بول شاوول/الرئاسة الأولى والبرلمان بين القَطْع والتمديد

247

الرئاسة الأولى والبرلمان بين «القَطْع».. والتمديد

بول شاوول/المستقبل

25 تشرين الأول/14

أيام حروب الآخرين على لبنان بأقنعة الميليشيات والأحزاب المحلية وبأسلحتهم وجنونهم، وعندما «أًغلق« لبنان الكبير بواباته لتسرح الكانتونات المذهبية، إما بعلمانية «عالية» أو بعنفوانية «لا تزحزحها الريح«… أيام تلك الحروب كان يُجدد لمجلس النواب، وتنتخب رئاسة الجمهورية. الانتخابات النيابية عاصية ونابية، لكن الرئاسية كانت واقعة لا محالة، على الرغم من المعارك والقصف على البرلمان وحوله، لمنع انتخاب رئيس للجمهورية، هذا عندما كانت ثمة «تعددية» وصايات تقتسم الأرض والجغرافيا والناس والطوائف الكريمة: بين اسرائيل ومنظمة التحرير والنظام السوري… وامتداد هؤلاء بلا رحمة، ولا حساب.  ثم، وبعد استفحال أمور الوصايات وانفراد السورية في لبنان على أنقاض الجولان طبعاً. باتت تجارب الرئاسة من نصف «إلى الأبد» إلى ربعه… أو إلى طرف منه، لتمدد للمجلس النيابي تلقائياً، و»غريزياً» ويُجدد «للرئيس «بيسر» الوصاية وعُسر السيادة؛ مُدّد للرئيس الياس الهراوي مرات، وللرئيس الأشم كأرز لبنان وصنين أميل لحود. فكأنما اجراء الانتخابات الرئاسية انتقل من الالتزام بالأصل الدستوري… إلى الالتزام «بأجل» الوصاية السورية ذات الشعار الرئاسي الأثيري «الرئيس الأسد من الأبد إلى الأبد» (أسوة بصدام حسين، وعلي بن صالح (الحوثي حالياً!) والقذافي…

وكأنما كان يعني ذلك منع الشغور (بالشغور) على الصعيد الحكومي والنيابي والرئاسي: المؤسسات السياسية الأساسية. ممنوع الشغور ولو بالشغور! قبل الطائف وبعده. وإذا كان الطائف «محطة» ميثاقية كما يقال، فقد أرادت الوصايات أن تحرص على هذه «الميثاقية» ولو باللاميثاقية. أي ولو بالشكلية. فهذه الشكلية الدستورية أفضل من عدم وجودها!

إنه الحرص. والحرز. حرص «الأصابع» الخارجية على تسيير البلد المصادر والمقسم أو «المُلملمَ« أو «الملهم» بعد (الطائف) أو قبله. فلتبق «المؤسسات» شغالة، على اهترائها؛ وهكذا بقيت الأمور حتى بدأت اعداد الوصايات «تتضاءل» لمصلحة بعضها الآخر. من انسحاب اسرائيل من الجنوب، إلى خروج المقاومة الفلسطينية. فإلى تسليم الميليشيات أسلحتها، فإلى المحطة الاستقلالية الكبرى: اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وقيام ثورة الأرز، وانسحاب الجيش السوري… لكن بقاء حزب الوصايتين الإيرانية والبعثية!

هنا، كان للانتخابات النيابية ما يوحي كثيراً بعودة «الصراع» السياسي وممارسة حق الاقتراع، وتأليف الحكومات، واسقاطها، وكذلك رئاسة الجمهورية وخصوصاً بعد مؤتمر الدوحة!

لكن الغريب، هنا، أن سلاح حزب محتشمي بقي بأيدي الميليشيات الالهية المعروفة بوفرة متصاعدة حتى بعد تحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي وتسليمه إلى «الاحتلال» الإيراني: احتلال مقابل احتلال والتحرير بينهما. بمعنى آخر، بقي سلاح «التحرير» لينتقل من الجنوب إلى كل لبنان: تحرير آخر برسم التحرير: الهيمنة شبه الأحادية لإيران بعد سوريا البعث. سلاح نسي «هويته» الأصلية (هذا إذا كان له هوية أصلية غير إيرانية!) في وسط شعب غير مسلح، الميليشيات السابقة انخرطت في الدولة، ولجأت إلى اللعبة الديموقراطية. لكن السلاح الميليشوي الإيراني، تعزز، بحجة تحرير مزارع شبعا! ثم تحرير «القدس»، ثم تحرير فلسطين (شعارات قديمة) ، تحت راية الممانعة والمقاومة «المتجددة»، في دورها السياسي. الداخلي. شَّرفتنا المقاومة المذهبية بكل سلاحها، لتصنع بها المعادلة السياسية. أو محاولة الاستيلاء على السلطة، والنظام الكيان، وتدمير كل ما بُني على امتداد عقود وقرون؛ فهذه المقاومة باتت نظرياً «ضد اسرائيل» (بعد حرب 2006)، وفعلياً ضد كل ما صنع هذا البلد، من «حرية» (ولو نسبية) ووحدة أراض ومؤسسات وسيادة مستحقة بعد ثورة الأرز. لا شيء إذاً! تُجرى الانتخابات النيابية ثم يُعطل المجلس. الشغور الملتبس. ثم تؤلف الحكومة لتُعطل. (انسحاب خواجات الحزب منها لضرب ميثاقيتها!) . ثم تنتخب رئيساً للجمهورية. ليكون على شاكلة اميل لحود مثلاً! وعندما يتمنّع الرئيس عن قبول هذا الدور، «تُعطل» الرئاسة نفسها. وعندما يحين استحقاق الانتخاب الرئاسي يقاطع جلساته «عباقرة» الحزب… ومن في أذيالهم ولفيفهم. الركيزة الثلاثية: برلمان، حكومة، رئاسة جمهورية! المثلث الحاكم بات من الصعب أن يستمر في قوائمه الثلاث: أحياناً رئاسة جمهورية بلا حكومة، أحياناً كما هي الحال اليوم، حكومة بلا رئاسة… لكن البرلمان يُجدد له، والحكومة «تؤلف» (لكي لا تؤلف!)، حكم بلا رأس، بحكومة «لا حول لها ولا قوة» إزاء ما يُنسج للبنان من مؤامرات إيرانية اسرائيلية سورية أو ما يحيط به من مخاطر حالية (حزب الله يذهب إلى سوريا لمحاربة الشعب السوري، لتأتي الينا وإليه، حركات إرهابية مثل داعش والنصرة! ذهب الحزب بمقاتليه إلى سوريا، فاستجلب ارهابيين إلى لبنان. وهكذا، غرق الحزب المُوحِل أصلاً في وحول الدماء السورية، وها هو يفتح على لبنان.. مجاري دماء جديدة! رائع! مع هذا، وعلى الرغم من كل هذه المجازفات، والمخاطر المحدقة التي استجلبها. كأنما هذا الحزب «الفارسي» مُصِرُّ على تدمير ما تبقى من مؤسسات في لبنان: الجيش؟ إما أن يكون وراءنا أو نعطله (كما فعلنا في أمور البرلمان والحكومة والرئاسة) أو «نؤبلسه». الجيش وراءنا… بسلاحه المحدود. يمكن أن نورطه في عبرا. في طرابلس… في صيدا… في عرسال. واذا تمنعت «قيادته» نتهمها بالتقصير (صحافة الحزب ومرتزقته جاهزون! للمهمة العروبية الوطنية) وهذا بالتحديد كما يقول الحزب هو فحوى الثلاثية التي «باضت» بحصاً، وخراباً. أين ثلاثية «الشعب ، الجيش، المقاومة» ! بدعة عبقرية بعد زوال زمن الميليشيات: كل الميليشيات السابقة لم تجترح عقولها مثل هذه الابتكارات والصيغ، ولم «تخترع» معادلة تستوعب كل الشعب وتنفذ عمالتها باسمه، وجرائمها باسمه وغزواتها باسمه! فمن أين هذه «العبقريات» المتفجرة من رؤوس «بتوع» حزب الله! فقد اكتفت كل ميليشا سابقة باستيعاب ما تيسر من ناسها وجغرافياتها، وقعدت عليهم! كانتونات محدودة اشبه بادارات ميليشيوية (غير مدنية! طبعاً). اما حزب العمالة فأشواقه أكبر من رؤوسه، و»أزمنته» لا يتسع لها كل هذا الزمن الضيق، ومشروعه أعظم من هذا «اللبنان» الضيق بآماله. هذا اللبنان الذي «صنعه» محمد رعد ونعيم قاسم… وقبلهما وقبل «سفر التكوين» الحزبي، لم يكن موجوداً! وهكذا قال حزب محتشمي للبنان «كن فكان»! هكذا. من العدم صاغ وطناً، واخترع له «شعباً» من مخيلته ايضاً: فالشعب اللبناني لولا حزب الله لاندثر. فهو حاميه من الارهاب، ومن اسرائيل ومن الفساد والكبتاغون وايران والأدوية المزورة…. حاميه من نفسه ذاتها. ولهذا يجب ان يخترع له، طريق حياة جديدة و»صلاة» جديدة وصراط «حُكم» مستقيماً جديداً، على رأسه من فوق «مرشد» «أصلي» كبير في «أولمب إيران»، ومرشد من تحت صغير بين الأنفاق والأقبية! وهذا الشعب الجديد (هتلر أراد اختراع انسان جديد! انسان خارق! لكن آري!) وما تبقى من برلمان، وحكومة ورئاسة جمهورية فهي عناصر دمار، وخراب، خصوصاً إذا بدأت فيها الانتخابات تعيد تكوين «عاداتها» الديموقراطية! لا شيء! من كل هذا. نحن (يقول حزب سليماني!) نريد أرضاً بكراً جديدة. ترابها جديد، منقول من الخارج. نباتها جديد من الخارج. مياهها جديدة تجري من تحتها الأنهار! انسانها جديد… (يشبه قايين! لا هابيل) وشعبها جديد: نعم! فلمَ لا نفكر نحن الحزب مستقبلاً في «الترانسفير» (كما فعل ستالين، وهتلر وصدام حسين، وحافظ الأسد) وهذا ما فعلناه في مناطقنا وكانتوناتنا. أوليس هذا ما حاولت الميليشيات التي سبقتنا ومقاوماتها ان تفعله وفشلت؟

إذاً. نحن ننجح. ولمَ لا! وهذا خامنئي ، هذه المعجزة الالهية على الأرض البشرية، ألم يفعلها في سوريا… (وقبلها فعلت في ما يسمى عربستان؟) والعراق واليمن ولبنان! انه «خالق» الأوطان الجديد، المرشد خامنئي. محرك الجغرافيات الجديدة. ماحق الحدود القديمة. محرق التواريخ العربية البالية.. وها هي المدن تسقط بين يديه «الطاهرتين» من شدة نفور الدم، من بيروت، إلى بغداد، إلى دمشق، إلى صنعاء. مدن عربية أربع في يد فارسية واحدة! يا للخَلْق! شكراً أيها الخالق! تنام المدن «عربية» وتستيقظ «فارسية». يا لمعجزاتك يا رب السموات، أيها الجبار، السميع، المجيب، العليم! وصار «أنموذجَ الخالق« ناجحاً إلى حد كبير بدءاً من العراق بمساعدة الولايات المتحدة حيث تمّ «تشييع» العراق ثم الجنوب اللبناني حيث تم «تشييعه». ثم سوريا… على الطريق وها هو اليمن من صنعائه…. يتهاوى بين براثن حوثيي إيران. الهلال الصهيوني (معدلاً) شغّال. أو هكذا يبدو لمجانين بني فارس. إذاً، فالفوضى في كل الاتجاهات فحيثما تكن ايران ليعمّ الخراب! (اعتنقت الأيديولوجيا الصهيونية بنجابة مذهلة!). وحيثما تكن أدواتها (حزب الله الآري اللبناني والآخر الزردشتي العراقي… والآخر فيلق القدس العِبري… وصولاً إلى الحُوثي!). فلتُعطل الحكومات إذا لم تؤخذ. وتشلّ اذا لم تستوعب. وتُدّمَّر إذا لم تُحتوَ. والنموذج الاسرائيلي في فلسطين ولبنان فاقع، يجذب العقل الايراني كما يجذب العسل الذباب! ما أغرب هذا التماهي بين صهيونية اسرائيل ونازية النظام الايراني! وما اشبه جنون صدام النرجسي بجنون المرشد النرجسي، وما اشبه ميغالومانية القذافي بميغالومانية الإيرانيين من مسؤولين وقادة! جنون العظمة هو مرض الطغاة! والنرجسية مرض التوسع التخيلي الهش! ومن الطبيعي أن يُصاب أبناء الملالي في لبنان بنرجسية ملاليهم: هل سمعتم محمد رعد يقول إن لبنان لم يكن موجوداً قبل «حزبه» الذي صُنع في مصانع «البالات» في إيران؟ تأملوا! هل قرأتم أو سمعتم احداً، غير ضيوف مصحات حزب الله يقول إن وطنه (المفترض) لم يكن موجوداً قبله! أَإلى هذه الدرجة احترقت «يوزات« رؤوس الحزب. (وكيف نسوا انهم اجراء مياومون وغير مياومين عند دولة خارجية: ومتى كان العملاء «يخلقون» أوطاناً!).

لكن هذا الجنون الذي ورثه الحزب عن «صانعيه» سيدمره، وبدأ بتدميره. ومتى كان الجنون يوصل صاحبه إلى حيث يظن انه سيصل؟ لكن المؤذي في جنون العظمة (لا تنسوا حليفهم المفدى في لبنان!) انه مدمر. عدمي. (حزب الله أوصل عدمية الميليشيات التي سبقته إلى اقصى عدميتها!). ومخرب. ولكي يُصدَّق الحزب (كإيرانه) انجازاته وفتوحاته، فليس له سوى ممارسة سياسة الأرض المحروقة، أو «الأرض اليباب» أو الفراغ المطلق. هذا ما فعلته إيران في العراق. بنت جيشاً «عراقياً» مذهبياً بمليارات الدولارات ليحمي وجودها واحتلالها هناك… لكنه انهار ككومة من الرمل امام هجوم النصرة وداعش، وافرنقع كالغبار وفرّ جنرالاته وجنوده. لا جيش اليوم في العراق. فقط ميليشيات مذهبية وحرس ثوري إيراني. وها بعض المسؤولين يعلنون سقوط بغداد، الساقطة في الفراغ، والموت والدم أصلاً! لا يسقط «ِأي شيء» في أيدي الإيرانيين إلا وتحول خراباً وقتلاً وحقداً، ودماً! فيا لهذه الفتوحات. وها صنعاء يدعي بعض المرضى الإيرانيين بإيبولا النرجسية بأنها سقطت في قبضاتهم: لكن اليمن تهدد بحرب أهلية بسبب جنون الحوثيين، واليمن اليوم، في أخطر مرحلة من مراحله. يعلنون سقوط اليمن اشلاء! فما اعظم عشقهم للاشلاء. (إيران باتت اشلاء في ايدي الملالي: ديموقراطيتها أشلاء، حرياتها أشلاء، انتخاباتها أشلاء، معارضتها في السجون… غريب كأنما تحمل إيران هذا الحجر الفلسفي الذي يحول كل ما يصل إلى أصابعها موتاً واشلاء!). وسوريا، تحت الوصاية الإيرانية. وقالها بعض قادة الفرس: دمشق سقطت تحت أقدامهم! لكن ماذا بقي من سوريا سوى اشلاء، ومن برز أخيراً في سوريا غير جنون داعش والنصرة! اليوم يتقاسم اشلاء سوريا كل من فيلق القدس وداعش والنصرة! ثلاث «إيبولات« سرطانية دفعة واحدة. إذاً سوريا واليمن والعراق لكي تسقط يجب أن تكون اشلاء. فأيدي المرشدين الايرانيين تعشق تحسّس الموت والعدم والدم.

ويبقى لبنان الذي اعلن بعض المسؤولين الإيرانيين انه سقط، تحت «مناخيرهم» من الجنوب إلى بيروت، فإلى الحدود الشمالية! وها لبنان، المعلن ساقطاً (لدى الساقطين من حزب الله ومعلميهم) يتخبط في المخاطر، وتخوفات انتقال الحروب التي استجلبتها ايران وحزبها وعميلها إلى لبنان. إذاً الخراب العزيز! وها هو رئيس الجمهورية مقطوع، والحكومة لا حول لها ولا اقوة، والجيش يُستدرج إلى خرابه. تمديد لمجلس النواب الذي بات فعلاً، مع تشريف حزب محتشمي إلى حياة السياسية مجرد حُطام! يعطل سنة وسنتين. ويقاطع. ويحاصر. ويطوق. ويهدد نوابه. اذاً الطريقة التي اتبعها الايرانيون (وقبلهم بنو صهيون) في عدد من البلدان العربية، يهتديها اهل «الهداية» الربانية عندنا في جماهيرياتهم الكانتونية. ماذا تفعل حكومة بلا رئاسة جمهورية. وما كانت تفعل رئاسة جمهورية بلا حكومة. وماذا يفعل مجلس نواب بلا رئاسة ولا حكومة… لا شيء! كأن كل هذه التجارب والمؤسسات باتت في مربعات حزب الله الأمنية، وفي مهب نرجسياته المَرَضية، وفي سياق عمالته للأهداف الإيرانية. تمديد لمجلس لا يريد انتخاب رئيس وانتخابات رئيس مجهولة الأصل. وحكومة… على شفير كل شيء!

هذا ما يفعله حزب محتشمي في لبنان، بالنيابة عن ايران الفارسية، لكي يغذي بعض «قادته» نرجسياتهم بوهم عظمتهم المنفوخة بفقاعات لفظية، وادعائهم بامتلاك بلد أكبر منهم وأعظم منهم، اسمه لبنان!