الكولونيل شربل بركات: رثاء للعزيزة جارتنا .. وديعة

194

رثاء للعزيزة جارتنا ..وديعة
الكولونيل شربل بركات/29 آب/16

جارتنا وديعة جزء من ذكريات الطفولة فهي شكلت إحدى الشخصيات المحببة بالحي الذي كان يعج بالحياة يوم كنا نسكن في بيت جدي بركات بقرب الكنيسة وكان جيراننا بيت أبو مارون يوسف رزق الأقرب إلى بيت جدي ثم بيت أبو حنة المعروف باسكندر جبران وهو ابن جبران بن روكز ابن الخوري يوسف من جب حنا البراهيم ويسكن فيه أيضا صهره جميل رزق زوج ابنته شفيقة (والبيت بالأصل لشكري رزق والد زوجته وأحد ثلاثة اخوة عمروا البيوت الثلاثة وهم حنا وشكري ورزق أما بيت ابو حنة الاساسي فيجب أن يكون في الحارة حيث سكن اخاه بشارة بعد عودته من الهجرة في داكار- السنغال) ثم بيت ابو توفيق يوسف حنا رزق. وكان الحي يعمر بالحركة ففيه أولاد من كل الاعمار صبيانا وبنات وفيه الحمير والبقر أساس الانتاج وفيه الدجاج الذي يقفز في كل اتجاه وينتهي يبحبش في الجنينة. وفي أول الربيع تزوره أفواج السنونو التي تعشش في حيطان الكنيسة وبعضها يصنع أعشاشا في هذه البيوت الترابية. ولكل من البيوت بئره الخاص والأجران الصخرية لسقاية الدواب والموقدة والحطب والغرف مع حبال الغسيل والمرطب لوضع الدخان قبل توضيبه في البنادك، زد على كل ذلك افواج من الصغار الذين ياتون للمساعدة في شك الدخان صيفا وخاصة عند ابو طوني جميل المعروف بقصصه المشوقة.

وابو حنة كان زوّج ابنته الكبرى حنة لكريم مطر وقد سكنت وزوجها في ضبيه أما ابنته الثانية شفيقة فقد بقيت تسكن معهم. وكانت حنة تأتي لقضاء فصل الصيف في الغرفة البرانية أو في بيت الحوراني فوق الطريق (والذي يعود لأخوال زوجة ابو حنة) وكانت ابنتاها ريمونضة ولوسي تلعبان مع وفاء ويولا بنات ابو مارون ومع سامية وتريز بنات أوجيني ابنة ابو مارون وماري ابنة ابو طوني بينما كانت غولدا شقيقتها لا تزال صغيرة. أما من ناحية الصبيان فكان طوني ابن جميل يصغرنا قليلا بينما جورج ابن ابو مارون وحنا ابن ابو توفيق أكبر من جيلنا.

وكانت وديعة عزباء تعتني بالبيت وتساعد الكل وكانت صديقة لشقيقتي كرملين ولور وعمتي روز وهي شكلت جزءا ليس فقط من الحي بل من بيتنا ايضا فكثيرة هي القصص التي جمعت هذه الشخصيات وبقيت بالبال محببة وقريبة بكل تفاصيل حياتها. من هنا ولو بعدت المسافات وقل التواصل فقد طبعت هذه المرحلة طفولتنا وشكلت عناصرها بعضا من الذاكرة. ويبقى صوت ابو حنة وضحكة وديعة ترن في آذاننا، وكلما التقينا كانت البسمة واللهفة تميز اللقاء وتبعث على الشوق لتلك الفترة من حياتنا قبل أن يتوزع الكل ويقضي الزمن على بقايا البيوت التي شاخت ورقدت مثل أصحابها بدون حراك.

وها قد غادرت وديعة إلى دار البقاء لتلتقي من سبقها من الأهل والاصدقاء فتعزيتنا لأولاد شقيقاتها وخاصة طوني وماري وجوني وغولدا وعائلاتهم ولمن تبقي من أهل الحي والاقارب الذين كانت لهم وديعة قريبة أو صديقة. وتعزيتنا إلى العائلة الكبرى وكل ابناء عين إبل. وصلاتنا إلى الله أن يدخلها فسيح الجنان.

شربل بركات
كندا