عيد مار مارون على وَقْع عظة لاذعة… المطران عبد الساتر: “الاستقالة أشرف”

176

عيد مار مارون على وَقْع عظة لاذعة… المطران عبد الساتر: “الاستقالة أشرف”

النهار/09 شباط/2020

وصل رئيس الجمهورية ميشال عون إلى كنيسة مار مارون في الجمّيزة، للمشاركة في قداس مار مارون، وكان سبقه وصول رئيس مجلس النواب نبيه برّي ورئيس الحكومة حسان دياب، إلى شخصيات سياسية ودينية.

أكثر ما استوقف المراقبين في القداس الرسمي لمناسبة عيد القديس مارون في الكنيسة التي تحمل اسمه في الجميزة الترتيبات الأمنية البالغة التشدد التي اتخذت في وسط بيروت ومحيط الكنيسة، بحيث بدت المنطقة كأنّها منطقة عسكرية لمنع أي إمكان لتسلّل المتظاهرين الى مكان المناسبة. اذاً القداس أقيم تحت هاجس الثورة.

وأضاء الرئيس عون شمعة أمام ذخائر مار مارون في الجميزة، بالتزامن مع القداس الذي يترأسه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي أمام ذخائر مار مارون في الفاتيكان.

وألقى راعي أبرشية بيروت الماروني المطران بولس عبد الساتر عظة في المناسبة، قال فيها: “ما قيمة الانسان ان كانت حياته عقيمة والذي يأتي ويروح ولا يأتي ثمرا ولا يترك اثرا له سوى ذكر سيئ ومارون جاء ليعيش بهذا النهج”.

ووجّه المطران عبد الساتر نداءً إلى المسؤولين في قداس عيد مار مارون: “ماذا تنتظرون؟”

وقال في عظته: “نَهجٌ جديدٌ أَوجدَهُ، بَل لِنَقُل شرطًا اساسيًّا وضعَه الربُ يسوعُ لِمَن يُريدُ ان يكونَ مثمرًا في حياتِه، أكانَ انسانًا عاديًّا أم ابًا أم أمًا أم مسؤولاً في مجتمعِه ووطنِه. وما قيمةُ الإنسانِ إن كانت حياتُه عقيمةً؟ وما نفعُ الإنسانِ الذي يأتي ويروحُ ولا يُعطي ثمرًا او لا يتركُ أثرًا له سوى ذكرٍ سيئٍ من الأنانيَّةِ والتسلُّطِ والمكابرةِ على اللهِ والعِبادِ”؟

وأضاف: “جاءَ مارونُ في القرنِ الرابعِ الميلادي واختارَ ان يعيشَ بحسبِ هذا النهجِ الجديدِ وتحتَ هذا الشرطِ. اختارَ ان يموتَ موتًا حقيقيًّا عن شهواتِ هذا العالمِ. عاشَ في العراءِ موتًا عن ترَفِ القصورِ، وعاشَ الزُّهدَ والنُّسكَ موتًا عنِ الأنانيةِ وشهوةِ التملّكِ، وماتَ عن حُطامِ الدُّنيا ليربحَ ملكوتَ السماء. صلّى حتى يُدركَ إرادةَ اللهِ في حياتِه، وصمَتَ حتى يتكلَّمَ يسوعُ مِن خِلالهِ كلامَ حقٍّ، وكانت افعالُهُ كلُّها، أفعالَ عدلٍ. فأثمرَتْ حياتُه اعدادًا كبيرةً من الناسِ الصالحينَ والمؤمنينَ باللهِ الواحدِ. وتحوَّلَ الجبلُ حيثُ تنسَّكَ الى فردوسٍ ارضيٍّ، يلتقي فيه الإنسانُ اللهَ، ويعيشُ انسانيَّتَه وكرامتَه بالكاملِ، ويَسكنُ فيه الذئبُ مع الخروفِ … ويرعى العجُل والشبلُ معًا … ويلعبُ الرضيعُ على وَكرِ الأفعى، ويضعُ يدَه في مَكمَنِ الثُّعبانِ … لأنَّ الأرضَ تمتلىءُ مِن مَعرفةِ الربِّ، كما تملأُ المياهُ البحرَ. كما قالَ آشعيا النبيُّ (اش 11/6-9)”.

وتوجّه للرؤساتء الثلاثة قائلاً: “لأجلِكم نُصلّي في صباحِ هذا العيدِ ولأجلِ باقي المسؤولين في الوطنِ حتى يكونَ ذكركُم، بعد العُمرِ المَديدِ، طيبًا وحياتُكم مثمرةً”.

وتابع عبد الساتر: “إخوتي واخواتي، في عظةِ قداسي الأولِ في كاتدرائيةِ مار جرجس وَسْطَ العاصمةِ، كمطرانٍ على ابرشيةِ بيروتَ المارونيةِ، توجهت بكلامٍ الى السياسيّين والمسؤولين في وطني بما معناه: “أيها المسؤولونُ السياسيون والمدنيون في بلادي، إنَّنا ائتمناكم على ارواحِنا واحلامِنا ومستقبلِنا. تذكَّروا ان السلطةَ خدمةٌ. لكم اقول إننا نريدُ ان نحيا حياة إنسانية كريمة وإننا تعِبنا من المماحكاتِ العقيمةِ ومن الاتهاماتِ المبتَذَلَةِ. مللنا القلقَ على مستقبل اولادِنا، والكذبَ والرياءَ. نريد منكم مبادراتٍ تَبُثُّ الأمل، وخطاباتٍ تجمع، وأفعالاً تبني. نريدكم قادةً مسؤولين”، متسائلاً: “الا يحرِّكُ ضمائرَكم نحيبُ الأمّ على ولدها الذي انتحر أمام ناظرَيها، لعجزه عن تأمينِ الأساسي لعائلته؟ اوليست هذه الميتةُ القاسيةُ كافيةً حتى تُخرِجوا الفاسدَ من بينكم وتحاسبوه وتستردوا منه ما نهبَه لأنه ملكٌ للشعبِ؟ الا يستحق عشراتُ الألوف من اللبنانيين الذين وثِقوا بكم وانتخبوكم في ايار 2018 ان تُصلحوا الخلل في الأداء السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي، وان تعملوا ليل نهار، مع الثوار الحقيقيين اصحابِ الإرادة الطيِّبة، على إيجاد ما يؤمِّن لكلِّ مواطنٍ عيشةً كريمةً؟ وإلا فالاستقالةُ أشرَفُ. أوليس وقوفُ الآلاف من شبابنا امامَ ابوابِ السفاراتِ في مَسعًى منهم الى مغادرة البلاد في أسرع وقت، حافزًا كافيًا لتتوقفوا يا رؤساء الأحزاب والنوابَ والوزراءَ، عن تقاذف التهم والمسؤوليات، وعن محاولاتِ تحقيقِ مكاسبَ هشةٍ، سياسيَّةٍ وغيرها، والشروعِ في التعاون معًا بجِديَّةٍ وبنظافةِ كف، من أجل إنقاذ وطنِنا من الانهيار الاقتصادي والخراب الاجتماعي؟ فماذا تنتظرون؟”.

وأضاف: “اخوتي واخواتي، لم يسعَ يومًا القديس مارون الى بناء مملكة له على هذه الأرض أو إلى تنصيب نفسه زعيمًا على حفنة من البشر. وإنّما شاء أن يعيش حيث هو، في قلب الله، ناسكًا مصليًّا ومتجردًا، فصار اكثر من زعيم لجماعة كبيرة، أضحى شفيعًا لكنيسة تحمل اسمه وتتكّل على صلاته أمام الربّ في أيام الشدة والاضطهاد والضيق. أيها الإخوة والأخوات الأحباء، ليس زعيمًا وطنيًّا ولا مسؤولاً صالحًا من يشجِّع في خطابه على التعصّب والتَفرِقَةِ. وليس زعيمًا من يحسُبُ الوطنَ مُلكيّةً له ولأولاده من بعده، ويحتكر السلطة ويستبدّ ويظلِم من وثِقوا به”.

كما لفت إلى أنّ “الزعيم الأصيل هو الذي يختارُ أن يثبتَ في أرضِهِ في زمن الضيق مع أهله حتى الاستشهاد، ويعملُ لأجل شعبِه حتى نِسيان الذات، ويتنكّرُ لمشاريعه ولمصالحه السياسيَّة والشخصيَّة حتى نُكران الذات. الزعيم الحقيقي يقول الحق دومًا من دون مواربة وبلا خوف، ولا يساوم عليه. إنَّه يعمل لخير المواطن، كل مواطن، ومن دون تردّد. الزعيم الوطني هو الذي يقاوم التوطين والتجنيس من أجل الحفاظ على وجه لبنان الرسالة وعلى حق كل لاجىء ونازح بالعودة إلى أهله وبلده. الزعيم الصالح هو الذي يختار الرحيل أو التخلي عن الزعامة كلّ يوم مرات ومرات على أن يخذل شعبه أو أن يُسيء إليه ولو مرة واحدة”.

وتوجّه إلى عون بالقول: “يا فخامة الرئيس، في خطاب القسم تكلمتم على ضرورة الإصلاح الاقتصادي وعلى خطة اقتصاديّة شاملة مبنيَّة على خطط قطاعية، وأكدتم أن الدولة من دون مجتمع مدني لا يمكن بناؤها. واننا اليوم، لا نزال نؤمن نحن اللبنانيين الذين تشرّد لنا احباء، وسقط لنا شهداء وجرحى، ولنا مفقودون وأسرى ان كل هذا الألم لن يذهب سدًى. ولا نزال نرجو، نحن الذين نعاني الخوف من الفقر والضيق المعيشي والحُرمان من أبسط مقوِّمات العيش الكريم، لازلنا نرجو ان تستيقظ الضمائر، وأن يقوم القضاء بدوره في المحاسبة بحريَّة وشفافيَّة. نحن اللبنانيين لا نزال نصدِّق يا فخامة الرئيس ويا دولة رئيس مجلس النواب ويا دولة رئيس مجلس الوزراء أنَّكم، مع من انتخبناهم مسؤولين علينا، لن تخذلونا. والا الويلُ لنا جميعًا.

وأنهى عبد الساتر عظته قائلاً: “ما حدا بيقدر يحبس المي، والناس متل المي إلا ما تلاقي منفز تنفجر منو … خوفي أن ينفجر الشعبُ كلُّه فيختارَ أن يرحل عن شوارعه وبيوته التي عاش فيها المذّلةَ والقهر والتعاسة، ساعيًا خلف أوطان جديدة فيزولُ لبنان.”.

ولم يسبق أن انفجر الحضور بالتصفيق لعظة مطران كما فعلوا في كنيسة القديس مارون بالتصفيق الحار للمطران بولس عبد الساتر لدى انتهائه من إلقاء عظته المهمة جداً، والتي وجّه فيها انتقادات لاذعة للسياسيين والمسؤولين والزعماء أمام الرؤساء الثلاثة مباشرة، وتحذيرات من الخطورة المتعاظمة للازمة.

وكان البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الموجود في روما تضرّع الى الله في قداس عيد مار مارون، “من اجل لبنان لكي يخرجه من أزماته الخانقة السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية على يد ذوي الارادة الصالحة الذين يريدون حقا خلاص لبنان وخير شعبه”، وقال: “نصلي ايضا من أجل انتفاضة الشباب والشعب في المناطق اللبنانية كافة، بحيث تبقى انتفاضتهم شعلة موقدة، تخاطب ضمائر المسؤولين وتحاسبهم على واجباتهم الوطنية، وتقوم أعمالهم وتبقى حضارية في مطالبها ووسائلها واحترامها للمؤسسات الدستورية، فلا تتخطى حدودها، ولا تسمح بأن يندس الى صفوفها ذوو النيات السيئة الذين يعتدون ويشوهون بهاء وجهها”.