يوسف ي. الخوري/للمراسلين والمراسلات، فاعلي الخير، للسياسيين

72

للمراسلين والمراسلات، فاعلي الخير، للسياسيين…

يوسف ي. الخوري/25 نيسان/2020

بدأت مسيرتي المهنية في مجال الصحافة، وكنت أتواصل باستمرار مع شخصيّات سياسية واجتماعية في لبنان والخارج، لتُفيدني بخفايا الأمور وتُبقيني على بيّنة من الحقائق.

ولأن الأباتي شربل القسيس رحمه الله، كان مُدركًا أن تردّدي إليه هو للاستفادة من معلوماته وخبرته كسياسي مخضرم، فاجأني يومًا بهديّة، كتاب فرنسي لِ Paul-Loup Sulitzer، عنوانه Kate، وقال لي: “لا بدّ وأن يقرأ هذا الكتاب أي صحافي يمارس النشاط الميداني”. Kate Killinger صحافيّة أميركية. القصّة المحوريّة في الكتاب تدور في الصين أثناء إعدادها تقريرًا عن الجيش الأحمر الصيني. قرأت الكتاب أكثر من مرّة وتعلّمت منه الكثير مما يطوّر عملي الصحفي، فَ Kate كانت شغفة بعملها فزادتني حبًّا بالصحافة، ومنها تعلّمت أساليب مختلفة للتحرّي الميداني، والحنكة في تقصّي المعلومات، والمحاورة مع المعنيين بالأحداث، وكيفيّة إعداد التقارير…

أن تقول اليوم لمراسل وسيلة إعلاميّة: اقرأ Kate لتطوّر أسلوبك الصحافي، فسيعتبرك متطفّلًا ولن يعمل بنصيحتك، خصوصًا أنّ الحصول على هذا الكتاب بات صعبًا (صدر عام 1988)، عدا عن أنّ عدد صفحاته يناهز الستمائة ويتطلب بعض التفرّغ لقراءته.

ما الذي أعادني إلى هذه القصّة وإلى كتاب Kate؟

بالأمس حضرت فيلمًا على منصّة Netflix عنوانه Good Sam (انتاج العام 2019)، يحكي عن صحافيّة في القناة 12 الأميركية تحاول كشف هويّة فاعل خير يساعد الناس سرًا ولا أحد يعرفه، بمن فيهم الذين حظوا بمساعدته. الجميل في الموضوع هو أن الصحافية لم تكن تسعى لتحقيق سبقً صحفي، بل لمعرفة ما الذي يدفع بإنسان كفاعل الخير هذا إلى مساعدة الآخرين من دون مقابل وبتكتّم.

من الصدف أنّ الصحافيّة في فيلم Good Sam هي الأخرى اسمها Kate، ولا أدري ما إذا كانت شخصيّتها مستوحاة من شخصيّة Kate عند Sulitzer، إذ انّ الشبه كبير في ممارسة الامرأتين لعمل الصحافة. خلال مشاهدتي الفيلم، قلت بيني وبين نفسي: لما لا أنصح عبر الفايسبوك بمشاهدته، خصوصًا أنّه يُصيب بحجرٍ واحدٍ ثلاثةَ أهداف أنفرُ منها لدرجة أنّني بسببها قد أتوقّف عن متابعة نشرات الأخبار، وعنيت بها: المراسلين الميدانيّين، “فاعلي الخير” المزعومين، والسياسيّين.

المعالجة في الفيلم بسيطة ومرحة، وتُبرز مهنيّة Kate العاليّة من خلال سعيها لاكتشاف الدافع وراء مساعدة الآخرين من دون مقابل، كما تُبرز كيف أنّ نماذج من الناس، لاسيّما الطامحين إلى مراكز سياسية، يستغلّون ظاهرة فعل الخير التي لم يقوموا بها أصلًا، للترويج لأنفسهم أمام مَن سينتخبونهم.

وعليه أنصح:

أولًا: مشاهدة هذا الفيلم لأنّه، وعلى بساطته، فيه الكثير من المهنيّة والإنسانيّة.

ثانيًّا: على كل مراسل تلفزيوني أن يُشاهده ليتعلّم:

– كيف يختصر عندما يستلم الهواء، ولا يُكثر من اجترار الكلام.

– كيف يستخدم المعلومات ويصيغها بالأسلوب الذي يجعلها صادرة عنه هو، وليست منقولة من هناك وهنا من دون أي جهد وتركيز على لبّها.

– كيفية عدم السعي إلى سبق إعلامي فارغ من أي مضمون جوهري.

– كيف يكوّن لنفسه أسلوبًا خاصًّا يُميّزه عن الآخرين، وكيف يُحاور مَن يُقابلهم. وتحضرني هنا قصّة حصلت مع بداية الثورة: دأب المراسلون ولأكثر من شهرين، على توجيه نفس السؤال للمتظاهرين: “ليش نزلت عالشارع؟”، وباعتقادهم – مخطئين – أنّ الأجوبة المتضاربة تحقّق سبقًا صحفيًّا لهم ولمحطاتهم، حتى جاءت متظاهرة وقالت لإحدى المراسلات: “حلّوا بقا عن سمانا، نحنا معروف لَيْش نزلنا، روحوا اسألوا اللي بَعدُن ببيوتن لَيْش ما نزلوا!

ثالثًا: ليُشاهد هذا الفيلم كل مَن يدّعي فعل الخير، من الأحزاب والمجتمع المدني وزعماء الطوائف، وليتعلموا جميعّا كيف أن القاعدة الأساسيّة لفعل الخير هي “ألّا تعرف يُمناك ما صنعته يُسراك”، وليس الطبل والزمر على وسائل التواصل الاجتماعي.

رابعًا: ليُشاهد السياسيون والقيّمون على شؤون المجتمع هذا الفيلم ليُدركوا أن البروباغندا لا تصنع رجال دولة، بل ساسة منتفعين يلهثون خلف المراكز والمظاهر ولن ينالوا في النهاية سوى لعنة التاريخ وغضب الشعب.

آن الأوان يا سادة لتفهموا أن خدمة الناس تقوم بتفعيل القوانين وتطبيقها، وليس بكتابتها والاستعراض على الشاشات كلما أنجزتم سطرًا من القانون الذي لن يرى النور. القضاء لا يُصبح نزيهًا بمجرد أن تطالبوا علنًا بنزاهته للمزايدة، بل بتركه يعمل باستقلالية وبفصله عن حساباتكم الضيّقة. مالية الدول ونقدها لا يقويان بمجرد غش الناس بالشعارات الرنانة والترويج للحاكم على أنّه من “الأولين” في العالم، بل بالنمو الاقتصادي والاستقرار، لاسيّما في المِحَن كالتي نمر بها اليوم. وأخيرًا الأوطان لا تُبنى بالتستّر؛ والكذب؛ والرياء والتبعيّة للخارج، بل بالتعاضد والجرأة على قول الحقيقة سواء كانت تطال رئيسًا أو مصرفًا أو حزبًا إلهيًّا مدجّجًا بالسلاح.

قد لا تفي مقالتي هذه بتظهير صورة واضحة عن الدَرْك في مستوى الأداء والجهل الذي بلغه بعض الصحافيين في لبنان، وعن حقارة كل من يستغل عمل الخير وخدمة المجتمع للترويج لنفسه أو لحزبه، لذا، عليكم أيُّها السادة بفيلم Good Sam، على أمل أن تكتسبوا خبرة إضافية في التمييز بين ما هو حق وما هو باطل.

ولِمَن لا يُعجبهم رفعي لراية الفينيق، أقول: نحن في اليوم الواحد والتسعين بعد المائة لانبعاث الفينيق!