راغدة درغام/الحرب على داعش ارتجالية ومن دون خريطة طريق واضحة

512

الحرب على «داعش» ارتجالية ومن دون خريطة طريق واضحة

راغدة درغام/الحياة/03 تشرين الأول/14

كل ما نعرفه ويقال علناً وتكراراً هو ان هذه الحرب ستطول لسنوات. لا نعرف تماماً ما هي الاستراتيجية التي لدى الرئيس باراك أوباما لحربه على «داعش». هذا التنظيم الإرهابي نجح في استدراج الرئيس الأميركي الى معركة معه، فوضع نفسه على الخريطة، بل احتلها بقرار منه ليصبح كلمة تتردد على كل لسان أينما كان. نعرف، اذاً، ان لدى «داعش» استراتيجية شاملة، شطر منها موجه للرئيس الأميركي، وشطر آخر لقيادات الشرق الأوسط العربية منها بالذات، والشطر الثالث اعلامي بامتياز هدفه احداث خضّة عالمية لا مثيل لها تأخذ علماً به كلاعب فوق العادة. حوالى 40 دولة تشارك في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بهدف تدمير وإزالة «داعش»، بعضٌ منها يشارك في العمليات في العراق حصراً، وبعضها دخل التحالف كي لا يُتهم بأنه يدعم «داعش»، وهناك مَن انساق الى المشاركة في عمليات عسكرية في سورية متردداً خوفاً من ان يكون يساهم عملياً في دعم المحور الذي يعاديه أساساً، وهو، محور ايران – روسيا – نظام بشار الأسد – «حزب الله». «خبصة». هذه حرب شبه ارتجالية تعتمد الغارات الجوية ركناً لنجاحها بلا جنود على الأرض مقتنعين حقاً بأهدافها. وهذا أمر في غاية الخطورة بسبب امكانية الانقلاب على حرب مُرتجلة تفتقر الغايات السياسية المحددة منها. عندئذ، الجميع سيكون في عين العاصفة بما في ذلك أقطاب التحالف الذين احتجوا على اللااستراتيجية السياسية لأوباما وحاولوا اقناعه بتبني سياسة اقليمية واضحة، بلا جدوى، عندئذ لن تحقق حرب أوباما غاياتها بل قد تغذي قوى الإفشال والانتقام منها.

الأسبوع الماضي، تدفقت الوفود الدولية الى الأمم المتحدة في نيويورك للمشاركة في الدورة 69 للجمعية العامة وسط أجواء مختلفة تماماً عن الدورة 68. عندها أتاها الأميركيون والروس شركاء وأصدقاء في أعقاب تراجع باراك أوباما عن «الخط الأحمر» في الساعة الأخيرة بعدما حشد الانطباع بأنه على وشك توجيه ضربة عسكرية للنظام في دمشق بسبب استخدامه الأسلحة الكيماوية. كان وزيرا الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف في منتهى النشوة لتمكنهما من اخراجٍ أدى الى تراجع أوباما تمثل في موافقة الرئيس بشار الأسد على التنحي عن ترسانة الأسلحة الكيماوية.

حدث أوكرانيا غيّر المعادلة وقلب الود بين الشريكين الأميركي والروسي الى عداء. تحدث الرئيس الأميركي من منصة الجمعية العامة عن ثلاثة أخطار تحدق بالعالم واضعاً سياسة روسيا في عهد فلاديمير بوتين ما بين خطر وباء «ايبولا» وخطر ارهاب «داعش».

الرئيس الأميركي ثار على نظيره الروسي بسبب أوكرانيا وليس بسبب استمرار احتضان فلاديمير بوتين لبشار الأسد وإصراره على بقائه في السلطة وإحباط عملية «جنيف» المرتكزة الى اقامة سلطة انتقالية ذات صلاحيات كاملة في سورية تضم النظام والمعارضة.

خطابه أمام الجمعية العامة كان الأكثر مهادنة مع كل من دمشق وطهران متجنباً تكرار ما قاله عن «لا شرعية» الأسد ومتوارياً عن طرح ما أراده منه شركاؤه في الائتلاف وهو: ابلاغ طهران ان واشنطن لا توافق على طموحاتها الاقليمية التي تتسم بالهيمنة على دول عربية أساسية هي العراق وسورية ومعهما لبنان. ركز الرئيس الأميركي حصراً على محاربة «داعش» معتبراً أنه الخطر الأوحد. ترأس مجلس الأمن لاستصدار قرار تاريخي لقطع التمويل عن «داعش» وأمثالها من دون التطرق الى تمويل ايران لـ «حزب الله» الذي أعلن انه طرف في القتال في سورية لمصلحة النظام.

بعض الدول الخليجية احتفى واكتفى بإصرار الرئيس الأميركي على ابعاد دمشق وطهران وموسكو عن التحالف. البعض الآخر رأى في هذه الابعاد فوائد فعلية لدمشق وطهران وموسكو لأن أوباما اكتفى بالإبعاد ولم يطالب بأكثر. وبالتالي، تبدو الولايات المتحدة وأقطاب التحالف تشن حرباً بالنيابة عن محور روسيا – طهران – دمشق – «حزب الله» بلا كلفة تُذكر لأطراف هذا المحور، بل مجاناً، لأن هذه الحرب تزيل أحد أهم وأعنف أعداء هذا المحور.

المعارضة السورية المعتدلة المتمثلة في «الائتلاف» الذي يرأسه هادي البحرة قررت ان حرب أوباما على «داعش» تساعدها لأنها تزيل عنها عبء مواجهة جبهة من جبهتين: «داعش» والنظام في دمشق. في صفوفها من يختلف عن هذا التقويم ليس حباً بـ «داعش» وانما خوفاً من أن تُستخدَم في حرب بلا أفق سياسي وبلا ضمانات.

فالمعارضة السورية المسلحة التي هي جنود الأمر الواقع على الأرض، مثلها مثل العشائر العراقية التي ستقوم بالانقلاب على «داعش» وهي بدورها جنود الأمر الواقع على الأرض في حرب أوباما، حصلت من واشنطن على «بعد» وليس «قبل».

بكلام آخر، قيل لهم، افعلوا الآن ما هو مطلوب منكم، ثم نفعل ما تريدونه لاحقاً.

السبب الرئيسي وراء اصرار ادارة أوباما على الاستعجال الى تنفيذ أولوية تدمير «داعش» ثم بعد ذلك تتناول الشق السياسي في سورية والعراق هو ايران. فالرئيس الأميركي ما زال مصراً على ان في وسعه صياغة تركته التاريخية بعنوان التفاهم مع ايران بالذات في الملف النووي.

المفاوضات النووية متعثرة. بريطانيا – بشقها الوطني وبشق كاثرين اشتون التي ترأس السياسة الخارجية لدول الاتحاد الأوروبي – متشوقة جداً لقلب الصفحة مع طهران والتوصل الى اتفاق نووي بأي شكل كان. رأي بريطانيا ان الفرصة متاحة عبر شخصية باراك أوباما والذي هو بدوره متشوّق جداً لدفع ايران للتنازل والاتفاق نووياً.

ليس في بال الرئيس أوباما، ولا يبدو مستعداً، لأن يطرح المسألة الرئيسية المعنية بالناحية الإيرانية في حربه على «داعش». لا يريد طرح العنصر الإيراني في الملف العراقي بقوّة – وهو بذلك يتجاهل عمداً العشائر التي تطالبه بالإيضاحات والضمانات «قبل» وليس «بعد» التحاقها بالحرب على «داعش» على نسق «الصحوات» ضد «القاعدة». والرئيس الأميركي يغامر جداً في هذه المقاربة، بل انه يورط حلفاءه الخليجيين في التحالف لأن القاعدة الشعبية السنية في الدول الخليجية – كما داخل العراق – تريد ان تفهم «الآن» وليس «لاحقاً» ماذا يعد بضمانات. فهي لا تثق بالرئيس الأميركي ولا هي جاهزة لأن تكون ذخيرة في حربه العائمة سيما إذا بدا لها انها لمصلحة ايران وطموحاتها في العراق.

العراق ملف أسهل، نسبياً، من ملف سورية حيث ايران تخوض الحرب المدمرة هناك عبر «الحرس الثوري» وعبر «حزب الله» بصورة مباشرة وليس عبر النفوذ السياسي ما بعد الحرب، كما في العراق.

الرئيس أوباما لا يواجه طهران في المسألة السورية. انه يعفيها من المحاسبة وهذا بدوره يورط حلفاءه في التحالف ويفسح المجال للانقلاب على حربه ضد «داعش». فإذا ظن ان جنود الأمر الواقع على الأرض سيصبرون لسنوات قبل أن يتعرفوا تماماً الى مصيرهم في المعادلة، انه يغامر في مفاجأة غير حسنة.

والخوف ليس على حرب أوباما فحسب. ان الخوف ينبع من احتمال ثورة القاعدة الشعبية على بعض الدول المتحالفة مع الرئيس الأميركي وهو يخوض حربه العائمة بلا أفق سياسي ولسنوات.

هذه القاعدة الشعبية وبشق المؤسسات في هذه الدول تشمل المؤسسة العسكرية فترفض تكتيك تأجيل الضمانات السياسية الى ما بعد العمليات العسكرية. تريدها قبل، وليس بعد. والخوف ان تثور هذه القاعدة على حرب أوباما وليس حباً بـ «داعش» وانما رفضاً لاستهتار الرئيس الأميركي بها وبمطالبها.

قبل سنة، رفض الرئيس أوباما خوض حرب في سورية في الساعة الأخيرة، فترك لنفسه سمعة التردد والتراجع وافتقد الثقة به وبعزمه. اليوم، انه في أشد الحاجة لإعادة تأهيل نفسه قائداً جدياً في ذهن أهالي منطقة الشرق الأوسط.

«داعش» كانت له بيئة حاضنة في العراق وانطلق بدعم من منظمات وعشائر احتجاجاً على أمر فُرِض عليهم بقرار ايراني ومساهمة اميركية – عمداً أو سهواً. فليس سهلاً استعادة الثقة على رغم الاستعداد الصادق لإعطاء رئيس الحكومة الجديد حيدر العبادي فرصة جدية. ذلك ان رئيس الحكومة السابق، نوري المالكي، خرج من باب رئاسة الحكومة وعاد من نافذة منصب نائب رئيس الجمهورية فيما منصبا وزيري الدفاع والداخلية ما زالا موضع خلاف.

على الرئيس الأميركي ان يُدرك ان ايران، بشق الاعتدال المتمثل في الرئيس حسن روحاني وشق التطرف المتمثل في قائد «الحرس الثوري» قاسم سليماني، لها أقصى النفوذ في العراق. وما يطالبه به العراقيون هو ألاّ يتظاهر بعكس ذلك. يطالبونه بالقيادة الجدية في الملف السياسي إذا كان يتوقع الجدية في ثورة العراقيين على «داعش». فغاراته ليست كافية. وتورطه سيكون أعمق وأوسع اذا فشل في استيعاب اهمية الشق السياسي «قبل» وليس «بعد» حربه في العراق.

وعلى الرئيس الأميركي ان يتصرّف من دون دفن رأسه في الرمال عندما يتعلق الأمر بالدور الإيراني في سورية. فهو يُلام أساساً لعدة أسباب منها امتناعه عن الانخراط منذ البداية، ونأيه بنفسه عن وضع أسفر عن قتل 200 ألف وتشريد ما يقارب 10 ملايين. عليه ألاّ يتوقع التلقائية في الالتحاق بحربه التي استدعي اليها مُرغماً، وعليه ألاَّ يعتقد ان «داعش» يمحو الفظاعات الأخرى التي قرر هو عدم الإقرار بها في سورية لأن ذلك ناسبه حينذاك، فلا يحق للرئيس أوباما ان يستدعي منطقة الشرق الأوسط الى الالتحاق بحربه الغامضة لسنوات من دون أن يقدم خريطة طريق واضحة لغايات هذه الحرب ما وراء تدمير «داعش» الآن، وليس لاحقاً. لا يحق له أن يورّط الولايات المتحدة – وليس فقط حلفاءه العرب – في حرب يقف الجنود فيها على أهبة الانقلاب عليها.