الكولونيل شربل بركات: كل سنة وأنتم بخير…هلموا نرسم طرق الحياة ومسالك العمل المجدي، فننتظم بقوة الأيمان بالمواطنية وبالمسؤولية في ملاحقة انفسنا أولا، ومن ثم كل من حولنا

115

كل سنة وأنتم بخير
هلموا نرسم طرق الحياة ومسالك العمل المجدي، فننتظم بقوة الأيمان بالمواطنية وبالمسؤولية في ملاحقة انفسنا أولا، ومن ثم كل من حولنا

الكولونيل شربل بركات/01 كانون الثاني/2020

تعود السنة في دورتها لتتجدد وتتحفنا بما تحمل من آمال وتمنيات. وهي في تجددها تبقي لنا نعمة الشوق للأفضل، والتوق للتقدم، والحلم بالآتي، الذي يزيّن ايامنا فرحا ونشاطا، لا بل طاقة تحفّز على مزيد من الانتاجية التي تجمّل ايامنا، وتكسر المعتاد، لتطلق العنان للأبداع المتأصل في جيناتنا الطبيعية.

تعود السنة لتجعلنا نجري جردة حساب عما قمنا به؛ فنتعظ من نتائج الكسل والاتكالية، ونفرح بحصاد العمل والاصرار لتجديد العزم. فنحن من يعرف دواخلنا ومن يمسك بالقرار ولا بد لذلك القرار بالاقدام، أن يتشح بالطموح والرؤية، لكي يغسل أوساخ الخمول والخوف، ويتعرى من أوحال الحسد والأنانية، ليجعل النفس صالحة للمضي في ركب الخلق المستمر حيث نشكل جزء صغيرا يضيف كل يوم إلى الكون حلولا من تجاربنا تحسّن وجهه.

في لبناننا الذي نحب جرف حب الذات والتعلق بالأرضيات كثيرا من قيمنا، فتساهل قادة الراي مع الفاسدين، وعمموا رؤيتهم للنجاح، المستند على مد اليد في كل اتجاه، أكان في المسؤولية أو في التملك، وفي شرف التعاطي بالقيم والمفاهيم. ليصبح كل شيء مسموح إذا ما تجمّل بالطلاء أو الحقن. فحقنت المفاهيم بالاتكالية، وطليت السرقة بأشكل من النجاح، وأهتم الكل بالمظاهر الكاذبة، حتى مات الضمير وهو صوت الله فينا. فكيف لنا أن نستقيم، وكيف للجماعة أن تستمر، وللوطن أن يبقى، بدون ذلك الصوت الذي يقينا من الوقوع في التهلكة؟..

من هنا كان لبنان الوطن الذي صنعته أيدي أبنائه بالجهد ينزف بصمت قاتل، وتستباح ثرواته في غياب من ينبه. فالمنظورون استهونوا السرقة، وحراس الهيكل أوصدوا أبواب القيم التي وصلتهم من السلف، وتاهوا كما البقية، في بحر التلذذ بالسهل والانغماس بملذاته.

وعندما استفاقوا على الوضع المتردي، وكأنهم في حفلة فلكلورية، أعتقدوا بأنهم سيحلون المشاكل، ويتجاوزون الخراب، بتغيير بسيط في الجالسين على الكراسي. ولم يعلموا أن التغيير يبدأ في يومياتهم، وأن الحاجات التي اصطنعوها واستدانوا ليقضوها كبلتهم حتى الاستعباد، وأن الدائنين لا يرحمون، وأن البناء الذي ورثوه ينهار رويدا.

هل يكون نظامنا قد شاخ، وهو الذي يحتفل بمئويته هذا العام؟ أم أن التغيير الذي جربوا إضافته أثناء الحرب لم يكن على قدر من الرؤية ليستوعب المتغييرات، ويضبط الادارة المستحدثة، والتي اعتقد بعض من مارسها بأنها فرصة على الصعيد الشخصي لارضاء الأنا، معتقدا بأنه وحده يسكن هذا الوطن وأنه سينتهي يوم يشيخ هو، فلا مستقبل من دونه ولا أمل للأجيال…

وحتى الثورة التي حاولت التغيير لم تستوعب بعد أهمية وعمق الأزمة. لأن الناس سطحيون بالعادة، ويحبون الحلول السريعة، ويعتقدون بأن تغيير أسم هنا ومنصب هناك سيحل مشاكلهم، وهم لم يتجرأوا بعد على مساءلة أنفسهم؛ ماذا عملوا لبناء الوطن؟

وكيف تركوا مسؤولياتهم وعائلاتهم تبنى من دون شعور بالواجب؟ فأولادهم تربوا سرلنكيين وأثيوبيين وهنود وغيره… والبيت قام على نظام جديد برؤوس متعددة وبدون مسؤولية. فإذا لم نعرف المسؤولية في بناء عائلة صغيرة كيف لنا أن نعرفها في بناء وطن ودولة؟

إن التخفي خلف فكرة الجيل الجديد الذي يفهم الأمور أكثر من سابقيه ليست بالفكرة الصائبة دوما.

فصحيح كما يقول جبران “أولادكم ليسوا لكم… أولادكم أبناء الحياة والحياة لا تقيم في منازل الأمس” ولكن ماذا علمناهم وكيف دربناهم على تحمل المسؤولية؟

أوليس الهروب من المشاكل هو الحل الوحيد الذي نمارسه ونعلمه لهم؟ وماذا نتوقع غير أن يجمعوا أمتعتهم عند أول مخاض ويرحلوا إلى أي مكان يستسهلون العيش فيه؟..

هذا العرض واقعي ولكنه ليس من أجل أن نتشاءم ونعتقد باستحالة التغيير نحو الأفضل. أنه حث على النقد الذاتي، وشحذ للمواهب الكامنة، ودفع إلى اتخاذ قرار العناد والمواجهة، مع الذات أولا، ومن ثم مع الآخرين.

لنقف صفا واحدا يحاول الرجوع عن الخطأ؛ فاذا كان الاعتراف بالخطأ فضيلة فكيف إذا كان اعترافا، ومن ثم رؤية أوضح، وتصميما على التجذر في الأرض، ومواجهة المصاعب، وبناء المستقبل لنا وللأجيال القادمة.

فهلموا نرسم طرق الحياة ومسالك العمل المجدي، فننتظم بقوة الأيمان بالمواطنية وبالمسؤولية في ملاحقة انفسنا أولا، ومن ثم كل من حولنا.

لنقوم صفا واحدا نبني معا وطنا سيقوم من رماده، كما فعلها من قبل.

فهو، كطائر الفينيق، يحترق ليعود من الرماد يبني صرحا جديدا ويحلق عاليا بدون خوف.

فلتكن هذه السنة سنة الخير، وسنة البناء، وسنة نضع فيها أيدينا بأيدي بعض، ونفتش عن الحلول الملائمة، ونرسم خطط المستقبل التي تصلح لنا ولوطننا فيعم السلام والانتاج ويزهر من جديد، وطن الأرز شامخا بين الأمم، عظيما كتاريخه المجيد، مقداما كأبنائه البررة.

وليسقط الفاسدون في الفكر والعمل، وليسكن الطموح وجداننا، طموح البناة المنزرعين في هذه الأرض الطيبة، والمنتشرين بين الأمم نورا واشعاعا، ينشرون تجربة فذة ونجاحا مستمرا، لا هربا وخوفا ويأسا لا تفيد أحد لا بل تبعد الناس عن حاملها…

كل عام وأنتم بخير فليكن عام 2020 عام النهوض والقيامة
عام السلام والتكاتف عام النهضة والحلم…
كل عام وأنتم بخير…