يوسف ي. الخوري: الأباتي شربل القسيس … راهب في العاصف

357

الأباتي شربل القسيس … راهب في العاصف
إعداد المخرج يوسف ي. الخوري/نقلاً عن مجلة المسيرة/16 نيسان/2020

قال لي يومًا الرئيس سليمان فرنجية: “روح قلّو لو كنت قادر أقطع حاجز البربارة، كنت رحت لعندو مشي تا اوقاف عا خاطرو وراضيه! قلّو ما بيسوى جفا هالقد، يجْي لعندي اشتقتلّو”. مَن هو هذا الرجل الذي افتقده الرئيس فرنجية إلى هذا الحدّ؟ هو نفسه الذي أربك العميد ريمون إدّه يوم ألمح أنّه يؤيّد المرشح الياس سركيس ضده في الانتخابات الرئاسيّة. وهو نفسه الذي قاطع اجتماعات الجبهة اللبنانيّة بسبب الأضرار التي ألحقها شباب الكتائب وشباب الأحرار بكنيسة مار شربل عنّايا أثناء تعاركهما في محيطها، فاضطر الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميّل للاعتذار منه علنًا لاسترضائه. وهو نفسه الذي أخرج رهبانه من غرفهم في الكسليك ليُسكنوا مكانهم مهجّري الدامور والجيّة. وهو نفسه الذي أراد كمال بيك جنبلاط الاجتماع به سعيًا لوقف نزيف الدمّ في لبنان، لكنّ جنبلاط قُتل قبل أسبوع من موعد اللقاء. وهو نفسه الذي خابره الأمام موسى الصدر عشية سفره إلى ليبيا ليقول له: “أنا فهمت كل شيء، وأتمنى أن نلتقي فور عودتي من ليبيا ونعقد معًا مؤتمرًا روحيًّا ننبذ خلاله كل خلافاتنا لمصلحة بلدنا. لكنّ الإمام رحل ولم يعدْ.

كنّا قلة من المقرّبين منه أواخر حياته، ولم يستطع واحد منّا إقناعه بكتابة مذكراته. كنّا نقول له المذكرات فرصة لا تُعوّض كي تنصف نفسك من الاتهامات الجائرة بحقّك، لكن هو كان لسان حاله “أَترُكُ هذا الأمر للأجيال القادمة، إذ ما الداعي لإنصاف نفسي بينما أنا لا قدرة لي على تغيير حرف واحد من ماضيّي”.

رحل منذ تسعة عشر عامًا ولم يبقَ لي منه اليوم سوى ما حفظناه عن ظهر قلب، وليساعدني الله أن أظهِر صورته الحقيقية إكرامًا لذكراه وعربون شكر لما مَنّ علي به من ثقافته وحنكته.

إنّه الأباتي شربل القسيس!

هو قارئ متبصّر في السياسة
يوصّف الأباتي شربل القسيس أزمة الشرق الأوسط بشكل بسيط لكن عميق. يقول: “في الشرق الأوسط، يوجد أربع دول وخمسة شعوب. الدول هي لبنان وسوريا والأردن وإسرائيل، وكلّ منها تضمّ شعبها الذي يحمل هويتها. هناك شعب خامس يعيش في هذه المنطقة ولا دولة له، هو الفلسطيني الذي هَجّره الإسرائيليّون من أرضه عام 1948”. وعليه يخلُص الأباتي القسيس إلى أنّ أزمة لبنان لن تنتهي، والشرق الأوسط لن يرتاح، قبل أن تصبح هناك دولة للفلسطينيين. أمّا قراءته لحلّ مشكلة الشعب الخامس، فأنقلها كما أوردها صديقه الباحث في الفكر السياسي د. نبيل خليفة في كتابه “خمسون سنة في خدمة الكلمة”:

 يعتبر الأباتي القسيس أنّ هناك احتمالين لحلّ مشكلة الشعب الفلسطيني؛

“الاحتمال الأوّل: تهجير الأقليّة المسيحيّة من لبنان، وبالتالي تغيير النظام فيه، وتحويله من بلد ذي وجه مسيحي إلى بلد ذي طابع إسلامي، ممّا يسهّل أمرين:

دمج الشعب الفلسطيني فيه.
دمج كيانه السياسي بكيانات إقليميّة أوسع (سوريّة أو مشرقيّة) مما يعني شطبه عن خريطة المنطقة.

الاحتمال الثاني: خلق الدويلات الدينيّة وحشر المسيحيين في دولة لبنان الصغير وتوطين الفلسطينيين المتواجدين في لبنان والذين يُحتمل تهجيرهم أيضًا إليه من الضفة الغربية والقطاع، وتوطينهم في القسم الباقي”.

لو أردنا اليوم في العام 2020 أن نوصّف الوضع القائم في منطقة الشرق الأوسط، لاسيّما من بعد الإعلان عن “صفقة القرن”، ألا نجد أنّ الأباتي القسيس كان مُصيبًا في كلامه أعلاه والذي سمعته أنا شخصيًّا منه منذ ثلاث وثلاثين سنة؟!

الجندي المجهول
يُشدّد الأباتي القسيس أنّه في فترة ما بعد استقلال لبنان، لم يكن هناك “مارونيّة سياسيّة” كما يزعم البعض، بل “سياسة مارونيّة”. ويعتبر أنّ الفترة هذه كانت تقوم على أربع ركائز: رئيس الجمهوريّة، قائد الجيش، البطريرك الماروني والجندي المجهول أي جماعة الرهبان. برأيه، كان سيصعب إنهاء العصر الماروني في لبنان إبّان حرب الـ 1975 لو لم يتمّ القضاء تدريجيًّا على تلك الركائز.

سقوط الركيزة الأولى (رئاسة الجمهورية)
في العام 1970، أتت الانتخابات الرئاسيّة وكان لبنان قد بدأ يفقد شيئًا فشيئًا من سيادته، لاسيّما بعد اتفاق القاهرة الذي سهّل قيام الأعمال الفدائيّة ضدّ إسرائيل انطلاقًا من الأراضي اللبنانيّة. “كانت المرحلة تلك تحتاج إلى رئيس تغلب الحكمة في سلوكه على الصلابة” يقول الأباتي القسيس، ثمّ يُضيف إنه عوضًا عن انتخاب الرئيس الياس سركيس الذي يتمتع بالسلوك السالف الذكر، انتُخب الرئيس سليمان فرنجية الصلب والمعروف ببأسه. بعد ست سنوات، أي في العام 1976، كانت الحرب قد اندلعت وصار لبنان بحاجة لأن يتمّ التجديد للرئيس فرنجية ليتعامل بصلابة مع وضع الحرب الطارئ. لم يمرّ التجديد وجيء بالرجل الهادئ والحكيم الياس سركيس رئيسًا. وهكذا، تمّ إضعاف الركيزة الأولى، رئيس الجمهوريّة، بحسب الأباتي القسيس.

سقوط الركيزة الثانية (قيادة الجيش)
أمّا عن تقويض دور الركيزة الثانية المارونيّة (قائد الجيش)، فيعتبر الأباتي أنّه تمّ إبّان قيادة العماد حنا سعيد. ولتوضيح اعتقاده، يروي الحادثة التالية: لمّا قام عبدالعزيز الأحدب بانقلابه الأبيض في 11 آذار عام 1976 بهدف الضغط لكي يستقيل الرئيس سليمان فرنجية، توجّه الأباتي القسيس على وجه السرعة إلى القصر الجمهوري، وفي طريقه، عرّج بوزارة الدفاع ليطّلع من قائد الجيش حنا سعيد على حقائق الوضع المُستجِدّ. لمّا دخل إلى مكتب سعيد، لاحظ أنّه كان نائمًا، ففاجأه الأمر، لكن من دون مقدّمات، بادره بالسؤال كيف سيتعاطى مع الانقلاب؟ فأجاب سعيد قائلًا: “أنتظرُ موقف السوريين”. ما يعني أنّ موقف قائد الجيش اللبناني الوطني من انقلاب ضدّ رئيس الجمهورية بات يُحدّده السوريون، وهو الأمر الذي أشعر الأباتي القسيس أنّه لم يعد بالإمكان الاتكال على الركيزة المارونيّة الثانية.

سقوط الركيزة الثالثة (بكركي)
هنا يصف الأباتي القسيس الموضوع بشكل مختلف، فيكتفي بالمقارنة بين قامتي البطريرك بولس بطرس المعوشي الطويل وصاحب السحنة القاسية، وخليفته البطريرك أنطون بطرس خريش القصير وصاحب الطلّة الطيّبة، للدلالة على قوّة شخصيّة الأوّل بالمقارنة مع شخصيّة الثاني، وليس للتهكّم من قصر قامة البطريرك خريش أو قصيري القامة عمومًا، إذ هو الآخر بدوره قصير. عندما ذكر هذه المقارنة أمامي، قلت له ممازحًا: “ليس من مصلحتك ربط البنية الجسدية بضعف الشخصيّة، فأنت أيضًا قصير”. فأجابني بسرعة قائلًا: “أنا أملك ما يعوّض عن قصري. هل صادفت في حياتك رجلًا محيّاه أشدّ قسوة من محيّاي وصوته أعرض وأجهر من صوتي؟” وأردف شارحًا أنّ الطلّة والمظهر والشخصيّة القوية لهم تأثيرهم أحيانًا على الآخرين أكثر من الفكر والحنكة، “أوليس الأمر كذلك مع نجوم عالمكم السينمائي؟”

كلّ الذي كان يريد أن يُعبّر عنه الأباتي هو أنّ انتخاب البطريرك خريش جاء في الوقت الخطأ، ومعه ضعفت بكركي ولم تعد كلمتها مسموعة.

سقوط الركيزة الرابعة (الرهبان بشخص رئيسهم العام)
إنّ تدخّل الأباتي القسيس في السياسة خلال الحرب في لبنان لم يرق لبعض المقامات الدينيّة، لاسيّما بكركي والمجمع الشرقي في روما. كما لم يرق لبعض المفكّرين كسعيد عقل، والسياسيين كريمون إدّه، والحزبيين كبشير الجميّل (في بداياته)، وغيرهم… ولكلٍّ من هؤلاء تأثيره ومونته بين الرهبان، وهو الأمر الذي حتّم خسارته في الانتخابات الرهبانيّة عام 1980 أمام الأباتي بولس نعمان.

بسقوط الأباتي شربل القسيس، تخلخلت الركيزة الرابعة ولم تسقط. فالأباتي نعمان لم يختلف نهجه عن سلفه، لكن هو الآخر لم يسلم من سهام هؤلاء الذين لا يحبّذون تدخّل الرهبان في السياسة، حتى بات في آخر سنتين من عهده مشلول الحركة ومتراجعًا في دوره المحوري في السياسة. مع خروج الأباتي نعمان من السلطة، تمّت السيطرة على دور الرهبان في الحرب، فسقطت الركيزة الرابعة المارونيّة.

لذا، يعتبر الأباتي شربل القسيس أنّ نهاية العصر الماروني حصلت قبل اتفاق الطائف بخمس أو ست سنين، وانحسر دور الموارنة في لبنان حتى الأفول.

راهب في الميدان

قُبيل العاصفة
أثناء عملي على المبحث الحاضر، أدركت أنني قد أكون جاهلًا تفاصيل فترة قصيرة من حياة الأباتي القسيس، وهي تلك الواقعة بين انتخابه رئيسًا عامًّا للرهبانيّة صيف العام 1974، وعشيّة الحرب في نيسان 1975، والمفترض أنّه في خلالها، كان منصرفًا لتنظيم شؤون البيت الرهباني ووضع الخطط لسنوات عهده الست. توجّهت إلى دير مار الياس الكحلونية حيث يسكن الأب أنطوان حويس الذي واكب الأباتي القسيس خلال رئاسته الرهبانيّة، وكان يشغل إلى جانبه منصب مدبّر منطقة المتن. سألت المحترم حويس عن تلك الفترة وعمّا إذا كان يذكر شيئًا عن قرار دخولهم الحرب. قبل إجابتي عن سؤالي، تقصّد المحترم أن يُعلمني أنّ رهبانيّتهم لم تتلكّأ على الاطلاق في واجباتها الرهبانيّة ولا في خدماتها الرعويّة بالرغم من تورّطها إلى جانب أبنائها بحرب الـ 1975. أمّا عن عملهم عشيّة الحرب، فيقول: “كنّا – المدبّرين الأربعة – والأباتي القسيس منكبّين على دراسة احتياجات شعبنا الماروني خصوصًا واللبنانيين عمومًا لاسيّما في المناطق النائية. ولمّا وقعت الحرب، كنّا قد انتهينا من وضع خطة إنمائية جبّارة تطال معظم المناطق وتمتدّ من الساحل إلى السهل. كان الأباتي يوجّهنا قائلًا: “لا تتجاهلوا مناطق المحرومين، عزّزوا الرعاية الاجتماعية، شيّدوا مدراس، ابنوا مستوصفات حيث هناك حاجة، استصلحوا أراضي الرهبانيّة الزراعية واخلقوا فرص عمل لأهالي القرى النائية، ولا تُقصّروا في خدماتكم الرعوية الكنسيّة…”. ويُضيف الأب حويس: “على الرغم من دوره القومي في الحرب والذي كان يستنزف معظم وقته، بقي الأباتي متابعًا بعناية ودقّة سير تنفيذ خطة العمل الإنمائية التي وضعناها قبيل اندلاع الحرب”.

وعن تورّطهم في الحرب والانتقادات التي لحقت بهم جرّاء هذا التورّط، يقول حويس: “ماذا يُريدون منّا أن نعمل وشعبنا يقتل بسبب انتمائه، ورهباننا يُذبحون وأديرتنا تدمّر بأيدي من أوَتْهم وعلّمتهم؟! ما كنّا لنستطيع أن نقف متفرّجين على الاعتداءات التي تطال أبناءنا! التهرّب والتلكؤ ليسا من أخلاقيّات الأباتي شربل والرهبان! تأكّد بنيّ، لو لم نفعل ما فعلناه، كنت ستشهد على هؤلاء أنفسهم ممّن انتقدونا، يوجّهون اللوم إلينا لعدم مساندتنا شعبنا في محنته. بالله عليك، قُل لي، طالما نحن برأيهم كنّا مُخطئين، لماذا يلوم الشعب اليوم كنيسته لأنّها غائبة عن الأحداث في زمن الثورة وانهيار البلاد؟!”

في العاصفة
وفي نفس سياق آخِرِ كلام المدبّر حويس، يقول الأباتي شربل القسيس في حوار بيني وبينه من أرشيفي المصوّر الخاص: “لماذا لا يرى المنتقدون إلّا دور الرهبانيّة القومي في حرب الـ 1975؟! لماذا ينسون دورها حين رهنت كل أراضيها خلال مجاعة العام 1914 مقابل الحصول على مساعدات من أوروبا لإعانة الفقراء الجائعين؟! لماذا يتناسون أنّ الرهبانيّة في العام 1948 فتحت أبواب أديارها في لبنان الجنوبي، لا لاستقبال الموارنة، ولا لاستقبال المسيحيين، بل لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين؟! لا أعرف إذا كان منتقدونا يُدركون أنّ رسالة الراهب هي خدمة شعبه وليس العكس. رهباننا لحقوا شعبهم إلى أبعد من الحدود اللبنانية لخدمته والوقوف إلى جانبه. وصلنا قديمًا إلى قبرص، ونحن اليوم في يافا وبيت لحم. وصلنا إلى أستراليا، أوروبا والأميركيتين، لأنّ رسالتنا هي العيش من أجل الآخر قبل العيش المشترك. فلا يتعجّب أحد من وقوفنا مناصرين لشعبنا حين كان يتألّم في الـ 1975، وحريّ بالمنتقدين أن يتعمّقوا أكثر بالموضوع، فشعبنا يعتب علينا إذا تركناه وحيدًا في “الساحة”، ويُطالبنا بالنزول معه إلى “الساحة”، ولا يعتب علينا إذا وقفنا إلى جانبه في أزماته.”

هل مساندته الشعب في الحرب تتناقض مع رسالة السلام المسيحيّة
عندما سألته كيف يوفّق بين رسالته السلميّة كراهب وتورّطه في الحرب، وضع سيكارته بين شفتيه، دخّنها بقوّة، مجّ الدخّان من فمه ببطء، ثمّ صفن للحظات وأتاني بالجواب الذي ليس من السهل توقّعه، فقال: “أنا مستعدّ لسماع أي شخص يستطيع أن يُثبت لي أنّ فلسطينيًّا واحدًا في بداية المعركة قُتل على باب مخيّمه. جميعهم قُتلوا على أبوابنا، ولم يكن في أيديهم باقات زهر، بل رشاشات كلاشينكوف. فإذًا، شعبي في البدء كان في موقف الدفاع عن نفسه وليس الاعتداء على الآخر، وفي الحال هذه، من واجبي أن أكون بقربه وأقف في صفّه! لماذا الكيل بمكيالين في هذا الخصوص؟! لماذا نضال الفلسطيني لاسترجاع هويته وأرضه هو عمل بطولي وواجب قومي، بينما يعتبر البعض وهم كثر، أنّ وقوفي كراهب إلى جانب شعبي الذي يقاتل لدرء خطر فقدانه هويّته وأرضه هو خيانة للقضيّة الفلسطينية ومناقض لرسالتي المسيحيّة؟! هل نحن كنّا على حقّ بموقفنا كمسيحيين لمّا تخطّينا دورنا الإنساني القومي الاجتماعي إلى السياسة؟ هذا أمر أترك للأجيال القادمة الحكم عليه، أمّا أنا فقد فعلت ما فعلت ولست بوارد الاستغفار من أحد.

العلاقة مع بكركي خلال الحرب
علاقة الأباتي شربل القسيس بالبطريرك أنطون بطرس خريش لم تخلُ من التوتر والحذر المتبادل، لكن هذا الصراع لم يخرج يومًا إلى العلن ولم يدرِ به إلّا قلّة من المقرّبين، فالأباتي كان شديد الحرص على هرميّة الكنيسة المارونيّة، مع العلم أنّ الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة التي يرأسها هي رهبانيّة حبريّة ولا سلطة للبطريرك عليها، إذ تتبع مباشرةً للكرسي الرسولي في روما.

في الحقيقة، أخفق الرجلان في تنسيق الأدوار بينهما، فالبطريرك يُريد التفرّد بالقرارات وإبعاد الأباتي عن الساحة، خصوصًا أنّ دور الأخير عظُم لدرجة أنّه جذب الأضواء إليه فحجَبها ليس فقط عن الإكليروس، بل عن السياسيين المخضرمين أيضًا. والأباتي له وجهة نظر مختلفة بما يخصّ العلاقة مع البطريرك. قصَدَه مرّة محاولًا إقناعه بالعمل بها، فقال له: “يا سيّدنا، أتركنا نعمل وراقبنا. أين ننجح، تفاخر بنا، فنحن أولادك. أين نُخفق، تؤنّبنا وتأخذ المبادرة عنّا، وبذلك تغطّي اخفاقنا. أمّا يا سيّدنا، إذا كنت أنت في الواجهة وأخطأت، مَن يغطّيك ويُغطّي الطائفة؟” وبالرغم من فشله في إقناع البطريرك بأسلوب التعاون هذا، بقي الأباتي يجتهد لعدم الدخول في مواجهة علنيّة مع بكركي وسيّدها، في حين أنّ البطريرك خريش كان له التأثير الأكبر في إبعاد الأباتي القسيس عن رئاسة الرهبانيّة. قال لي الأباتي يومًا في إحدى جلساتنا: “تبقى بكركي رأسنا ويبقى سيّدها رئيسنا، وله ندين بالاحترام والطاعة. ماذا تفعل الحيّة إذا انجرح ذيلها؟… ببساطة، تقطعه بأنيابها ثمّ تتابع مسيرها. أمّا إذا انجرح رأسها، فتحفر حفرة في التراب وتدفنه بداخلها لتحميه وتنقذ نفسها من الموت. هكذا هي حالنا مع بكركي، هي رأسنا، ومن واجبنا حماية هذا الرأس وعدم التعرّض له، كي لا نقضي على أنفسنا!”

لقاؤه بـ “دين براون”؛ حقيقيّ أم مفبرك؟
لمن لا يعرف القصّة، هي عن لقاءٍ جمَع الأباتي شربل القسيس ورؤساء الرهبانيّات اللبنانية من جهة، ومبعوث الخارجيّة الأميركية للنظر في أزمة لبنان “دين براون” من جهة ثانية. وقد انضمّ إلى الاجتماع العميد ريمون إدّه. رشح عن الاجتماع أنّ “براون” تقدّم بعرض لترحيل المسيحيين من لبنان وأنّ الأباتي القسيس رفض العرض بشكل فظّ وقاطع. وسَرَت إشاعات في تلك الحقبة أنّ بواخر أميركيّة تنتظر في مكانٍ ما في البحر الأبيض المتوسّط لنقل المسيحيّين في حال تمّ قبول العرض.

قبل النظر في صحّة هذه القصّة، لا بدّ من الإشارة إلى أنّه من المستغرب اهتمام بعض “العرفاتيّين” وبعض قوى ما سُمّي بالحركة الوطنيّة سابقًا، بالترويج – حتّى يومنا هذا – لأي رواية تنفي صحّة عرض المبعوث الأميركي المنوّه عنه أعلاه، وأنّ آخرين يجدون مبالغة فيه نظرًا لصعوبة نقل شعبٍ عديدُه بمئات الآلاف، بالبواخر، من بلدٍ إلى بلدٍ آخر.

ما هو ثابت أنّ اللقاء حصل بتاريخ 13 نيسان 1976 في الكسليك، وهو الأمر الذي يؤكّده حتى الذين ينفون أنّ “دين براون” عرض الترحيل، وهم: الوزير فؤاد بطرس في كتابه “المذكّرات”، والأباتي بولس نعمان في كتابه “الإنسان الوطن الحرية” إعداد أنطوان سعد، والأب يوسف مونّس في كتابه “أناشيد حياة”. في المقابل، إن الذين يؤكّدون أنّ “براون” كان يسعى لتسويق عرضٍ من هذا القبيل هم: الرئيس سليمان فرنجية في فيديو منتشر على قنوات التواصل الاجتماعي، الأباتي شربل القسيس (لي شخصيًّا)، محضر اللقاء الذي نقله الدكتور نبيل خليفة في كتابه “خمسون سنة في خدمة الكلمة”. لمقاربة الموضوع بشفافيّة كان لا بدّ من العودة إلى الوثيقة الأساسية للخبر، أي محضر الاجتماع. وهذا ما قمت به أخيرًا. تبيّن لي، بعد الاطلاع على المحضر المذكور، أنّ الذين ينفون نوايا “دين براون”، إنّما ينفون إشاعة البواخر المنتظِرة في البحر وليس ما تمّ تداوله في الاجتماع. أمّا جميع المشكّكين، فيزعمون بأنّهم سمعوا من “براون” أو من مقرّبين منه تقديره لمقاومة المسيحيين، ونفيَه سعي إدارته لتهجيرهم. فلماذا يصدّقونه ولا يصدّقون الرئيس فرنجية مثلًا؟!

بالعودة إلى المحضر الوثيقة والمدوَّن باللغة الفرنسيّة، فقد ورد فيه أنّ “براون” نعتَ القيادات المسيحيّة بالجنون، واتّهمها بتوريط شعبها في حربٍ كارثيّة، ولم يتردّد في القول للحاضرين: “هذا ليس من حقّكم وهذه البلاد ليست بلادكم!”… من جواب الأباتي القسيس على الاتّهام الأخير، يتبيّن أنّ الديبلوماسي الأميركي كان منفعلًا، إذ استهلّ الأباتي كلامه بالقول له: “كديبلوماسيّ، أنت عصبيّ…” ولم يتأخّر عن اتّهام “براون” بأنّ في كلامه ما هو غير مُعلَن بعد… وتابع قائلًا (وهنا الترجمة منقولة عن د. نبيل خليفة باختصار): “أنا لو كنت في موقعك، لقلتُ للآباء الحاضرين والمسؤولين عن الجماعة المسيحيّة: إنّ أقلّ مسيحي هنا لديه في أميركا أكثر من مائتي قريب مستعدّين لاستقباله، فلماذا تتشدّدون للبقاء في هذه المنطقة وهي ليست لكم؟”. هنا ضرب “دين براون” على الطاولة وقال بحماس: “هذا هو بالضبط ما كنت أودّ أن أقوله لكم!” هنا، وبعدما نجح الأباتي في استدراج “براون” للإفصاح عن حقيقة نواياه، واجهه بالرفض والتحدّي قائلًا: “إذن يا سعادة السفير، سنركب رؤوسنا ونبقى في هذه البلاد”.

يطول اللقاء مع “دين براون”، لكنّ المكان ههنا لا يسمح بالدخول في تفاصيله، وما تمّ التطرّق إليه إلا بهدف دحض ادّعاءات المشكّكين بما حصل خلاله.

إنجازاته الإنمائية في الحرب
يغيب عن بال الكثيرين أنّ دور الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة خلال عهد الأباتي شربل القسيس، لم يكن مقتصرًا على العمل القومي والسياسي فحسب، بل تخطّاه إلى حقول أخرى مختلفة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أنجزت الرهبانيّة بين العامين 1975 و 1980:

على المستوى الروحي: إعلان قداسة مار شربل؛ إنجاز المجموعة الليتورجيّة الطقسيّة بالكامل في جامعة الروح القدس – الكسليك (5 مجلدات).

على المستوى العلمي: بناء كليّة الهندسة في الكسليك؛ متابعة ترميم وتوسيع العديد من الصروح التربوية في مختلف المناطق اللبنانيّة.

على المستوى الطبّي: تشييد مستشفى سيّدة المعونات في جبيل؛ إنشاء المعهد اللبناني للمعاقين الذي يعتبره الأباتي شربل القسيس أفخر إنجازاته.

على المستوى الاجتماعي: استيعاب المهجّرين في الأديار وإيجاد أماكن مناسبة لسكنهم؛ تقديم عقار في حبوب – جبيل (20,000 متر مربّع) لإنشاء مأوى للعجزة.

في الإرساليّات: توسيع النشاط الرهباني في سيدني – أستراليا التي تضمّ مدرسة للرهبان هي اليوم من خيرة مدارس سيدني.

فلسفة مقاومة الرهبان اللبنانيّين
يرى الأباتي شربل القسيس أن لا مبرّر لوجود الرهبان من دون تعاطفهم مع شعبهم والوقوف إلى جانبه أيًّا تكن الظروف. ويؤكّد فلسفيًّا أنّ علاقة الرهبان بلبنان واللبنانييّن، بكل طبقاتهم وفئاتهم، هي متجذرة على ثلاثة أصعدة: جغرافي وعضوي ووجودي.

 على الصعيد الجغرافي، تنتشر أديار الرهبانيّة من أقصى حدود لبنان الشمالية (دير منجز بعكّار)، إلى أقصى حدوده الجنوبية (دير رميش). في شرق لبنان، تملك الرهبانيّة أراضٍ تصلح للاستثمار والزراعة، وعلى ساحله وفي الجبال تنتشر مدارسها وجامعاتها ومستشفياتها. يقول الأباتي القسيس: “وجود هذا الدير على جميع الأراضي اللبنانية، خلق بين الرهبان واللبنانيّين بكل فئاتهم، علاقة لا أعمق ولا أمتن روحيًّا، وإنسانيًّا، واجتماعيًّا واقتصاديًّا”.

على صعيد العلاقة العضويّة، أعطت ثلاثمائة وخمس وثمانون (385) بلدة لبنانيّة أقلّه راهبًا واحدًا للرهبانيّة. يقول الأباتي القسيس: “الراهب الذي يدخل الرهبانيّة ينتمي إلى أهل وأقارب، وهذا الانتماء ينقله معه إلى الرهبانيّة، وهو الأمر الذي يربطها بدوره بالبيئة الأصليّة للراهب وبقريته. هذا ما أعتبره ارتباطًا عُضويًّا بالمجتمع اللبناني”.

على الصعيد الوجودي، الراهب هو إنسان، بنذره التواضع والفقر يأخذ على نفسه الكفاح في الحياة والتخلّي عن كل أشكال الأرستقراطية. يتوسّع الأباتي القسيس بهذه الفكرة ليقول: “الرهبان هم من الناس، يشاركونهم في حياتهم الدينيّة، يتشاركون معهم المعارف العلميّة والحرفيّة، وما استحقّوا لقب “معلمي” إلا لمساهمتهم في تعليم أبنائهم. المزارعون ليسوا أُجَراء عندهم، بل شركاء في الأرض والإنتاج. هذه العلاقة الإنسانيّة الوجوديّة مارسها الرهبان إلى أقصى حدود، لدرجة أنّ الرهبان في العاميّات كانوا يجدون موقعهم الطبيعي بين العمّال والعامّة وليس في مكان آخر”.

اختصرتُ قدر المستطاع فلسفة الأباتي القسيس لعمق علاقة الرهبان بالأرض والإنسان، لكن لا بدّ من أن أختصر بجملة ما الذي كان يُريد قوله من وراء كل هذه الفلسفة: “أتريدونني ألّا أقف مع شعبي في الحرب وهو يتألم؟… كأنكم تقولون لي لا تقف مع نفسك”.

مواقف تُسجّل له

مجزرة دير مار جرجس عشاش
لمّا صار الاعتداء على دير مار جرجس عشاش في 9 أيلول 1975، واستُشهد جراءه ثلاثة رهبان ودُمّرت المدرسة التابعة للدير، جاءت ردّة فعل الأباتي شربل القسيس إيجابية من خلال موقفَين، الأول: نعيه الرهبان كان عبارة عن رسالة شكر للخالق على النعمة التي أغدقها على الرهبانية إذ مزج دمّ أبنائها بدمّ شعبها. الثاني: رفضه ترك منطقة الزاوية من دون مدرسة، فسارع إلى إحياء مدرسة “نورث ليبانون كولدج” في زغرتا.

المعروف أن مرتكبي مجزرة دير عشاش هم من الطلاب المسلمين الذين نشأوا في الدير جنبًا إلى جنب مع طلّاب مسيحيين برعاية الرهبان. يذكر الأب ألمدبّر أنطوان حويس أنّه أبّان مراسم دفن الرهبان، كان الأباتي القسيس يبكي طيلة الوقت، وفي رثائه الرهبان شبّه القتلة بالذئب الذي ربّوه منذ ولادته إلى جانب نعجة بعيدًا عن الذئاب، ولمّا كبر انقض على النعجة وقتلها. من وحي هذه القصّة ختم الأباتي الرثاء بالقول: “فمن أنباك أن أباك ذيبُ”.

احتلال دير مار جرجس الناعمة
إثر احتلال الفلسطينيّين لدير الناعمة في 30 تشرين الأول 1975، صعّد الأباتي القسيس الموقف وهدّد بتهجير كل المخيّمات الفلسطينيّة التي تقع في منطقة بيروت الشرقية في حال لا يتمّ انسحاب الفلسطينيّين من الدير خلال أربعٍ وعشرين ساعة. على الفور استنفرت كل الفعاليّات في البلاد، إسلاميّة ومسيحيّة، وتكثفت الاتصالات وتمّ إخلاء الدير. صارحني الأباتي ذات يوم أنّه لم يعرف النوم في الليلة التي سبقت انتهاء مهلة الأربع وعشرين ساعة، فهو أطلق تهديده من دون مراجعة أحد، وكان قلقًا في حال لم يتجاوب الفلسطينيّون بالانسحاب ماذا يفعل، إذ لا نيّة لديه ولا قدرة على الالتزام بما هدّد به، وهو الأمر الذي قد يُسيء إلى صورته ويهزّ مصداقيّته أمام الناس.

إذاعة لبنان الحر
عام 1978، وفي عزّ حرب المئة يوم في الأشرفيّة، جلس الأباتي وحيدًا بعد منتصف الليل في دير مار شلّيطا عجلتون، يدخّن السجائر على نور الشمعة ويتتبع الأخبار عبر راديو على البطاريّة. فجأة سمع حركة وأصوات في محيط الدير، وما لبث أن تحرّك ليستطلع الأمر، حتّى رأى على الشباك في الظلمة خيالات أربعة شبّان مسلّحين يسترقون النظر إلى داخل الغرفة. أشّروا له من خلف الزجاج ليُدخلهم، ففتح لهم الباب ليجد أن بشير الجميّل يرافقه ثلاثة شبّان وحالهم يُرثى لها، إذ اضطروا للعبور بحرًا من الأشرفية إلى جونية بسبب إغلاق السوريين كل المخارج من الأشرفية، وكان البحر هائجًا وبالكاد وصل بهم الزورق بعدما تعطّل أكثر من مرّة. قال له بشير: “أعذرنا أباتي لمجيئنا في هذا الوقت، لكنّ الأمر ضروري ونحتاج مساعدة منك. الوضع يزداد خطورة في الأشرفية، وإذاعة صوت لبنان مستهدفة بالقصف السوري، وفي حال أصابها القصف، سوف يسكت آخر صوت لنا”. ولمّا سأل الأباتي عن المطلوب منه بهذا الخصوص، أجابه بشير: “نحن بحاجة لمكان آمن نُطلق منه إذاعة رديفة لصوت لبنان في حال … لا سمح الله”. وقع الخيار في تلك الليلة على دير مار بطرس وبولس في العذرا، فأمر الأباتي في صبيحة اليوم التالي رهبانه بإعداد الدير المذكور وتجهيزه وتقديم كل مساعدة تلزم للشباب مهما بلغ حجمها وقيمتها. فكانت إذاعة لبنان الحر!

فوبورغ سان مارسيل” باريس
مع بدايات الحرب، نجحت الدعاية العرفاتية بتشويه صورة المسيحيّين في لبنان، فجهد الأباتي شربل القسيس لتغيير هذه الصورة، وانكبّ مع الأب جورج فاخوري – البولسي على وضع دراسة علميّة تشرح حقيقة الوضع في لبنان طائفيًّا وديموغرافيًّا وسياسيًّا ومسيحيًّا. أُنجزت الدراسة وصارت زادًا لرهبانه الذين كان يُرسلهم إلى العواصم الأوروبيّة والأميركيّة لإظهار الوجه الحقيقي للمسيحيّين في لبنان. هو نفسه قام بعدّة جولات منها إلى ألمانيا أكثر من مرّة، وفرنسا وأميركا لتحسين صورة المسيحيّين والحصول على دعم الغرب للمقاومة اللبنانيّة. في إحدى زياراته لباريس برفقة المدبّر الأب أنطوان حويس، وكانا على موعد مع عمدتها جاك شيراك، تعرّض الأباتي لوعكة صحيّة كادت تتحوّل إلى نوبة قلبيّة لولا دخوله المستشفى ونيله العلاج المناسب بعد إحراء قسطلة له. جاء يوم لقاء شيراك ولم يكن الأباتي قد تعافى بالكامل، فحاول الأب حويس إقناعه بالاعتذار عن الموعد، خصوصًا أن شيراك ميؤوس سلفًا من نتيجة لقائه، لكن الأباتي أصرّ على مغادرة المستشفى والذهاب إلى الاجتماع. في الطريق إلى بلدية باريس، مرّ التاكسي في منطقة الـ “فوبورغ سان مرسيل” وهي الضاحية الباريسية المعروفة بضاحية الألم، حيث شهد الأباتي بأم العين حالات فظيعة من الفقر والبؤس، ما حدا به القول للمدبر حويس: “معك حقّ، ستكون زيارة من دون نتيجة، نحن هنا لطلب الدعم من شخص قد يكون بحاجة لمن يدعمه في تنظيم معيشة مواطنيه!”

أخبرني المدبّر حويس أنّهما وصلا إلى البلدية وكان استقبال شيراك فاترًا، لكنّ الأباتي الذي كان يكابر في إخفاء تعبه من الوعكة، بادر شيراك بفرنسيّته الممتازة بالقول: “سيدي العمدة، مررنا في طريقنا بضاحية سان ميشال وشاهدنا حالات إنسانيّة موجعة. أنا أخشى عليكم – سيدي العمدة – من أن يصيبكم في خلال 10 أو 15 سنة ما يُصيبنا اليوم في لبنان”. كلامٌ – يقول المدبّر حويس – لا أعرف كيف وقع على شيراك كالسحر حتى حسّن سلوكه معنا وصار يُصغي إلينا باهتمام كبير، ولم نخرج من مكتبه إلا وهو مقتنع بوجهة نظرنا بخصوص الحرب الدائرة في لبنان، ما جعل من هذه الزيارة انطلاقةً لصفحة جديدة في العلاقة مع الفرنسيين.

مستشفى سيدة المعونات جبيل
في ليلة خريفيّة عاصفة كان الأباتي القسيس يقوم بزيارة ديريّة لأنطش جبيل، حيث نام. في تلك الليلة وقع حادث سير كبير في المنطقة راح ضحيّته أكثر من شخص. علم الأباتي في اليوم التالي أنّ المُتوفّين فارقوا الحياة أثناء نقلهم إلى بيروت بسيارة الإسعاف لأنّ مستشفيات المنطقة غير مجهّزة لاستقبال حالات طارئة كبيرة. مرّ في بال الأباتي أن لا مستشفى كبير مجهّز على كل الساحل الممتد من طرابلس إلى بيروت، وهذا ما دفعه إلى أخذ القرار فورًا بتشييد مستشفى حديث ومجهّز بأحدث المعدات. فكان مستشفى سيّدة المعونات.

بسرعة قصوى انتهت أعمال البناء والتجهيز، وجاء يوم الافتتاح بحضور وزير الصحّة آنذاك ابرهيم شعيتو الذي في كلمته المخصّصة للمناسبة، ورد مرّتين اسم رئيس الجمهوريّة الياس سركيس، وفي كل مرّة كان يريد الوزير أن يقول “فخامة الرئيس الياس سركيس”، كان خطاً يقول: “فخامة الرئيس شربل القسيس”، وكان الناس يضحكون للهفوة ويضحك الوزير.

ملاحظة: الصورة الرئيسية المرفقة مع الدراسة تجمع الشيخ بشير الجميل والدكتور الياس سعادة والأباتي شربل قسيس

*نشرت في مجلة المسيرة بتاريخ 06 آذار/2020

صورة الأباتي قسيس

الصورة تجمع الرئيس شمعون والشيخ بيار الجميل والأباتي قسيس