الدكتورة رندا ماروني: المجلس الدستوري في مواجهة التطبيع

301

المجلس الدستوري في مواجهة التطبيع
الدكتورة رندا ماروني
23 أيلول/17

بالرغم من أن الحكومة قد إختارت لنفسها عنوان إستعادة الثقة، ثقة الشعب اللبناني، إلا أنها أثبتت من خلال ممارساتها المتجاوزة للمبادئ الدستورية الساعية الى التطبيع مع الفساد المتعدد الأوجه، كان آخرها، ليس إتهاما، بل حكم موقع من رئيس وأعضاء المجلس الدستوري بأن فاقد الشيء لا يعطيه، فحكومة المساكنة طلت لتطل معها روائح الصفقات والتلزيمات والمحصصات والاستهتار بحقوق اللبنانيين المادية والصحية والدستورية، ولتلغي بنفسها عنوان “إستعادة الثقة” ولتثقل أخيرا كاهل الشعب اللبناني بضرائب جائرة ليس له القدرة على تلبيتها.

إن قرار إلغاء قانون الضرائب بأكمله أتى ناصفا للدستور المنتهك مستعيدا ليهيبته ولو جزئياً، فالتجاوزات الدستورية والتطبيع مع الفساد لا يقتصر فقط على الشأن الإقتصادي بل يتعداه ليطال وجود الكيان اللبناني برمته في أرضه وشعبه ومؤسساته، فأصحاب السعادة والمعالي تقايضوا بين المنافع والسيادة ليضحى المواطن اللبناني أعزلا مجردا من حقوقه كافة، وأسيراً للأضاليل والخطب الرنانة الفارغة المضمون.

فعهد التطبيع مع الفساد المتعدد الأوجه بدأت أولى ملامحه في البيان الوزاري حين شرع المقاومة كحق لكافة المواطنين اللبنانيين، فشرع بهذا حمل السلاح إلى جانب مؤسسة الجيش في حين أنه من المعلوم من هي الجهة التي تملك السلاح دون غيرها، والتي تريد لنفسها أن تكون للجيش شريكا وربما لاحقا لتجعل منه تابعا في عصر التطبيع والمساكنة والتكليف الشرعي.

لقد دل المجلس الدستوري بإصبعه على الفساد المتمثل بقانون جائر للضرائب أبطله في شكله ومضمونه، كان سيفرض على المواطنين رغما عنهم لولا همة عشرة من النواب أقدموا على القيام بواجبهم الوطني في المحافظة على حقوق الشعب اللبناني والتصدي لمؤمرات تحاك عليه في لقمة عيشه ليشكلوا بهذا معادلة سياسية جديدة قد تطول أو تقصر حسب بقاء المجلس الدستوري فعالا ومتصديا للتجاوزات عندما يطلب منه النظر في الطعون المقدمة إليه والحكم فيها.

قد يبدو للوهلة الأولى بأن القرار ذو خلفية إقتصادية بحتة، إلا أنه يحمل في طياته تطورات سياسية هامة تشكل نواة صلبة في مواجهة التطبيع مع الفساد على كافة الأوجه، فما حدث مع قانون الضرائب قد يعاد في أمور أخرى طالما أن المعادلة الجديدة قائمة ومدعومة من شعب شبع وعودا بالإصلاح دون نتيجة ملموسة، بدأ السير في طريق المواجهة مع السلطة رافضا تطبيعه مع الفساد المتعدد الأوجه. فبعد صدور قرار المجلس الدستوري ليس كما قبله، ولا بد لهذا القرار أن يكون له إنعكاسات سياسية منها:

– لقد ثبت للمواطن يقينا وليس شكا على الصعيد الإقتصادي بأنه رهينة لسياسات إعتباطية تتحكم بمصيره وتصادر حقوقه وأمواله، ولا بد لهذا اليقين أن يترجم ردات فعل تنعكس على التركيبة السياسية القائمة من خلال الانتخابات القادمة.
– إن الاستهتار والتفريط بالسيادة الوطنية ومساكنتها للتكليف الشرعي وسعيها لتطبيع العلاقات مع نظام بشار تنفيذا للتوجيهات إلإيرانية تارة تحت عنوان محاربة الإرهاب أو الحاجة الإقتصادية أو إعادة الإعمار، وتارة أخرى تحت مسمى عودة اللاجئين في ألاعيب ومسميات باتت مكشوفة للرأي العام ولا تنطلي على أحد هو أمر مستهجن من غالبية اللبنانيين الأمر الذي سيترجم محاسبة سياسة.

فصورة وليد المعلم مع وزير الخارجية أثارت حفيظة الشعب اللبناني في غالبيته لما يمثله هذا الرجل من رمز إحتلالي وذكرى لفترة دامية عاش اللبنانيون تحت وطأتها، كما أن ما ذكر تبريرا لهذا اللقاء فهو غير واقعي نظرا لإشراف الأمم المتحدة على المشكلة المطروحة وعدم قدرة الإثنين معا على التأثير في هذا الموضوع دون وجود حل سياسي شامل يضمن العودة الآمنة لمعارضي النظام، فالطرفين غير مؤثرين ولا يملكان القدرة في إجبار من هو معاد للنظام بالعودة فيما المؤيدين له لديهم حرية الحركة ذهابا وإيابا ساعة يشاؤون. هذا التبرير الغير واقعي يجعل من الحدث والصورة يصبان في المسعى العام لإعادة التطبيع مع النظام السوري تحت مسميات عدة كان آخرها ذريعة عودة اللاجئين.

ولم يقتصر مسعى التطبيع مع النظام على هذا اللقاء العلني الموثق بالصور، إنما أتى خطاب رئيس الجمهورية في نيويورك ليترجم إنتماءه لمحور ويعطي شرعية لبنانية لسلاح حزب الله إلى أجل غير مسمى في حين أنه مصنف دوليا كمنظمة إرهابية.

إن إدخال لبنان في فلك المحور الإيراني علنا توثيقا مع وزير الخارجية اللبناني، وخطابة على لسان الرئيس، نصرتا لمحور والخروج عن الإرادة اللبنانية الجامعة، لا بد له إن ينعكس نقمة داخلية وأن تتربص به محاسبة سياسية ولا بد أن يصنف بأنه عهد سالب لإرادة أغلبية الشعب اللبناني، هذا عدا عن تعرية لبنان أمام المجتمع الدولي وتعريضه لشتى أنواع المواجهات الإقليمية والدولية.

لقد إستطاع المجلس الدستوري ان ينصر الدستور بعد لجوء النواب اليه والطلب منه أن يفصل عدلا، وفتح باب المواجهة مع السلطة ومنع التطبيع مع الفساد المقونن، لقد إستطاع أن يخطو الخطوة الأولى، خطوة على درب الجلجلة الذي ينتظر الشعب اللبناني للحصول على كافة حقوقه أكانت سيادية أم حقوقية، لقد كانت خطوة جريئة من المجلس الدستوري في مواجهة التطبيع وكل الدروب تبدأ بخطوة.

مواجهة التطبيع
خطوة خطوة
بدأها المجلس
وكان قدوة
أظهر الفساد
أوقف التجاوز
أبطل السطوة
القانون ألغى
والدستور أعلى
وأعلن الصحوة
ليكشف النيات
ويظهر الهفوات
هفوة هفوة
ويزيح ظلما
عازم عزما
ناصرا شكوى
بحد فاصل
وسيف عادل
لاغيا قسوة
خطوة أولى
بدأها المجلس
تليها خطوة
بعدها خطوة.