أحمد عدنان: ترامب الذيابي ولبنان/سمير عطا الله: العلاقة السعودية اللبنانية/بول شاوول: رقصُ حزب الله على المسامير

499

ترامب الذيابي ولبنان
أحمد عدنان/العرب/31 كانون الثاني/16

قبل أسابيع طوال، أطلق المرشح الرئاسي الجمهوري دونالد ترامب تصريحات عنصرية ضد المسلمين مطالبا بطردهم من الولايات المتحدة ومنعهم من دخولها، وردود الفعل على هذه التصريحات بدأت من البيت الأبيض وغطت كوكب الأرض إدانة واستنكارا. ومؤخرا فاجأني الصديق العزيز جميل الذيابي، رئيس تحرير صحيفة عكاظ، بمقالة تحمل مضمونا “ترامبيا” تجاه اللبنانيين في السعودية والخليج. من يعرف جميل الذيابي، يندهش للتناقض بين سلوكه وقيمه وبين دعوته، صحيفته نفسها في عهده شنت هجوما قاسيا – عبر كتّابها- على ترامب، وقبل ذلك لم توفر السياسية اليمينية المتطرفة في فرنسا (ماري لوبان) حين استبقت كلام ترامب بتصريحات تحمل نفس المضمون. وإليكم ما كتبه الذيابي نفسه “الحملات الفاشية لهذه السيدة المسعورة على المهاجرين والمسلمين تؤكد نازية وعدائية متأصلة في سلوكها، حتى وإن زعمت أنها تهدف لحماية التركيبة الديموغرافية في فرنسا، فهذه المحامية المطلقة التي أقصت والدها من زعامة الحزب الذي أسسه في عام 1972 ظهرت على حقيقتها حين بدأت تنادي بطرد المهاجرين، واجتثاث المسلمين من أوروبا الغربية، وتنغيص عيش الحكومة الفرنسية في حال فوز حزبها في انتخابات المناطق”. وما كتبه الذيابي عن لوبان هو الرد المناسب لمقالته اللبنانية الأخيرة.
العاملون اللبنانيون في السعودية والخليج، لم يحضروا كناشطين سياسيين أو كعبيد، بل جاؤوا لأداء عمل يحترفونه، وليس لنا منّة عليهم وليس لهم منّة علينا، فما يتقاضونه من عوض عن أعمالهم هو حقّهم المشروع، وبمنطق الصديق الذيابي لو طبقنا نظريته في الولايات المتحدة كما أراد ترامب فإن الصورة ستصبح أكثر من مقززة. يستطيع رئيس الولايات المتحدة أن يقول إن بلاده هي من اكتشفت وسوّقت النفط السعودي، وإن المتموّلين السعوديين يقصدون أميركا للعلاج، وإن الطلبة السعوديين يأتون أميركا للتعلم، وأغلب الأدوية والألبسة والسيارات في المملكة من الصناعة الأميركية، ومع ذلك صحفهم تنتقدنا وساستهم يختلفون معنا، فلنطردهم من بلادنا ولنتوقف عن تدليلهم.
ليس صحيحا أن اللبنانيين صامتون عن موقف وزير الخارجية جبران باسيل او انتقادات حسن نصرالله للمملكة، سعد الحريري لا يتوقف عن إصدار البيان تلو البيان تأييدا للمملكة، ومعه رئيس الحكومة تمّام سلام ووزير الداخلية نهاد المشنوق ووزير العدل أشرف ريفي إضافة إلى رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، وحين يلقي حسن نصرالله خطابا، كنا وما زلنا نترقب في اليوم التالي رد رئيس القوات اللبنانية د. سمير جعجع. نستطيع أن ننتصر في لبنان، لكن السياسات الخاطئة والمتضاربة وعدم الاستماع للنصيحة هو ما يهزمنا، ومشكلتنا أن هناك من يصر على الخطأ
هل صحيح أن اللبنانيين في المملكة سكتوا عن مواقف باسيل ضد المملكة؟ هذا غير صحيح أيضا، مجلس العمل والاستثمار اللبناني أدان موقف وزارة الخارجية اللبنانية مطالبا الحكومة بتصحيحه في بيان شديد اللهجة ضد باسيل وواضح التضامن مع المملكة، وشاهدنا خلال العامين الماضيين رجال أعمال لبنانيين يعلنون تضامنهم مع دول الخليج رافضين تطاول حزب الله عليها.لقد اتخذت الحكومات الخليجية، بما فيها المملكة، مواقف صارمة من كل مواطن ومقيم ثبت ضلوعه في تمويل أو دعم الإرهاب، سواء كان هذا الإرهاب تحت يافطة القاعدة وداعش والإخوان أو تحت علم الحزب الإلهي والحرس الثوري الإيراني، وهذا هو الموقف السليم والصحيح الذي يجب أن يستمر، أما التعميم فهو تسطيح وعنصرية وظلم.
وأودّ تذكير صديقي الذيابي بعشرات السعوديين الذين أوقفوا في لبنان لصلتهم بالإرهاب، وهؤلاء لا علاقة لهم لا بالسعودية الدولة ولا بالسعودية الشعب، فأغلبهم مطلوب في المملكة، وليس من المنطق أن نرفض دعوة لبنانية عنصرية روّجها الحزب الإلهي، لمعاملة السعوديين على أنهم من أهل الإرهاب، وفي الوقت نفسه نريد معاملة لبنان الدولة والشعب على أنهم جميعا مرتزقة حزب الله. حديث الذيابي بأن لبنان لا أهمية له مستغرب لصدوره عن شخصية احترفت الصحافة السياسية، فلبنان يمكن وصف موقعه بالشرفات الاستراتيجية، شرفة على الصراع العربي-الإسرائيلي وشرفة على البحر المتوسط وشرفة على سوريا، وفوق هو صندوق بريد ثقافي وسياسي واجتماعي فوق العادة، حين تهمس في أذن درزي في الشوف تنتقل الرسالة بسلاسة إلى درزي السويداء أو درزي فلسطين، وحين تطرح سؤالا في الضاحية تسمع الإجابة في طهران، وإذا كسبت علويي جبل محسن يتمدد حضورك إلى تركيا عبر سوريا.
والسؤال المنطقي: إذا كان لبنان بلا أهمية سياسية لماذا تتسابق عليه أوروبا وإيران وإسرائيل وغيرها؟ إن دعوة الانسحاب من لبنان هدية مجانية ليملأ فراغك الخصوم، بل إننا نقول هذه هي أزمة لبنان اليوم، لقد تركنا حلفاءنا (قوى 14 آذار) بلا سند في حين استمرت إيران بتعزيز أوضاع حزب الله، حتى السنّة وهم امتدادنا العضوي أصبحوا يتضوّرون جوعا، الشمال خارج التنمية، ودار الفتوى في ضائقة وجمعية المقاصد في مأساة، والإنفاق هنا ليس منّة أو تفضلا، فوظيفة يتولاها لبناني في بيروت تعني أنك وفّرت وظيفة لمواطن في الخليج، وتعني أنك حصّنت أسرة من فخاخ التطرف والإرهاب الذي لا يعترف بالحدود ولا بالدول، وصاحب النفوذ في بيروت هو بالضرورة صاحب نفوذ في فلسطين وسوريا، والدولار الذي ستنفقه اليوم سيوفر عليك ألف دولار في حال وقعت حرب أهلية أو في حال استولت ايران كليّا على لبنان. إننا نستطيع أن ننتصر في لبنان، لكن السياسات الخاطئة والمتضاربة وعدم الاستماع للنصيحة هو ما يهزمنا، ومشكلتنا أن هناك من يصر على الخطأ ثم يندهش بعد ذلك من النتائج السلبية، وبدلا من لوم النفس والتصحيح، نستسهل إلقاء اللوم على الآخرين. جميل الذيابي غاضب من لبنان، وأسباب غضبه غير مقنعة، وبنفس منطقه نلفت انتباهه بأن السعودية –مثلا- دلّلت مصر بعد ثورة 30 يونيو، وما زالت القاهرة مصرة على ترك السعودية منفردة في سوريا.

العلاقة السعودية اللبنانية
سمير عطا الله/الشرق الأوسط/31 كانون الثاني/16
أثار موقف وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل في مؤتمر وزراء الخارجية العرب، ضجة في لبنان وأخرى في السعودية. فقد كان الوحيد الذي امتنع عن شجب الاعتداء على البعثة الدبلوماسية السعودية في طهران ومشهد. واستنكر عدد من سياسيي لبنان، بينهم رئيس الوزراء، هذا الانحياز ضد الموقف العربي والموقف الإسلامي الإجماعي. ولم يكن ذلك أول تصرف من الرئيس الجديد «للتيار» العوني. لكن هذه المرة كانت ردة الفعل في الإعلام السعودي قاسية. وطالب الزميل جميل الذبياني في «عكاظ» بطرد اللبنانيين العاملين في السعودية. وانتقد الزميل داود الشريان الازدواجية اللبنانية. بالطبع لا يمكن الدفاع عن مواقف وزير خارجية لبنان المرتبطة بسياسة معلنة لتجمع «8 آذار» المرتبط بإيران. ولا يمكن الاعتذار في حدث من هذا النوع عن ضعف لبنان وتوازناته الداخلية المعروفة. ولكن أيضًا هل جبران باسيل هو لبنان؟ وهل هو العلاقة السعودية – اللبنانية؟ وهل يمثل وحده البلد الذي كان يقول عنه الملك عبد العزيز إنه «شرفة العرب».
إن أكثر من يعرف وضع لبنان هو الملك سلمان بن عبد العزيز، وأيضًا أكثر من يتفهّمه. لكن حدثًا في حجم إحراق السفارة السعودية يتطلب أيضًا، وفي الحدود الدنيا، تفهم مشاعر السعوديين. وتفهم مشاعر اللبنانيين العاملين في السعودية منذ أكثر من 60 عامًا. وتفهم مشاعر عشرات الآلاف من اللبنانيين الذين تشكل تحويلاتهم الدخل الرئيسي للبنان، في مأساته الاقتصادية، وفي عزوف الخليجيين عن المجيء إليه منذ أن قرر «الجناح العسكري» في عائلة المقداد إغلاق المطار وطريق المطار ودوار المطار، لأن عضوًا من الجناح المدني في العائلة قد خطف في سوريا وليس في الرياض أو أبوظبي أو أم القيوين. في الموقف من إحراق السفارة السعودية، كان هناك مأزق أخلاقي واضح. فقد تنكر للفعل المخالف جميع الأعراف الدبلوماسية، المرشد الإيراني الأعلى ورئيس الجمهورية. وكان في إمكان الوزير باسيل أن يسترشد بهذا الرأي، أو أن يستأنس مسبقًا بمشورة طهران، لكن استقلاليته الذاتية تمنعه من ذلك! أما أن نربط العلاقة السعودية – اللبنانية ووجود اللبنانيين في السعودية بخيارات باسيل، فليس من شِيَم ولا من قِيَم الرياض. وعندما يُخطئ أحد ضيقي الصدور هنا، نتكل نحن دائمًا على سعة الصدور هناك.

 

رقصُ «حزب الله» على المسامير!
بول شاوول/المستقبل/31 كانون الثاني/16
عندما، رشَّح سمير جعجع خصمه السياسي (الإلغائي) اللدود ميشال عون، خلنا ان حزب إيران الحوثيين في لبنان، سيحتفل بانتصاره «الإلهي». فقد تمكن حليفه الجنرال ان يقنع رئيس «القوات» بانتخابه. لكن، توهمنا للحظة، أن الحزب سيحتفل مرتين بانتصاره: مرة بنجاح مرشحه «الأكيد» والصامد والممانع والمقاوم ميشال عون بضم «قائد» مسيحي له، والثاني بترشيح كتلة «المستقبل» لحليفه التاريخي سليمان فرنجية. رحب كثيرون وخصوصاً من جانب 14 آذار بهذه المصالحة وكذلك وليد جنبلاط الذي تذكر مصالحة الجبل. توالت التهانئ من جوانب عدة لكن حزب سليماني التزم الصمت. الصمت الطويل قبل العاصفة. وكأنه احتفل «سراً» بان المرشحين كليهما من 8 آذار. وهذا مدعاة للفخر، ولصحة تكتيكاته واستراتيجيته «الفارسية» المُبينة.
وقلنا عال فقد ينسحب فرنجية لحليفه عون، أو هذا الأخير ينسحب للأول، وتتم الفرحة ويُعين موعد «عرس» التصويت في الانتخاب. لكن تفتّح ذهن الحزب «الألمعي» وحار بين «حبيبين« أيهما يعقد به قران الجمهورية، برعايته ومباركته. متى العرس؟ متى الخطوبة؟ متى القِران؟ طلع محمد رعد وهاجم سعد الحريري لأنه رشح فرنجية. ثم توالت أبواق الحزب بهذا المنحى… وصولاً إلى الحليف فرنجية. ماذا حدث؟ ولو! ألا يعجب الحزب أن يكون له مرشحان للرئاسة؟ بل ألم يُطرب الحزب (وهو من متذوقي الموسيقى الرفيعة والطرب العربي الأصيل) لترشيح جعجع لعون؟ لا شيء من هذا؟ طيب. إذاً بات عنده مرشحان، واحد تؤيده «القوات اللبنانية» وآخر يؤيده «تيار المستقبل» فلماذا لا يلعب لعبة «الربح» بأن يختار من يحصل على أكثرية الأصوات من 8 و14 آذار؟
هذا طبيعي لأنه يعبّر عن وجود «عقل» «إلهي» سياسي نيِّر وإيحائي ومضيء. بمعنى ان الحزب الذي يقاطع «ورَبعه» النزول إلى المجلس وانتخاب من يؤمن «النصر» له. لكن فرنجية يتفوق على عون بعدد الأصوات. إذاً لا نزول إلى البرلمان… وهذا يوحي انه لو تأمن لعون أكثرية الأصوات، فسيبقى الحزب «معتكفاً». ما القصة؟ رفض ترشيح فرنجية لأن الحريري رشحه! وها هو يتردد بعون لأن جعجع رشحه. «احترنا يا قرعة من وين بدنا نلقطك». لا فرنجية اذاَ ولا عون. إذاً لا بد من مرشح ثالث يخبئه الحزب في خزنة الأمانات أو في البنوك الإيرانية، أو في أحدا أنفاق الضاحية. لا! لا مرشح لا هنا، ولا هناك! هنا، تذكرنا ان كثيرين من أهل التمحيص والفكر والسياسة سبق أن رددوا بعد أزمة الفراغ الرئاسي بأن «حزب الله« لا يريد انتخاب أحد، لا أحد. ربما يريد انتخاب نفسه «رئيساً» أو «مرشداً» دائماً. لا! هذا ما نفاه السيد حسن وبعض عتاولة الحزب. أو يريد انتخاب «رئيس» على شاكلة اميل لحود. لكن ماذا تشكو أوصاف عون؟ اذاً، لا رئيس على شاكلة هذا أو ذاك آه! هنا تذكرنا «السلة المتكاملة» اي سلة سألني أحد الأصدقاء «سلة بيض»! أو «بطاطا!» أو «فريكي»!. لا سلة تنازلات من 14 آذار أي سلة مطالب تطول إلى دور رئاسة الجمهورية والحكومة وقانون الانتخابات. كما كان عند عون كل يوم «سلة» شروط ومطالبات: «الغوا مجلس النواب فهو غير شرعي» أو «القانون الارثوذكسي» أو «انتخابات رئاسية مباشرة«، أو قانون انتخابي، يقوم على النسبية. فهناك «سلال» كثيرة ونظن ان الحزب يخبئ أيضاً سلالاً و»كنوزاً» أخرى من التي يعلنها بعض أبواقه: كمثل انه لا يمكن أن يكتفي بقطعة من جبنة البلد. ولا نصف قطعة. ولا ثلاثة أرباع قطعة. فهو لا يحب التقطيع، ولا «التقسيم» غير العادل. يريد القطعة كلها لنفسه. أي البلد كله لنفسه. ولأن الحزب «تَعَمْلق « في 7 أيار، وصار «جباراً» بسبب انتصاراته في سوريا (!) ولأنه وسّع «سوبرماركاته» الدموية، من لبنان إلى سوريا فالعراق فالكويت فاليمن فالبحرين… فيعني أن «معدته» «القطّ يعة» ما عادت تكفيها «قطعة» من الجبنة اللبنانية، فهذا لا يملأ بطنها ولا يروي عطشها: إذاً الجائزة التي يسعى إليها الحزب منذ تحريره الجنوب (وتسليمه إلى النظامين السوري والإيراني: فيا له من تحرير!) وعودته إلى السياسة، هي جائزة اللوتو الجمهورية كلها. بلا تقاسم. ولا مشاركة. فإذا كان الحزب «لم تملأ عينيه بلدان أكبر من لبنان يريد ابتلاعها، فهل سيكتفي بكسرة منه؟ الرئاسة؟ أو الأمن العام؟ أو جانب من القوى الشرعية؟ أو المحكمة العسكرية؟ أو البرلمان (تعطيله)، أو المطار، أو المرفأ؛ أو القضاء؟ لا فقبول الحزب «بحصته» السياسية مع الآخرين يعني بالنسبة إليه وقوعه في الفراغ. نعم! أما كل ذلك حصاد الفراغ. أو الشعور الدائم بالجوع. أو فقدان شيء ملكه. فلبنان، أما صرح بعض وحوش الفرس ان لبنان ولاية إيرانية. فإذا كان لبنان ولاية إيرانية، ونحن وكلاء إيران، وضحينا بشبابنا ودمائنا من أجلها، فالطبيعي أن تهدينا إيران هذه الولاية اللبنانية كاملة، بحدودها وجغرافياتها وناسها وتاريخها ومصيرها. فنحن وحدنا المؤهلين لامتلاك هذا البلد. لا أحد سوانا. لا التعددية. ولا اقتسام الجبنة أو البطيخة أو كيس الطحين. ولكي نسعى إلى الوصول إلى هذا «الحق الإلهي» فعلينا أن نشعر أولاً «بالفراغ» لكي نجهد في ملئه وفي تحقيقه. وهذا لا يتم إلا على مراحل نظن أننا أنجزنا بعضها بنجاح لا نظير له لا عند النظام السوري في أوج وصايته، ولا عند إسرائيل عندما غزت لبنان ولا أيام الانتداب الفرنسي ولا حتى أيام الاسكندر المقدوني أو هنيبعل الصوري. فكل هؤلاء أخطأوا في تعاملهم مع اللبنانيين: إذ كان عليهم أن يكونوا أشد بأساً في إخضاعهم، لأن معظمهم لم يلعب لعبة «الفوضى» الخلاقة الشاملة كما لعبناها بمهارة وفطنة. أي لعبة قتل البلد بالتقسيط، وسحب دمائه بالتقسيط، وإرهابه بالتقسيط، وممارسة الاغتيالات بالتقسيط، وضرب اقتصاده، وتهجيره أبنائه، وتجويعه وضرب تاريخه وبرلمانه ومؤسساته وعزته وكرامته بالتقسيط: أي تحويل البلد أشلاء ومِزقاً قبل الفتك به بالضربة القاضية.
[الضربة القاضية
الضربة القاضية؟ وماذا يعني ذلك؟ أيعني «إنهاك» صمود اللبنانيين، وتيئيسهم من وجودهم، ومن ضرورة بلادهم، ومن جدوى مستقبلهم، ليلوذوا بالصمت، ويقبلوا، ليقوم الحزب بأسلحته وترسانته وصواريخه، باحتلال هذا الركام المتبقي من استراتيجيته الفوضوية المدمرة؟ أتراه «الحل الأخير» على طريقة هتلر و«داعش«؟ فالفراغ الذي تكلمنا عليه يحسه أيضاً مرشد الضاحية وصولاً إلى مرشد إيران، متمثلاً باكتفائه بسطوة ناقصة، أو بهيمنة ناقصة. وما انتخابات الرئاسة سوى جزء بسيط من هذا الفراغ «الإلهي». وكذلك كل ما ارتكبه من تعطيل برمجه بعد عودته «المشرفة» إلى الساحة السياسية بعد التحرير المزعوم. فالفراغ في الدولة والمؤسسات هو جزء من «فراغه» الميتافيزيقي وقلقه الوجودي، ولعبته الإلغائية. لهذا، يجد أن كل ما يصنع العمل السياسي في لبنان مناقض لهواجسه.
[فراغ الحزب
بل إن العمل السياسي نفسه تعبير عن فراغ الحزب، لا لسبب، بل لأنه لا يؤمن به. وعلى غرار الوصاية الأسدية على امتداد أربعين عاماً، فهو يريد أولاً إلغاء السياسة، والصراع السياسي، وبروز أفكار وتعددية وديموقراطية وانتخابات وعدّ أصوات، وبوانتاجات. كل هذا مُضر بمعدة الحزب. فالانتخابات تعني له ضرورة إلغائها. والصراع السياسي يهدد «مذهبيته» الأحادية، ويعطل نموه، و»فرادته» وارتباطه بولاية الفقيه. انتخاب ماذا ومن. لا انتخاب لأن ذلك قد يأتي برئيس. وهو لا يريد رئيساً، لا عون ولا فرنجية ولا أمين الجميل، ولا جان عبيد، ولا هنري حلو ولا بطرس حرب ولا أحد. لا ماروني ولا غير ماروني. لا حليف ولا خصم. فإذا كانت الرئاسة نفسها رمز لبقاء لبنان، فهذا يُعيق وجوده. والرئاسة تعني رأساً واحداً في الجمهورية، وهو لا يريد أي رأس سوى رأس «المرشد» أمينه العام. فرتبة «مرشد« ولاية أهم بكثير من رئيس جمهورية. فالمرشد «المحلي» يجب أن يدوم فوق الجميع. تماماً كما هي حال مرشد «اللاجمهورانية« الإيرانية خامنئي. ومن أجل استمرار هذه «الفكرة» الإلهامية التي تنفض بالقداسة والعزة والجلالة، عليه أن يجعل موضوع الرئاسة مرتبطاً بالمآلات التي تحدث في سوريا واليمن والعراق. فهذه المسارات كلها جزء أساسي أو ذريعة أساسية لإبقاء الرئاسة شاغرة حتى «انتصار غودو». ولأن مجيء «غودو»، بكل هذه السلال العربية والدولية سيطول كثيراً، إذاً فلنُطل الأزمة. فلأن انتخاب رئيس لبناني للجمهورية اللبنانية «المنتظر» أمر مرهون بإحداثيات إيران في المنطقة، فيعني أن الرئاسة مسألة إيرانية أولاً وأخيراً تتجاوز الجنرال عون وفرنجية وكل الذين حُصر بهم الترشيح: من رئيس توافقي إلى رئيس إجماع، إلى المرشح الأقوى في طائفته. بعُدت كثيراً الانتخابات الرئاسية، وكلما بعُدت اهترأ كل شيء مع بعادها، ونفدت الضرورة إليها كعملية سياسية ومذهبية. فمجلس النواب صار أبعد من زُحل. والنواب صاروا أبعد من المخلوقات الفضائية. والحكومة أبعد من «الخيال العلمي». وهنا بالذات يمكن أن نستقرئ «نيات» هذا الحزب: إما أنا أو الفراغ. إما أنا وما بعدي الطوفان. إما «مرشد» الولاية الإيرانية اللبنانية أو لا أحد. أو الجيش لنا… أو لا جيش… فهذا الأخير يمكن إعطابه باستحداث جيش رديف له أقوى، تماماً كما حصل في إيران باختلاق «الحرس الثوري» وسليماني ومئة سليماني. أما قوى الأمن فنعطبها لخطورتها وسياديتها… فهناك «مرشد» واحد مهما تعدد المرشحون للرئاسة. وهذا المرشد بلا تاريخ ولا انتخاب أبدي حتى يفنى كل لبنان…
[هلاله
السؤال: هل نجح الحزب في مهمته الإلهية؟ أم أنه بدأ يتشذى؟ ويتكسر؟ وهل افتضاح أمر حزب الله علنياً، وانكشاف لعبته «المنكشفة» أصلاً، وسقوط آخر ورقة تين يستر بها مخططاته الخبيثة المجرمة، قد يساعد على تمييع ما يصبو إليه، وما يتعطش إلى تجرعه دفعة واحدة، أو التهامه لقمة واحدة سائغة؟
يبدو من خلال مجريات الأمور أخيراً، أن فراغه ازداد فراغاً… وتفوق على «فراغ» الرئاسة والبلد. فالفراغان يصطدمان وينتجان صدمة تصيب هذا الحزب المصدوم. ففرنجية مستمر في ترشحه (70 صوتاً)، وعون معاند بترشحه (بـ40 صوتاً). إذاً ما زال هناك من يمانع ممانعته، ويكسر «مقاومته»… إذاً لم تؤد خططه إلى إلغاء «الآخرين»، و»المعارضين»، والمدافعين عن كيان البلد. بل كبروا بشفافياتهم وصغُر بألاعيبه. من هنا التوجس: فقد يصعب عليه الاستمرار في إدامة الفراغ لأنه يديم فراغه، ويصعب عليه التراجع لأنه «يحطم» قوته وصدقيته وهيبته وإيمانه التافه بأنه «الحزب المرشد الذي لا يُقهر». فالمجلس ينتظره بعد رحلة الخراب الطويلة، والشعب بأكثريته استرد شيئاً من عافيته. من جانب يبدو الحزب سائراً على المسامير التي زرعها، ومن جانب آخر تبدو 14 آذار مستجمعة بعض قوتها، فهل يستمر الحزب في الرقص على المسامير وإلى متى؟
خسر الجولة الأخيرة… وتفاهة «الحل الأخير». فهل سيلجأ إلى ما هو أدهى؟!