يوسف ي. الخوري/حصّةٌ الـ “شيعة شيعة” في الثورة محفوظة، لكن لمَن حقّ الإستثمار؟

106

حصّةٌ الـ “شيعة شيعة” في الثورة محفوظة، لكن لمَن حقّ الإستثمار؟
بقلم المخرج يوسف ي. الخوري/13 حزيران/2020

بعد ثمانية أشهر من الفُراق بين الثوّار من جهة، وشيعة أمل وحزب الله من جهة ثانية، عاد هؤلاء الشيعة، أوّل من أمس، لينضمّوا إلى الثورة في مناطق بيروت هاتفين: “إسلام ومسيحيّي، وحدي وطنيّي”.

مع ظهور هذه الحركة الشيعيّة (غير) المرتقبة، برز في الثورة مَن يعتبر أنّ انضمام شيعة أمل والحزب مجدّدًا إليها، من شأنه إعطاؤها دفعة قويّة، حتّى أنّ بعض الغيارى، ممّن أسمّيهم ثوّار “الأكُفّ البيضاء” و”الأحذية اللمّاعة”، صاروا يُشدّدون على حصر تحرّك ليلة 11 حزيران 2020، بالمطالب المعيشيّة وارتفاع سعر صرف الدولار، في إشارة إلى عدم التطرّق لسلاح حزب الله وإثارة “الضالّين الشيعة” العائدين إلى الثورة.

في موازاة موقف الغيارى هذا، شهد الشارع موقفًا مناقضًا يتخوّف من أن يكون حزب الله قد وضع اليد على الثورة، وأن يكون هو مَن أعاد تحريكها خدمةً لأجندته الخاصة.

برأيي:
ما حصل ليلة 11 حزيران لهو انتصار للثورة على كامل الصُعُد:

فإذا رجع شيعة أمل وحزب الله إلى الثورة من دون إيّ إيعاز من قيادتيهما، تكون هذه الخطوة نوعًا من التمرّد على تحالف الثنائي الشيعي المناهض للثورة، وبالتالي إنتصارًا للثورة.

أمّا إذا كانت عودتهم بتوجيه من قيادتي الثنائي لتحقيق مأربٍ ما على الساحة اللبنانية، كإسقاط الحكومة مثلًا، ففيها شيء من الإقرار بأنّه لم يعد بالإمكان تجاهل الثورة والإدّعاء بأنّها تشرذمت وانتهى دورها. فهذه الثورة التي “زعرنوها” مع حلفائهم العونيّين بتهمة رَكْبِها من أحزاب السلطة، و”شيطنوها” بتهمة “العمالة للسفارات”، هم اليوم ينضمّون إليها. فإمّا أمل وحزب الله هما زعران وشياطين مثل أبناء الثورة التي لجآ إليها بعدما كانا ينعتانها بالسوء، وإمّا هذه الثورة شريفة وبريئة من كل الإساءات التي وُجّهت إليها.

يصوّر البعض مشهد ليلة الخميس على أنّه إختطاف للثورة إلى حضن حزب الله. فالحزب هو أكثر المستفيدين من هكذا خطوة، إذ يضرب بحجر واحد أكثر من عصفور، وهو قد يكون مراهنًا على:
*أن يخجل الثوار من شيعة الحزب الذين انضمّوا فجأة إلى الثورة، فلا يعودون ليتطرّقوا إلى القرار 1559.
*الزيادةِ من ضغط الشارع على الحكومة ونَيل مكاسب ما منها أو إسقاطها.
*إبعادِ شبح المواجهة السنّية-الشيعيّة والشيعيّة-المسيحيّة في الشارع، فاختبار القوّة الذي أجراه الحزب يوم السبت الماضي 6-6-2020، أظهر أنّ الخوف من قوّته غير موجود، وأنّ لا طرف لديه الاستعداد للرضوخ له بسهولة.
*نَقْلِ غضب شعبه، جرّاء الأوضاع المعيشيّة الصعبة، من ضاحية بيروت الشيعيّة المُنغلقة على نفسها، إلى ساحة بيروت العامة، بغضّ النظر على مَن سينصبّ هذا الغضب في بيروت.
*أن يعمّق الشرخ داخل الثورة بين مَن يُريد توجيه السهام إلى سلاحه، ومَن يجد أنّ الوقت غير مناسب لذلك. فهكذا شرخ يصبّ في مصلحته.
لكن، هل بإمكاننا التسليم بأنّ الحزب إختطف الثورة، والتغاضي عن الإحتمال المعاكس؟!

لماذا لا تكون الثورة هي مَن تستغلّ حزب الله، وتتحصّن بفائض قوته لتنالَ مطالبها من السلطة الحاكمة؟ ولِمَ لا؟ صحيح أن عدم تدخّل الجيش اللبناني لضبط الثوّار ليلة الخميس 11-6، يترك شيئًا من الإرتياب حول عملية توافق بين الحزب والجيش لغض الطرف عن اشتعال الساحات! لكن ما الذي يدفع حزب الله إلى الإقدام على خطوة بهذا الحجم؟!

ألا يُمكن أن يكون قد استشعر حجم التململ داخل بيئته من الأوضاع المعيشية الصعبة، وأن الثورة بدأت تجذب جمهوره، فاستبق الأمور وأفتى لمناصريه بالنزول إلى الشارع والتعبير عن غضبهم في وجه السلطة المتحالف معها، عِوض أن يضطر هو إلى مواجهة غضبهم؟

إذًا، وفي المحصّلة، لحزب الله حسابات ومكاسب من تركه جمهوره ينضمّ إلى الثورة، ولو آنيًّا. وللثورة أيضًا مكاسبها من قبول هذا الجمهور في صفوفها، ولعلّ أهمّها يكمن في أنّ هذا الجمهور، الشيعي، هو في عمق صميمه، لبنانيّ، ومن مصلحة الثورة الاستفادة من أصالة معدِنِه وفتح الباب أمامه ليستطيع الحدّ من انجراره وراء مصالح ملاليّة إيرانية.

بدوره هذا الجمهور الشيعي، عليه أن يدرك أنّ انضمامه إلى الثورة يعني قبوله بها كما هي، وأنّه ليس بمقدوره تعديل مبادئها إرضاءً لتوجّهاته، لاسيّما تلك المتعلّقة بسلاح حزب الله والدعوات إلى تطبيق القرارات الدولية. وفي هذا الخصوص أيضًا، على العائدين الشيعة إلى الثورة، عدم تضييع وقتهم بالرهان على ثوّار “الأكفّ البيضاء والأحذية اللمّاعة” أصحاب مقولة الدَجَل: “الوقتُ غير ملائمٍ لطرح موضوع السلاح”، فهؤلاء خبثاء، لأنّهم من جهة يُظهرون علمهم بخطر السلاح على مستقبل لبنان، ومن جهة ثانية لا يُريدون طرحه من ضمن الثورة كي لا يُزعلوا حزب الله، فيخسَرون فرصهم في الوصول إلى مراكز في السلطة في حال بقي هذا الحزب ممسكًا بمفاصلها. إنّ هؤلاء طارئون ومتسلّقون، فتذاكيهم وطموحهم مكشوفان على الملأ وكفيلان بإسقاطهم وإسقاط العائدين إلى الثورة في حال انجرّوا خلفهم.

أمّأ القلقون على الثورة من “شرذمتها” بفعل حروب الشعارات والشعارات المضادّة، والمطالب المتناقضة والطروحات المتباينة، فقلقهم لزوم ما لا يلزم: إنّ قوة هذه الثورة في شرذمتها!

ولن يقوى أحدٌ على شرذمتها لأنّها أصلب من أن تتشرذم. فافهموها!!
في اليوم الأربعين بعد المائتين لانبعاث الفينيق…