سعد كيوان/ثورة البابا فرنسيس وخطاها الناعمة

468

ثورة البابا فرنسيس وخطاها الناعمة
سعد كيوان
26 أكتوبر 2014

تتقدم ثورة البابا فرنسيس الهادئة بخطى ثابتة، ثورة إصلاحية من الداخل، لم يتجرأ عليها أي حبر أعظم من قبل في تاريخ الكنيسة. ثورة تحفر في عمق مفاهيم الكنسية، وفي مؤسسات الفاتيكان الذي بات أقرب إلى دولة مترهلة، تشبه جارتها الإيطالية، أبعدتها البيروقراطية والتحجر عن رسالتها الدينية والإنسانية، ونخرها الفساد المالي والاخلاقي.
قبله، شق البابا يوحنا الثالث والعشرون (1958-1963) طريق تطوير النصوص، وتقريب الناس من الكنيسة، وتقدم بعده بولس السادس (1963-1978)، ليعطي الرسالة المسيحية بعداً إنسانياً، وحضوراً براغماتياً فاعلاً. ثم جاء يوحنا بولس الثاني (1978-2005)، ليصبح معه الفاتيكان صوتاً عالمياً مدوياً، ساهم في دك جدران الحرب الباردة التي قامت بين المعسكرين.
أخضع فرنسيس الكنيسة، في الأيام الماضية، إلى امتحان وتحد قاسيين، بدعوته إلى سينودس (مجمع) فاتيكاني خاص بشؤون العائلة، لمناقشة موقف الكنيسة من مسائل وقضايا ساخنة وغير مسبوقة، مثل زواج المطلقين والشاذين جنسيا. وقد مهد لهذه الخطوة بتحطيمه أهم تابوهات الكنيسة، من خلال احتفاله بعقد زفاف جماعي في الفاتيكان، قبل نحو شهر ونصف الشهر لمطلقين ومتساكنين، سبقه كلام إنساني عميق لظاهرة مثليي الجنس، بالقول: “من أنا لأحكم على هؤلاء؟”.
وقد أظهرت الحوارات والنقاشات التي دامت أسبوعين، وشارك فيها 191 كاردينالاً وبطريركاً من سائر أنحاء العالم، مدى تجذر النهج المحافظ في الكنيسة ومعارضته التكيَف مع تطورات العصر، ومواكبة التحولات العميقة في داخل المجتمع الغربي، إلا أنها، في الوقت عينه، أثبتت أن هناك تجاوباً كبيراً مع خيارات هذا البابا “الثوري” المُجدد والجريء، بدليل أن معظم البنود التي تم التصويت عليها حصلت على أكثرية الثلثين، وهي النسبة المطلوبة لكي تصبح القرارات نافذة. ثلاثة بنود فقط من أصل 42 بنداً لم تحز على أكثر من النصف زائداً واحداً، ما دفع بالحبر الأعظم إلى طلب الكلام، معبراً عن ارتياحه لما أفضت إليه النقاشات (كممارسة ديموقراطية) ولنتائج التصويت، وليعلن أن النقاش سيبقى مفتوحاً، في الأشهر المقبلة، تمهيداً لعقد سينودس آخر. وختم محذراً الأساقفة من “تحويل الخبز إلى حجر والحجر إلى خبز”. وقد دفعته حنكته وشفافيته الى استباق الأمور، وطلب نشر وتوزيع محاضر ما دار من نقاشات، ونتائج التصويت عليها قطعاً لدابر التأويل، أو التسريب غير الدقيق، أو تشويه المعلومات والحقائق.
حركة فرنسيس اليوم ثورة إصلاحية مثلثة الأبعاد، تنطلق من الداخل، لتطال أولاً السلوك والأداء، وثانياً انفتاح الكنيسة وتطوير مفاهيمها الاجتماعية وتحديثها، مواكبة للعصر. وثالثاً، إعادة الاعتبار للإنسان، بما هو إنسان، مؤمن أو غير مؤمن، ولقيم الحياة البشرية “لأن الجميع سواسية، وهم من خلق الله”، كما يردد باستمرار.
بدأ بسلوكه وأدائه الشخصي، متخلياً عن كل مظاهر البهرجة والفخفخة. ترك جناحه في الطابق العلوي الذي يشرف على ساحة القديس بطرس، وانتقل إلى الاقامة إلى يسار ساحة القديس بطرس خارج القناطر، في دير متواضع مؤلف من طبقتين. واستبدل اللباس الحبري الأرجواني والمخملي باللباس الأبيض، واكتفى بوضع صليب خشبي في عنقه، بدل الصليب والخواتم المذهبة التي يضعها عادة البابوات.

دان الفاتيكان، أكثر من مرة، ظاهرة العنف والهمجية التي تجتاح سورية والعراق، وكرر دعوته إلى حل سياسي سلمي للصراع في سورية

ثم وضع يده على ظاهرة الفساد، فكانت أول خطوة له فتح ملف مصرف الفاتيكان المعروف بال “I.O.R”، أي “مؤسسة الأعمال الدينية”، الذي مرت، وتمر، عبره أموال الكنيسة ومشاريعها، وحسابات وصفقات كبار الأساقفة والمسؤولين في روما وحول العالم. وأطلق يومها قوله الشهير: “لم يكن ليسوع المسيح حساب في البنك”. ومهدت عملية رفع الغطاء الطريق أمام تدخل القضاء الايطالي الذي قرر التوسع بالتحقيق وتوقيف الأسقف المشرف على المصرف، واثنين من معاونيه. في الوقت عينه، قرر البابا تشكيل لجنة من ثمانية من كبار الأساقفة، من داخل الفاتيكان وخارجه، مهمتها وضع خطة شاملة خلال سنة للإصلاح، الكنسي والإداري والمالي.
الملف الثالث والأدق والأخطر هو ظاهرة ممارسة الجنس مع الأطفال والقاصرين، والتي تفشت بقوة داخل أروقة الفاتيكان والمؤسسات الكنسية والدينية في العالم. وهي ظاهرة شكلت واحدة من الأسباب الوجيهة والمهمة التي دفعت سلفه، بنديكتوس السادس عشر، إلى الاستقالة، بعد أن عجز عن التصدي لها. فقد وضع فرنسيس يده على هذا الملف الحساس، وعمل بصمت وتأن على مسك خيوطه إلى أن فوجئ الجميع، في 23 سبتمبر/أيلول الماضي، بقرار توقيف السفير البابوي في دولة الدومينيك البولوني الأصل، وإحالته إلى المحاكمة، بعد أن تم نزع الحبرية عنه، وتجريده من صفته الكنسية. ثم تبعه توقيف أسقف آخر، والحبل على الجرار… إذ تبين أن هناك عشرات آلاف الحالات المشابهة.
تبقى مسألة الحروب والمآسي في العالم، وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط التي تحظى باهتمام الفاتيكان والبابا الأرجنتيني، إلا أن مقاربتها تتم بحذر وتأن شديدين، نظراً لحسابات الدول الكبرى والإقليمية ومصالحها، والتعقيدات التي تحيط بها، ونظراً، أيضاً، لانحياز بعض كنائس الشرق والقوى المسيحية إلى جانب هذه النظام او ذاك. وعلى الرغم من ذلك، دان الفاتيكان، أكثر من مرة، ظاهرة العنف والهمجية التي تجتاح سورية والعراق، وكرر دعوته إلى حل سياسي سلمي للصراع في سورية، كما عبر عن امتعاضه الشديد من سلوك مسيحيين يصرون على اعتبار أنفسهم أقليات مهددة “وسط بحر من المسلمين المتعصبين والإرهابيين”. فكان اجتماع البابا مع كرادلة وبطاركة الشرق، بعد انتهاء أعمال السينودس، مناسبة لإسماع هؤلاء كلاماً حاسماً، بلسان سكرتير دولة الفاتيكان (رئيس الحكومة) بيترو بارولين، أن “مسيحيي الشرق ليسوا أقلية، بل جماعة متجذرة في محيطها، وليست بحاجة إلى طلب وصاية، أو حماية، من أي من سلطات المنطقة، سياسية أم عسكرية”.
ما تم إنجازه يشكل عينة واختباراً مهميَن لنيات فرنسيس، وإرادته الصلبة، وعزمه على السير بنهجه الاصلاحي، مستفيداً من قوة شخصيته وكاريزميتها، وبعض من دهائه اليسوعي. هو لا يريد أن يفتح الملفات كلها مرة واحدة، ولا يريد شن الحروب في كل الاتجاهات، لأن المعارضة لنهجه داخل أروقة الفاتيكان ما زالت تملك بعض الأوراق.