المخرج يوسف ي. الخوري/إلى “الحقير” البطريرك مار بشارة بطرس الراعي

8060

إلى “الحقير” البطريرك مار بشارة بطرس الراعي…
بقلم المخرج يوسف ي. الخوري/20 حزيران/2020

لا أعرف، ولا أريدُ أن أعرف ما إذا كان الدستور اللبناني يحرّم التعرّض للمقامات الدينية، فأنا اليوم لا أخاطبك لِكَوْنِك رأسَ طائفتي المارونيّة، بل لكَوْنِك مواطنًا لبنانيًّا ورِثتَ مجدَ لبنان عن أسلافك البطاركة العظام، ولم تُثبت بعد أهليّتك لحيازة هذا الإرث. ولأنّ رسالتي الحاضرة هي موجّهة من لبناني وطني (أنا) إلى مواطن لبناني (أنت)، سوف أُسقط فيها ألقابك الكارديناليّة والبطريركيّة، إذ يُحرّرني هذا الأمر من قيودي المارونيّة وأنا أتكلّم معك.

سيّد بشارة،
في عِظاتك وإطلالاتك الأخيرة، تكرّر علينا نفس الكلام عن الثورة: “نحن مع ثورة 17 تشرين… مطالب الناس محقّة… نحن لسنا مع أعمال الشغب وقطع الطرقات…”، وفي إشارة إلى رفضك سلوك بعض الثوّار، لا تنفك تردّد عبارة: “على الثوّار أن يُحافظوا على وجه لبنان الحضاري”.

كلامك هذا، سيّد بشارة، “رمادي”، نصفه يُرضي الثوار، ونصفه الآخر يُرضي السلطة! أمّا في ما يخصّ وجه لبنان الحضاري، فلي فيه رأيٌ آخر.

إذا كنتَ مع الثورة، فعليكَ بالثورة كما هي من دون تشرّط: بشبّانها وشيبها؛ بطائفيّتها وعلمانيّتها؛ بزعرانها وأوادمها؛ بسلمها وعنفها؛ بضعفها وقوّتها؛ بوجعها وغضبها… عليك أن تقبل بها بكل تناقضاتها وتقلّباتها، إنّها كمجد لبنان الذي أُعطِيَ لك، لا تتجزّأ!! إنّها كالإيمان بالله، عزّ وجلّ، لا تقبل الشكّ ولا المراوغة!!

أعذرني سيّد بشارة، بمقاربتك واقع الثورة، أنتَ أكثر قربًا إلى السلطة المتحكّمة بعِباد لبنان، من قربك إلى الثورة، وما اتّهامك هذه الثورة بتشويه وجه لبنان الحضاري، إلّا كلام باطل يُراد منه “وجهٌ حق”، خدمةً لِمَن يُذلّون شعبي الثائر، وتعميةً على أفعالهم المشينة التي انتهت بتجويع أمّة لبنان وسَرِقة جنى أعمار أبنائها!

بأيّ شيء يتشوّه وجه لبنان الحضاري؟
أبالطرقات المقطوعة؟
أبالدخّان الأسود المتصاعد من الإطارات المشتعلة؟
أبتكسير بعض ماكينات الصرف الآلي وواجهات البنوك والمحال التجارية؟ أبمواجهة الثوّار الغاضبين لقوى القمع بالحجارة؟… لا يا سيّد بشارة!

لو كان ما ذُكِر يشوّه فعلًا وجهَ لبنانَ الحضاري كما أنت تدّعي، لَمَا بقيت أمريكا الرائدة بين كل ديمقراطيّات العالم الحرّ، بعد أعمال العنف والشغب احتجاجًا على مقتل “جورج فلويد” خنقًا برِجْل شرطي أميركي. ولَمَا بقيت باريس عاصمة الجمال والإبداع بعد احتجاجات أصحاب “الصداري الصفراء” وما افتعلوه من تخريب بممتلكات الناس.

وجه لبنان الحضاري يتحقّق حين يُصبح الحكّام في لبنان خدّامًا للشعب. حين يأبوا أن تتدخل أي سلطة أجنبيّة في شؤونهم الداخلية.
حين تعلّم المدارسُ الإستقلالَ وعزّة النفس قبل أيّ علوم أخرى.
حين تربّي الأمهات أولادهنّ في جوّ من الإخاء والحريّة، ولا تعوّدنّهم التبعيّة والجبانة.
حين لا تُكرَه فتاة لبنانيّة على الإقتران برجلٍ لا تحبّه. حين تسنّ الحكومات اللبنانيّة قوانين تحرّر العلماء، والمفكّرين، وأرباب الفنون، من قيود المصلحة وهموم الإرتزاق.

سيّد بشارة،
كما ترى، فإنّ وجه لبنان الحضاري يتجسّد أوّلًا في الإنسان اللبناني. أمّا وقد أمعنت الإقطاعيّة السياسيّة، والمذهبيّة العمياء، والتحزّبات، في ضرب صورة الإنسان اللبناني على مرّ عقود طِوال، فتكون هي السبب في تشويه وجه لبنان الحضاري وليس الثائرين.

فإذا تعمّقتَ في جوهر مطالب الثورة، تجدُ أنّها قامت لإستعادة كرامة الإنسان اللبناني، وعيشه الحرّ، بعدما أصبح ألعوبة في أيدي الحكّام الذين أشحذوه فـتات موائدهم، وكسروا إباءه وعزّته، وأمعنوا في تخويفه من الآخر اللبناني، كي يبقى تابعًا لهم وناشِدٍا حمايتهم.

ليس هذا وحده ما شوّه ويشوّه وجه لبنان الحضاري، سيّد بشارة. هناك أكثر!

كان لبنان “جامعة الشرق الأوسط” وملهم المعرفة والفكر على مساحة الشرق الأوسط. جامعاته اليوم واقعة في دَرْكٍ سحيق، مناهجها في تراجع، أهدافها تجارية بحتة، وبالرغم من ذلك، بعضها أعلن إفلاسه، وما تبقّى على الطريق…

لبنان الذي كان “مستشفى الشرق العربي”، ترزح مستشفياته تحت عبء عدم قبضها مستحقّاتها من الدولة (وزارة الصحّة) والضمان الإجتماعي. أضحت اليوم براء من صفة “الطب رسالة إنسانيّة”، فالمواطنون الفقراء يموتون على أبوابها لعجزهم عن تسديد فاتورة الدخول (مبلغ التأمين). الأخطاء الطبيّة حدّث ولا حرج، ولا مَن يُحاسب…

كان لبنان “خزينةً” لودائع نقدية من جميع أنحاء العالم. بنوكه أساءت الأمانة. سرقت ودائع الناس، اللبنانيين والأجانب. هرّبت الأموال الصعبة إلى خارج الحدود. أصبحت اليوم “حراميها بعدما كانت حاميها”…

العدالة في لبنان منقوصة. تطبيق القوانين القضائية معدوم. السياسيّون يتدخّلون مع القضاة. الرشاوى تنخر الجسم القضائي. الأحكام تصدر متأخرة، وأحيانًا بعد أن يكون المتّهم قد أمضى فترة في السجن أطول من فترة عقوبته الفعليّة…

عبر كلّ تاريخه، كان لبنان ملجأً لطالبي الحرية. صار لبنان اليوم سجنًا للحريّات العامة. لا حرية تعبير، ونظام بوليسي من تركة الاحتلال السوري. لا تمثيل صحيح بل قوانين إنتخابية نتائجها محسومة سلفًا.

تجسّس على الإتصالات. رقابة “غبية” على الإنتاجات الثقافية والفنية، إعلام ممسوك، وإنتاج ثقافي موجّه…

أيُعقل، سيّد بشارة، أن تغفل عن كل ما أساء به السياسيّون إلى وجه لبنان الحضاري، بالتكافل والتضامن مع البنوك وحزب السلاح الإلهي، لتحصرَ تشويه هذا الوجه بثوّار غاضبين شاغبوا بالحدّ الأدنى لإيصال صوتهم؟

أيُعقل أنّك، لغاية اليوم، لا زلتَ تتواصل مع جميع هؤلاء الذين دمّروا لبنان، ويسيرون به نحو المجهول، ولم تُعلن بعد موقفًا أدبيًا منهم ولم تقاطعهم؟ أنت فعلًا تتخلّى عن مجد لبنان.

انتهى الآن كلامي معك باعتبار أنّك مواطن لبناني، ومن هنا، سأعاود التوجّه إليك بصفتك بطريرك أنطاكية وسائر المشرق.

صاحب الغبطة،
كلام بطريرك الموارنة يكون نعم نعم أو لا لا. إمّا تُعلن وقوف الكنيسة المارونية مع الثورة المحقّة، وإمّا تبقى في كنف السلطة الغاشمة.

بطريرك الموارنة لا يحمي مَن سرق الشعب اللبناني وأذلّه، لمجرّد أنّ هذا السارق هو ماروني، والمنصب الذي يشغله هو من حصّة الموارنة!

بطريرك الموارنة لا يدلي بمؤتمر صحفيّ يُبيّن خلاله للعامة بالأرقام، حجم المساعدات التي قدّمها لشعبه؛ بطريرك الموارنة لا تعرف يسراه ماذا صنعت يمناه.

بطريرك الموارنة لا يقبل تشكيل لجان للتفاوض مع شيعة لاسا الذين اغتصبوا أرضه، بل يخبط عصاه بالأرض ويفرض على المعنيّين والمسؤولين إعادة أرض الموارنة لأصحابها فورًا، ولا يتراجع!

بطريرك الموارنة لا يُهادن ولا ينام، بينما هناك لبنانيون نُفوا ظُلمًا إلى إسرائيل ولم يعد أحد يتكلّم عنهم!

سيّدنا صاحب الغبطة،
حافظ لنا على مجد لبنان، ودعِ الثوّار يستعيدون وجه لبنان الحضاري.

في اليوم السابع والأربعين بعد المائتين لانبعاث الفينيق.
(ملاحظة: المقطع عن وجه لبنان الحضاري مستوحى من “المدينة العُظمى” للفيلسوف أمين الريحاني)

توضيح وملاحظة من ناشر الموقع: مفردة الحقير المستعملة في المقالة التي في أعلى بين مزدوجين هي انجيلية صرف وتعني المتواضع.. والبطريرك الماروني منذ القّدم يضع هذه المفردة قبل اسمه ورتبته الكنسية