم في أكبر قدر من العطاء تدفعه بيروت مجددا قربانا نفيسا على مذبح هذا الوطن الذي نعرف قيمته أكثر كلما عظمت التضحيات وكبرت التقادم من أجله.
فلترقد بسلام نازو بعد هذه الرحلة الطويلة من العطاء والتي لم تغب فيها ابتسامتك المطمئنة، ولا جهدك وعملك الطويل، ولا فكرك النير الذي أعاد الثقة بالمؤسسة التي عملت لها وسقطت وأنت تحاول أن تعيد بريقها.
نم قرير العين أيها الرفيق فلبنان، الذي حلمت به ودافعت عنه وقدمت من أجله الغالي والنفيس، سوف يقوم من رماده كطائر الفينيق، بالرغم من الظلم الذي يغلفه والحقد الذي ينفثونه من حوله، لأنه هيكل مقدس تقبل فيه التضحيات، وتحترم فيه البطولة، وتقدّر المواقف.
احمل سلاماتنا للبشير وكل الرفاق. وليكن عطاؤك هذا، الذي جاء مع مئات النفوس البريئة والتي ترافقها عيون الثكالى ودعوات المحزونين، أخر القرابين. وليشرق فجر جديد يعيد لهذا الوطن كرامته، ولهذا الشعب العنيد، والمصر على التكاتف في وجه كل كارثة، الثقة بالمستقبل.
رحمك الله وأسكنك مع الأبرار والصديقين…