يوسف ي. الخوري/يكفينا تكاذب، الحلّ بالفدرالية

1139

يكفينا تكاذب، الحلّ بالفدرالية!
يوسف ي. الخوري/15 نيسان/2020

نسمع كثيرًا في الآونة الأخيرة أن لبنان يمرّ في أصعب مرحلة في تاريخه، وباتت الأسباب المتراكمة التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه، معروفة من الجميع وتتكرّر عشرات المرّت يوميًا.

تقول القاعدة العلميّة أنّ حلّ المعضلات يبدا بتحديد الأسباب، لكن مشكلتنا تخرج عن المألوف، إذ أن أسبابها واضحة لكن حلولها مستعصية.

فقبل الإصلاح، واستعادة الأموال المنهوبة، والـ Haircut والـ Capital Control، هل باستطاعة أحد أن يُخبرنا؛ من أين سنأتي “غدًا” بالخبز لنحيا، والبنوك تحجز على أموالنا وأعمالنا متوقّفة؟!

ومن أين ستأتي دولتنا المُفلسة بالموارد التي تُخرجها من عجزها لتعود دولة؟ أو كيف ستنهض باقتصادنا؟ أو ما السبل التي ستُعيد الثقة ببنوكنا السائرة نحو الانهيار؟…

تساؤلات وتساؤلات، وغيرها الكثير من التساؤلات ولا جواب واحد يُطمئن. وكلما تتبعتُ أكثر تحاليل الخبراء لاستنتاج أجوبة شافية، كلما ازددتُ تشاؤمًا من النتائج التي ستوصلنا إليها المعضلة التي نحن بها.

وبينما أنا غارق في تشاؤمي، مرّت ببالي فكرة ربما تكون هي الحلّ السحري لشدّة ما هي بسيطة، الفدرالية. وفجأة استفاق “الأخْوَت” القابع في داخلي ليسألني بلهجته الكسروانية الظاهرة:

الأخوت اللي فيّي: معقولي ما حَدَش منتبه إنّو أفيش غير الفدراليي بتخلّص البلد؟

عقلي الواعي: مش وقت خْوات هلّأ، بتعرف منيح إنّو الفدرالية بعدا Tabou!

الأخوت اللي فيّي: لما تصيروا تسترجوا تحكوا فيها بتبطِّل Tabou.

عقلي الواعي: ما إذا حكينا بدّك مين يسترجي يسمع!

الأخوت اللي فيّي: بكرا بس يجوع الشعب بيسمعوا “الكبار”!

عقلي الواعي: عم بتفكّر متلي؟

الأخوت اللي فيّي: أكيد لَهْ (لا)، أنا بفكّر عا صوت عالي، إنت أوقات أبتسترجيش تفكّر…

عقلي الواعي: فكّر تا نسمع قبل ما يسمعنا حدا.

الأخوت اللي فيّي: أول شي لازم الكل يعرفوا إنّو الفدراليّي مش معناتو تقسيم، الفدراليّي “اتّحاد”..

عقلي الواعي: شو يعني هلأ!؟ عم تترجم للعربي كلمة فدرالية؟

الأخوت اللي فيّي: مش إنت قلت إنّو الفدرالية منِلْ المحرّمات، قَرِبلُن ياها عا عقلن واستعمل كلمة “اتحاد”، أزبط..

عقلي الواعي: اعطيني الزبدي وبعدين منشوف كيف نقرِّبا عا عقلن.

وراح “الأخوَت” الذي في داخلي يستعرض أهميّة تحويل النظام اللبناني إلى نظام فدرالي، فأوضح أن كل جماعة طائفية تكوّن بيئتها ضمن إقليم (ولاية) خاص بها، حيث يكون لها الحق بقوانين وثقافة وقضاء مستقلّين عن باقي المناطق وعن الحكومة المركزيّة. وأضاف أن ثلاثة شؤون تبقى موحّدة بين كل الأقاليم هي سياسة النقد، والأمن القومي (الدفاع)، والسياسة الخارجية.

“أخْوَت يحكي وعاقل يفهم” كَم ستكون نافعة هذه التركيبة الفدراليّة:

– أولًا: قانون الأحوال الشخصيّة في لبنان هو علّة العلل، في الفدرالية سوف يكون لكل إقليم قانون موحّد يناسب أهله.

– ثانيًا: في الفدرالية لا يعود هناك من مبرّر لتدّعي الأحزاب الطائفية الدفاع عن مصالح طوائفها، كون هذه الطوائف ستستقلّ عن بعضها ضمن الاتّحاد.

– ثالثًا: في الفدراليّة ستتخلى الأحزاب عن نزاعاتها الطائفية لتتحوّل إلى أحزاب تتنافس في الإنماء والإبداع، فتنشط في البلاد حياة سياسيّة وطنيّة، ويزدهر الإنتاج الصناعي والزراعي على حساب الريعية.

– رابعًا: في الفدرالية سيتاح المجال لأهل الخبرة والاختصاص الجديرين وليس للـ “متزلّمين”.

– خامسًا: في الفدراليّة سيتفرّغ الناس للعلم والشعر والفنون، وسينبذون الأحقاد الطائفية، إذ سيُزال التماس من بين الطوائف.

– سادسًا: في الفدرالية ستزول المحاصصة، ولا يعود هناك وزارات سياديّة واخرى أقلّ شأنًا، ولن تتعطّل الإدارة بحجّة تطبيق قاعدة الـ 6 و 6 مكرّر…

– سابعًا: في الفدرالية لن يخاف المسيحي من خسارة امتيازاته نظرًا لتقلّص عدد أبنائه، ولن يكترث السنة والشيعة بنفوذ أوسع كون أعداد مواطنيهم إلى ازدياد وتفوّق.

– ثامنًا: البنوك لن تستعيد ثقة اللبنانيين – مهاجرين ومقيمين – بأقل من عقد من الزمن أو ربما اثنين، في الفدراليّة ستكون هناك فرصة ليشكّل كل إقليم نظامه المصرفي الشفاف الذي يتناسب مع تطلعات أبنائه، فيجذب الودائع ويُحيي الاستثمارات.

– تاسعًا: في الفدرالية سيتحرّر لبنان من الضغوطات الدولية والتأثيرات الإقليميّة، لا بل سيُصبح في قائمة الاهتمام والعناية الدولييّن، فعلى سبيل المثال لا الحصر، نحن اليوم ميؤوس من امكانيّة منحنا هبات وقروض لننهض من أزمتنا، لأن الغرب يعتبر حزب الله “منظمة إرهابيّة”، والخليج السنّي غير مستعد لمساعدة لبنان الواقع نحت السيطرة الإيرانيّة، وحزب الله الشيعي والأحزاب اليسارية العقائديّة عاجزون عن تقليص سطوة النظام المصرفي الليبرالي الذي يعتبرونه عميلًا للغرب، لأن السنّة والمسيحيّين والدروز– ولو تستّتر بعضهم – هم داعمون لليبراليّة المصارف (وليس للمصارف نفسها)!
في الفدرالية سيستقّل المسيحيّون والسنة والشيعة والدروز عن بعضهم، عندها لن تمانع دول الخليج من مساندة المنطقة السنيّة، وستستمر ايران بدعم المناطق الشيعيّة، ولحفظ موطئ توازني له في الشرق الأوسط سيهّب الغرب لمساندة المسيحيّين شرط أن يساند هؤلاء بعضهم. إذًا بالفدرالية سيأتي لبنان الدعم والاستثمارات من جهّات مختلفة ومتناقضة عوض أن يبقى مجمّدًا، وستدور العجلة الاقتصاديّة بنشاط وحيويّة، ويعمّ الازدهار والبحبوحة.

– أخيرًا وليس آخرًا: في الفدرالية يستطيع مَن يُريد تحرير القدس وشنّ الحروب على إسرائيل، ان يفعل ذلك بإرادته وعلى حساب ملّته ومن دون أن يزعج الآخرين، وليتعاطى بهذا الخصوص مع سلطة البلاد المركزية بعيدًا عن أي نزاع طائفي بين الأقاليم.

لأخوت اللي فيّي: معي حق ولا لأ؟

عقلي الواعي: خمنت بدّك تسألني إذا عم تحلم ولا لأ؟

الأخوت اللي فيّي: فيك تشوف غير حل؟

عقلي الواعي : في واحد بس…

الأخوت اللي فيّي: (متعجبًا)…

عقلي الواعي: إذا فدراليتك مستحيلي، مصيرنا جمهوريّة الملالي الإسلاميي…

الأخوت اللي فيّي: (صارخًا) شو عم تحكي يا اخوِت؟!!!

عقلي الواعي: واحد متلك أخوِت… انضب وما بقا تسمّعني صوتك!

الأخوت اللي فيّي: شو رايَك أعرض أفكاري عالرئيس متل ما عَمَل أخوت شاناي مع المير بشير؟

عقلي الواعي: انضب!