الكولونيل شربل بركات: فرنسا المنفتحة وسعي القتلة إلى الغاء شعار الأخوة والمساواة

697

فرنسا المنفتحة وسعي القتلة إلى الغاء شعار الأخوة والمساواة
الكولونيل شربل بركات/16 تموز/16

إذا دخل أسد إلى ساحة مليئة بالبشر قد يرمي الرعب في النفوس ليس لأن له أظافر وأنياب فالكلاب والقطط لها مثل هذه الأظافر والأنياب ولكن الذعر ينتج عن عدم القدرة على معرفة كيفية تصرف هذا الأسد القوي نسبيا ومشاريعه، فهل هو جائع، أو هل هو خائف، أو هل هو مزعور هارب من جور ما، أو هل هو قادم بقصد الصيد، أو اللعب ربما وهو على أحسن حال من الشبع ولا يريد سوى قضاء بعض الوقت والتسلية؟ ولكن ومنعا لأي التباس قد يودي بحياة بشر لا دخل لهم بما يحس فيه هذا الأسد، فإن التصرف البديهي لأي مسؤول عن أمن الناس هو القبض على الأسد ومنعه من الاعتداء المفترض أو في حال تعذر القبض عليه ارداءه.

في حالة الأفراد الذين يقومون بالاعتداء على الناس هذه الأيام بدون أي سبب سوى ما يتغذون عليه من الحقد بواسطة مجموعات تحب التخريب وتدّعي أنها إنما تقوم به من أجل تنفيذ “إرادة الله” (عز وجل) والله براء منهم بكل تأكيد، فعند المسيحيين واليهود نزل الأمر من الله بالوصايا العشر واضحا جدا “لا تقتل” بدون أي تفسير آخر. وعند المسلمين “من قتل نفسا بغير ذنب فكأنما قتل الناس أجمعين” عدى عن الهندوس الذين ينادون بالامتناع حتى عن قتل الحيوان وبقية الديانات التي استمرت على هذه الأرض دعت بشكل أو بآخر لعدم القتل رحمة وتشبها “بالرحمان الرحيم” أو خوفا من العقاب الذي ينزله “الله” بالظالمين.

عندما يفلت أحد القتلة بين الناس ويمارس القتل الجماعي بقصد قتل نفسه والموت ضمن مجموعة من النفوس البريئة التي قتلها هو عن سابق اصرار وتصميم وبدون تردد، معتقدا بأنه يخدم الله (صبحانه تعالى) فهل باعتقاده واعتقاد أسياده الذين يمارسون غسل الأدمغة بأن الله يتلذذ بالقتل وبسفك الدماء البريئة؟

ما يمارس اليوم في فرنسا التي بنيت ثورتها، وهي احتفلت أمس بذكرها، على المساواة والأخوة بين البشر يدخل في سياق الانتحار الجماعي وطلب التمييز والتفرقة لهذه الفئة وربما اعتبارها مثل ذلك الأسد الشارد خارج سجنه أو الأدغال. والمزعج فيما يقوم به بعض من يفسّرون القرآن الكريم استنادا لأحقادهم وعدم ثقتهم بأنفسهم أو بما يؤمنون به، هو أنه سينسحب على كل المسلمين وهم يشكلون ربع سكان العالم. فهل يمكن، بنفس المعيار، أن يقتل العالم ربع سكانه لأن بعض المفسرين حاقدين لا يدركون ماذا يفعلون؟ وأين المسلمين الحقيقيين من هؤلاء؟

لقد ظهر الاسلام منذ 1400 سنة وبما أنه وصل إلى اليوم لا يمكن أن يكون قد مارس مثل هذا الاستعداء للناس وبقي له أتباع. لا بل إن تفسير السيد “على الحكيم” في إحدى خطبه لجملة “انصر أخاك ظالما أم مظلوما” مستندا إلى الامام علي بن ابي طالب، والذي رافق النبي وصاهره، بأن “تنصر أخاك إذا كان ظالما بمنعه عن الظلم لتوفر عليه نار جهنم”، يعطينا فكرة واضحة بأن الله سيعاقب الظالمين فكيف بالقتلة.

من هنا ندعو العرب والمسلمين إلى النهوض من هذه الكبوة التي تسيطر عليهم والقيام بثورة مضادة لتبرئة الدين من تهمة الفجور والاجرام هذه التي يحاول أعداء الاسلام من صغار النفوس والحاقدين أن يلبسوها لهذا الدين الذي أعتبر دينا سماويا فما بالنا اليوم وبعد كل هذا الانفتاح على ثقافات العالم نتبرأ من واجب إظهار الحق ونترك لكل شارد تفسير الدين على هواه. فالأيمان عملية شخصية تنطلق عموديا بين الانسان وربه ولكنها تتكامل بالاحترام المتبادل للآخرين.

العزاء لفرنسا المتألمة والرحمة لنفوس الضحايا البريئة التي سقطت مرارا وتكرارا في أمكنة متفرقة من العالم لسبب وحيد يتلخص بترك الأمور تسير على غاربها وبدون محاولة جادة ممن يدعون بأنهم قيمون على المؤسسات الدينية الاسلامية لوقف تفسير الجهاد، وهو من ركائز الاسلام، بأنه يجب أن يكون حربا على الآخرين وقتلا لهم واستباحة لممتلكاتهم وأرزاقهم. فالعالم لم يعد يتلخص “بدار الحرب ودار الاسلام” لأن مصالح الناس تداخلت وقيمهم تقاربت واحترام الآخر ومعتقده يسهم في احترامنا واحترام معتقداتنا بدون الحاجة لسفك الدماء أو فرض الجزية أو تحكيم السيف.

وعندما تكلم أحدهم عن صراع الحضارات قامت قيامة المدعين بالثقافة في الشرق الأوسط متهمين الرجل بأنه يسعى إلى التمييز فهل هناك أوضح للتمييز من هؤلاء القتلة المتجولين الذين يجعلون من كل مسلم مشروع أسد جامح؟

فلنتقي الله ونبدأ بتقييم الأمور ودراستها بكل تروي ولنعترف بالخطأ “فالاعتراف بالخطاء فضيلة” ولندعو الله الذي تعلمنا أن نرافق اسمه دوما “بالرحمان الرحيم” أن يرحم عبيده ويرأف بنا ويوفر على المسلمين شر التعصب والغباء “فما من ظالم إلا وسيبلى بأظلم”.