الكولونيل شربل بركات: ماذا تحمل الحلول القادمة على المنطقة؟

96

ماذا تحمل الحلول القادمة على المنطقة؟
الكولونيل شربل بركات/30 أيار/2019

العالم الذي يحبس أنفاسه متأملا بمرور الاعصار الذي تتجمع عناصره في الخليج اليوم، وبالرغم من اعلان الكل بأنهم غير معنيين بالمواجهة العسكرية، لا يزال ينتظر بعض النواحي الإيجابية والتي تصب في القبول غير المشروط بالتفاوض كمبدا لحلول الأزمة الحالية بعد التنازل عن لهجة التحدي والمواجهة.

العالم اليوم والذي يقترب من محطات مهمة قد تأخذ الأمور إلى مجار صعبة منها؛ “يوم القدس” الذي يقع في آخر أيام رمضان وتقوده إيران وجماعتها تعبيرا عن رفضهم للحلول “الاستسلامية” ومطالبتهم باسترجاع الحقوق “المهدورة”، و”اجتماع الدول الاسلامية” الذي يعقد في المملكة العربية السعودية وهو أيضا يهتم بالأحداث الجارية وسوف يتخذ بدون شك مواقف منها، واجتماع البحرين الذي سيناقش مواضيع تتعلق بالحلول المطروحة وقد دعيت إليه السلطة الفلسطينية وهي من أصحاب الشأن المهمين، ومؤتمر قمة عربي يعقد في آخر لحظة، وإخيرا وليس آخرا اعلان الرئيس ترامب وادارته عن “صفقة القرن” التي طالما حكي عنها مع كل المواقف التي قد تنشأ بناء عليها.

فقد كانت التسريبات الأولية عن هذه الصفقة أظهرت الكثير من ردود الفعل من قبل المعنيين بالجانب العربي وهي متفاوتة بين الرفض “الطبيعي” لكل مشاريع الحلول، كما هي العادة، والتحسب ومحاولة التمسك بطروحات معروضة سابقا مثل “السلم مقابل الأرض” ومشروع “الدولتين” و”حق العودة” وما إلى هنالك.

الوضع العربي اليوم لا يحسد عليه فلا شمال افريقيا ينعم بالاستقرار السياسي بالرغم من الثروات التي تفيض في بلدانها (كالنفط والغاز في ليبيا والجزائر مثلا)، ولا السودان الغني بالثروات استطاع أن يعبر إلى الحكم الرشيد والتوازن في الرؤية المستقبلية بعد، وليس هناك من سلطة قادرة على التفاوض حول المعابر الدولية الأساسية في الصومال المزعزع أو اليمن المشلخ، بينما تعتبر سوريا والعراق ولبنان مشاريع دول هشة تتقاذفها المليشيات التابعة لإيران من جهة والتمزق الداخلي من جهة أخرى اضافة إلى مطامع الجار التركي الذي يخطط لعودة السلطنة ودورها.

وحدها مصر التي تقود اليوم مشاريع مشتركة في شرق المتوسط مع الاوروبيين بمشاركة اسرائيل واليونان وقبرص (وبدون عُقد) يمكنها بناء رؤية مستقبلية لعلاقات متوازنة ومستقرة قد تجعلها أحد الاعبين الأساسيين في الشرق الأوسط.

الوضع في الشرق الأوسط اليوم ليس على ما يرام، وهو بالرغم من أنه قبلة الأنظار في اعادة بلورة طرق التجارة العالمية وتوزيع الأدوار، خاصة بين دول التصنيع ودول الطاقة والأسواق، وبين الطرق البرية والبحرية والجوية التي تربطها ببعضها، إلا أنه لا يزال منشغلا بعدم الاستقرار الذي يهدد كل المشاريع ويؤجل أشكال التنفيذ.

وليس الموضوع متعلقا بالعرب أو ايران وتركيا فقط، فهو أيضا في الجانب الاسرائيلي لا يزال متأرجحا ولم يُضفِ بعد إلى حلول بشأن قيادة المرحلة المقبلة.

فالسيد نتانياهو الذي أظهر عن بعد نظر في قيادة المرحلة الدقيقة من هذه الأزمة، وبدا كأنه يقترب من تصورالرئيس ترامب للحلول، لا بل ساهم بنوع من التقارب مع الجيران العرب في الخليج، وطور حوارا مجديا مع روسيا، وبالرغم من أنه تقدم على منافسيه في الانتخابات النيابية التي جرت مؤخرا، إلا أنه لم يستطع بعد تأليف حكومة يجب أن تحمل على عاتقها مسؤولية الحلول القادمة ومواجهة التطورات.

الشرق الأوسط الذي تكمن فيه قدرات كبيرة وترسم لشعوبه مشاريع إثراء واستقرار هل سيتلمس الخيط الأبيض من الخيط الأسود ويتمسك بالصالح من المشاريع البناءة؟

أم أنه سوف يتصرف بعشوائية تهدم الكثير من الآمال ولو أنها لن تستطيع أن تفرض بالنتيجة سوى المزيد من الضحايا وبعض التأخير بالحلول المرسومة التي سوف تتحقق عاجلا أم آجلا.

ولكن العبرة لمن سيعرف أن يختار المسار الأقل تكلفة والخيار الأسهل تنفيذا.

فهل سنستفيق على صرخات الحروب المتبادلة وأزيز الطائرات والانفجارات التي كرهها سكان المنطقة جميعهم؟

أم أننا سوف ننعم بالعقلانية وبعد النظر اللذان سيمنحاننا أوقاتا أفضل للتمتع بالاستقرار والثراء والتنعم بالحدود البرية المفتوحة وأجواء البحبوحة والتواصل التي ستعيدنا إلى أجواء قصص ألف ليلة وليلة؟

الأيام القادمة لا بد ستوضح الطريق وستمنحنا دلائل على ما يخطط لهذه المنطقة ومن تبقى من شعوبها، وعلى بعد نظر الحكام والمسؤولين، أهداهم الله بنهاية هذا الشهر الفضيل سديد الرؤية وحسن الاختيار ونعمة التوجه نحو الخير والعدول عن استعمال الشر والتعلق بالطمع.

فالكل متعب والعالم لم يعد ملعبا يمكن التفرد به مهما عظم الشأن. فلتتضافر الجهود ولتتماسك الأيدي للعبور من عالم التقاتل على المكاسب إلى عالم التقاسم والتعاون في سبيل خير الانسانية جمعاء.