المخرج يوسف ي. الخوري/صفّوا حساباتكم مع جبران خارج قدسيّة الرهبان؛

96

صفّوا حساباتكم مع جبران خارج قدسيّة الرهبان؛
المخرج يوسف ي. الخوري/29 شباط/2020

تمتلئ وسائل التواصل الاجتماعي منذ يومين أو أكثر بالانتقادات الموجّهة ضد الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة لمنحها قطعة أرض للتيار الوطني الحر، لُزوم بناء مركزه الرئيسي عليها. بتمعّني في هذه الانتقادات وجدت مَن يُقارب الموضوع “غيرةً منه” على البيئة و”خوفًا” على تدمير معالم أثرية يعود تاريخها لقرون خلت. ورأيت أيضًا مَن يتناوله من زاوية أن ما تملكه الرهبانيّة من أراضٍ هو أوقاف من أهلنا القدامى لهذه الرهبانية ولا يحقّ لها التصرّفُ به. ويذهب بعضُ غيارى الدين إلى المطالبة بمحاسبة رئيس الرهبانية الحالي الأباتي نعمة الله الهاشم وتوجيه اللوم إليه على “تفريطه بالأوقاف”، وليس إلى التيار الوطني الحر.

بمطالعتي أسماء المزايدين في الانتقادات، وجّدت من بينهم اليساريين ومدّعي العلمنة الحاقدين الذين لا يُفوّتون فرصة للانقضاض من خلالها على الكنيسة المارونيّة، كما وجدت بعض الموارنة والمسيحيّين الأغبياء، الذين يعتقدون بأنّهم بمهاجمتهم الرهبان يُصبحون مفكّرين وينالون حظوة لدى روّاد التواصل الاجتماعي. أمّا المُلفت بين التمعّن والمطالعة هو أنّ هؤلاء المنتقدين أنفسهم كانوا بالأمس القريب جدًا يُطالبون الكنيسة ببيع ما تملكه من أراضٍ لإطعام “شعبها الجائع”.

أن يشنّ اليساريون “العلمانيّون” حملة على رئاسة الرهبانيّة، فهذا مقدور على فهمه بأنّه حقد مبيّت، وآليّة التعامل مع هؤلاء ولجمهم هي بغاية السهولة لأنّهم فاقدون للحجج المقنعة. أما أن ينجرّ بعض أبناء الطائفة خلف الإشاعات والحملات الموجّهة ضد الرهبانيّة، فهذا غباء ما بعده غباء ولا سبيل لردعه، إذ من الصعب مناقشة الأغبياء.

وهنا تحضرني بعض الأسئلة قبل أن أحسم موضوع الملكيّات الرهبانيّة وحقّ التيار الوطني الحرّ ببناء مركزه:
– أين كنتم يا غيارى يا مأجورين يوم انتهكت سوليدير آثار عاصمتنا بيروت واغتصبت ممتلكات أهلها؟
– أين كنتم لما ركض بالبيجاما عالم الآثار إبراهيم القوتلي ووقف أمام الجرّافة التي كانت تجرف الآثار في وسط العاصمة، ما اضطُر متعهّد سوليدير إلى أمر سائق الجرافة بدهسه، فدهسه وأجلسه طريح الفراش ثلاثة أشهر بين الحياة والموت؟ وأين كنتم يوم لم يدافع وزير الثقافة ميشال إدّه عن القوّتلي المكلّف منه شخصيًّا بالسهر على آثار بيروت؟
– أين كنتم وأين كان نوّابكم يوم مرّر رفيق الحريري في ظلام الليل قانون إلغاء حقّ الشفعة؟! وأشكّ أنّكم ونوابكم حينها كنتم تُدركون ماذا يعني حقّ الشفعة!
– أين كنتم يوم سقط اسم بيروت عن مطارها الدولي ليحلّ مكانه اسم رفيق الحريري؟
– أين كنتم يوم تحوّل قصر القنطاري إلى مكاتب حزب عروبي، وهو القصر الرمز لصدّ الهجمة العروبيّة الناصرية على لبنان إبّان ثورة الـ 1958؟
– ماذا فعلتم لردع الشيعة، بحماية ثنائيَيْهم المسلحَيْن، من قضم أملاك الموارنة ومطرانيّة لاسا المارونيّة نواحي جبّة المنيطرة؟
– لماذا لم تعترضوا يوم وهبت الرهبانيّة الأرض المجاورة للأرض المؤجّرة من التيار للاجئين الفلسطينيّين لإيوائهم في مخيّم صار اليوم بلدة؟ أوَيحقّ للفلسطينيّين ما لا يحقّ لغيرهم؟
– أين كنتم يوم خطّط رفيق الحريري وأزلامه “الموارنة” لتحويل جامعة الكسليك، الرمز الماروني وقدس المقاومة اللبنانيّة، إلى سوق تجاري؟ هل اعترضتم أو حتّى علمتم أنّ المخطّط كان يشمل نقل الجامعة وبناءها على نفس العقار المؤجّر اليوم من التيّار؟ وهل ساهمتم يومها بالدولارات الملايين التي تكبّدتها الرهبانيّة لوقف هذا المخطّط؟ فيا أيّها المزايدون الأغبياء الحاقدون، تُلهون أنفسكم بما لا يعنيكم، بينما كان مطلوبٌ منكم أمورًا كثيرة لم تقووا حتى على التلميح إليها.

أمّا لأختم، فللعلم أقول الحقيقة القاطعة التالية:
أملاك الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة تقع في ثلاثة أنواع: 1- أملاك اشتراها الرهبان من مالهم وتعبهم. 2- أملاك هي أوقاف، بمعظمها كانت توهب للرهبان للحفاظ عليها، خصوصًا لما كان الأهل يخافون من أن يفرّط أولادهم بها، وهذه “الوقفيّات” تُسمّى ذرّية ولا يحقّ للرهبان التصرّف بها. 3- أملاك كانت تُعطى للرهبان بأثمان غير مباشرة، كتلك التي كان يعجز أصحابها عن تسديد ميرتها، مقابل أن يتولّى الرهبان دفع الميرة واستصلاحها وتقديم العناية الطبيّة والرعاية الاجتماعية لعائلة من أعطاهم إيّاها.

إذًا نحن أمام أنواع مختلفة من “الوقفيّات”، واحدة منها فقط لا يحقّ للرهبان التصرّف بها، مع العلم أن قرار بيع أي وقف يجب العودة به إلى الكرسي الرسولي في روما، أمّا الاستثمار فالغاية منه خدمة المجتمع وتامين استمراريّة الرهبانية.

وعليه، إن الأرض المؤجّرة من التيار الوطني الحرّ هي أرض صخرّية جرى استثمارها في السابق أكثر من مرّة، وأنا شخصيًّا فاوضت على استئجارها عام 2004 لبناء استوديوهات تلفزيونيّة عليها، وكان الرهبان مشجّعين للخطوة قبل أن أعدل عن قراري. إذًا ما الضرر من تأجيرها للتيّار طالما في النهاية بعد انقضاء مدّة العقد ستسترجعها الرهبانيّة بما شُيّد عليها من أبنية؟

القصّة ليست قصّة غيرة على الأوقاف أو البيئة أو الآثار، القصّة هي قصّة قلوب “مليانة” من جبران باسيل، لكن أن يُستخدم جبران لإطلاق السهام على الرهبان الموارنة، فهذا تعدّي على القدسيّات اللبنانيّة قبل المارونيّة ولن يمرّ! ولمن لا يعرف؛ إذا كنتم تتغنون يا لبنانيّين بتعايشكم ووحدتكم ولبنانكم الصيغة والميثاق، فاعلموا أن كل هذا ما كان ليكون لولا الرهبان!
على الهامش في اليوم الخامس والثلاثين بعد المئة لانبعاث الفينيق.