ساطع نور الدين: عون او الفيدرالية/زهير قصيباتي: جعجع يستبق انكفاء حزب الله/عبد الوهاب بدرخان:”صُنع في لبنان” لا يوافق إيران والأسد

314

 عون.. او الفيدرالية
ساطع نور الدين/المدن/الثلاثاء /20 كانون الثاني/16

لم يعد سمير جعجع سياسياً إشكالياً يبذل جهداً متواصلاً للتحرر من أعباء الحرب الاهلية وموروثاتها المشينة، ويسعى بدأب منذ العام 2005 الى تقديم أوراق اعتماده في نادي النخبة اللبنانية. ها هو بالأمس يتسلم أوراق العضوية الكاملة، ويتحول الى مرجع معترف به في الحياة السياسية، والى قطب مركزي من أقطابها، المسيحيين والموارنة تحديداً، يصنع الرؤساء والوزراء.. ويصبح مرشحاً جدياً جداً جداً لرئاسة الجمهورية، بعد مغادرة الرئيس ميشال عون قصر بعبدا. قد يبدو مشهد معراب بالامس مجرد إستكمال طبيعي لصراع تاريخي قديم بين إقطاع زغرتا وبين أرياف بشري، أو مجرد تواطوء ضمني بين زعيمين سياسيين مستجدين في مواجهة التقليد الماروني الموروث منذ عشرات بل ربما مئات السنين. لكن ثمة نهضة مسيحية-مارونية لا شك فيها، في مواجهة ما يبدو انه إستخفاف او حتى تلاعب إسلامي بالمسيحيين أنتجه سوء التطبيق المتمادي لإتفاق الطائف. ترشيح أقوى الموارنة للرئاسة لا يمكن ان يختزل الى مجرد إنتقام من آل فرنجية، هو بمعنى ما يعيد او يطمح الى استعادة التوازن المفقود مع المسلمين، وينبيء بان هناك مشروعاً، (او طموحاً)، مارونياً جديداً للبنان، يشبه المشروع التأسيسي الاول، وان كان لا يوازيه، نظرا للاختلاف الجذري في الظروف التاريخية بين بدايات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي.

لم يقدم جعجع للمسيحيين وللبنانيين بالامس مرشحاً قوياً للرئاسة فقط، بل هو “تجرأ” على تلاوة ما وصفه صراحة ب”البرنامج الرئاسي”، الذي يلزم عون أولاً ، كما يعبر تالياً عما يشبه الاجماع المسيحي الماروني. وهو، في الشكل، يجعل معراب مركزاً لكتابة خطاب القسم الرئاسي، وفي الجوهر، يعيد التيار العوني الى سيرته الاولى كفريق سياسي بنى مجده، وراكم غالبيته الشعبية، على مقارعة النفوذ السوري وملحقاته اللبنانية. الآن ثبت بما لا يدع مجالاً للشك ان التيار العوني كان مستعداً وجاهزاً لمثل هذه العودة، او المراجعة إذا جاز التعبير، لكنه لم يجد عند تيار “المستقبل” تحديداً الفطنة المطلوبة التي تواكبه وتتوج طموحه بالوصول الى قصر بعبدا. الآن ايضا، ثبت بما لا يدع مجالاً للشك ان جعجع كان الأقدر على مواكبة تلك العودة، وعلى إسترداد المبادرة الرئاسية التي كانت ضائعة في الخارج، وتحديداً في الرياض، وفي غيرها من العواصم العربية والاجنبية التي تورطت في ترشيح النائب سليمان فرنجية.

لم يكن الامر يتطلب سوى القليل من الحنكة، “ونكران الذات”، حسب تعبير جعجع، لكي تصبح معركة الرئاسة شأناً داخلياً، مسيحياً-مارونياً، ( لمَ لا ؟)، طالما ان المسلمين ماضون في فتنتهم المذهبية حتى النهاية التي يدفع المسيحيون ثمنها أكثر من السنة والشيعة على حد سواء، لانهم كانوا مدعوين من قبل الفريقين الى تقديم تضحيات ليس أقلها الفراغ والغياب التام، والتخلي عن حصصهم الشرعية في السلطة وأدوارهم الرئيسية في السياسة. خطاب القسم الرئاسي الذي كتبه جعجع وقرأه، وأنصت إليه عون وباركه، هو ككل خطاب قسم، ليس أكثر من إعلان نوايا رئاسية، وهو ملزم حتى الان لفريقيه، ولن يكون بمقدور الكنيسة المارونية ان تحجب بركتها عنه، أو أن تسمح بتمرد مسيحي جدي عليه. لكن إلزام المسلمين به، السنة والشيعة على حد سواء، لن يكون بالسهولة المفترضة. في الشكل كما النص هناك الكثير مما يمكن ان يثير حفيظة الجانبين، وان كان الحرص السني والشيعي على الشريك المسيحي قد زاد أخيراً مع احتدام الصراع المذهبي. لكن أي إعتراض إسلامي، سنياً كان أم شيعياً، على إتفاق معراب، سيكون إما بقرار الخارج وتعليماته، او بوحي من تراث الحرب الاهلية..الذي يمكن ان يدفع المسيحيين هذه المرة الى البحث الجدي أكثر من أي وقت مضى في الخيار الفيدرالي، المقيم في العراق والمرتقب في سوريا، لتفادي خطر الإندثار تحت وطأة صراع تورط به المسيحيون صدفة، وها هي الفرصة تلوح لخروجهم منه بأقل قدر ممكن من الخسائر والأضرار.

جعجع يستبق انكفاء «حزب الله»
زهير قصيباتي/النهار/20 كانون الثاني/16

بعد عشر سنين على ولادة تحالف «حزب الله» و «التيار الوطني الحر» الذي تزعّمه ميشال عون، وُلِد تحالف الجنرال وزعيم حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، عبر ترشيح الأخير خصمه السابق، لرئاسة الجمهورية. وإذا كان ما سُمِّيَ «الانقلاب المسيحي» يعزّز فرضيات قلق مشترك على مصير المسيحيين في لبنان، بدا جسراً للمصالحة بين الجنرال وجعجع، في زمن تغيير الخرائط إقليمياً، فالأكيد أن الحلف الجديد في «اليوم التاريخي» للرجلين، لن يعني تلقائياً أن زعيم «القوات» بات شريكاً لـ «حزب الله» في نهجه وقراراته. لذلك، قد يكون أول التساؤلات المشروعة محوره ليس مبررات قبول عون خطوة زعيم «القوات»، بل ما وراء إقدام جعجع على ترشيح خصم لطالما اعتبره يسهّل خضوع لبنان للإرادة الإيرانية، عبر تأمين غطاء مسيحي للقرارات الكبرى التي اتخذها «حزب الله»، وغالباً ما كانت من اختصاص الدولة. صحيح أن جعجع سيبدو في موقع الشريك الأول للعهد الجديد، إذا انتُخِب عون رئيساً للبنان، ومَن قدّم تضحيةً لإنقاذ موقع الرئاسة من الشغور المديد، لكنّ قراره لم يأتِ على الأرجح لمجرد إحراج الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري الذي كان باغت الجميع بترشيح سليمان فرنجية. في المقابل، لا تكفي ضربة زعيم «القوات» لضمان وصول الجنرال الى قصر الرئاسة، فيما الجميع يدرك أن تصويت كتلة تيار المستقبل سيكون حاسماً. بالتالي، لم يخطئ الجنرال حين استخدم كلمة الإجماع الذي يطلبه، ليصبحَ المؤتمن الأول على الدستور، الضامن لسيادة لبنان التي أُهدِرَت طويلاً. وبعيداً من الغوص في مسلسل الأزمات التي عصفت بالبلد منذ تفاهم «حزب الله» وعون، مروراً بتداعيات «الربيع العربي»، وتدخُّل الحزب في الحرب السورية، الثابت أن ذاك التفاهم كان بين العوامل التي كرّست الانقسام بين القوى المسيحية، حتى كان الشغور الرئاسي الذي اكتوى به لبنان، فيما أبوابه ونوافذه مشرّعة على زلازل إقليمية، ارتداداتها معروفة.

وإذا كان من الحكمة التريُّث في الحماسة للتفاهم الجديد بين الخصمين اللدودين لعله ينهي الانقسام المسيحي، فالحال أن قراءةً لتوجُّهات جعجع قد تُفضي الى اختياره واحداً من خصمين، أو الأقوى في الشارع المسيحي، ما دام هو اقتنع بأن حظوظه في كرسي الرئاسة باتت شبه معدومة. ولكن، مثلما أحرج زعيم «القوات» حليفه السابق في قوى 14 آذار، سعد الحريري، بمفاجأة ترشيح عون، فالأكيد أنه أحرج الجميع أيضاً، خصوصاً «حزب الله» الذي أصرّ طويلاً على أن الجنرال هو مرشّحه الوحيد، مكافأة له على إخلاصه للتفاهم الأول، وعدم طعنه الحزب في الظهر، رغم كل الأزمات على مدى عشر سنين.

فهل في حسابات جعجع اختبار إرادة الحزب، في استدراج الجميع إلى حسم ملف الرئاسة؟… أم تفكيك تحالف الحزب وعون، إذا تخلى الأول عن ترشيح الجنرال؟ ألم يأخذ زعيم «القوات» في الاعتبار تداعيات أي اصطفاف مسيحي يقابله آخر إسلامي في الزمن الصعب الذي لا يعرف فيه أحد بعد، مع أي سورية سيتعايش لبنان؟ سورية دويلات أم دويلة علوية و «إمارات» إسلامية؟ المدافعون عن «مبادرة» جعجع، يربطون ترشيحه عون بإلزامه معنوياً بمبادئ عشرة تشكّل برنامج عمل. والمهم وفق هذه الرؤية هو التمسُّك باتفاق الطائف، والمناصفة، من دون حاجة الى مؤتمر تأسيسي جديد يصوغ نظاماً سياسياً مختلفاً للبنان، قوامه مثلاً المثالثة التي طرح ورقتها مرات «حزب الله». والرؤية ذاتها تُبرِّر الإصرار على المناصفة بالاستعداد لمرحلة ما بعد انزلاق الحزب إلى الحرب السورية، وهو قلق يتضاعف بقلق «صامت» لديه من نهاية مرحلة «الإدارة» الإيرانية للحرب في سورية، وطلب النظام في دمشق تدخُّلاً عسكرياً روسياً. فموسكو التي باتت صاحبة القرار الأول في «تكييف» الصراع هناك، لن تُطلق يد «حزب الله» كيفما شاء، وعلاقتها به ليست كعلاقة الحزب مع الوليّ الفقيه. بين المدافعين عن ترشيح جعجع الجنرال عون، مَنْ يرى احتمالين يسابقان انكفاءً محتملاً لـ «حزب الله» من سورية: إما أن يمتنع الحزب عن تأييد عون في اللحظة الأخيرة، وفي هذه الحال يتكرّس تحالف «القوات» و «التيار الوطني» قوة مسيحية أولى قادرة على رفض طروحات المؤتمر التأسيسي للجمهورية الحائرة، وإما أن يسهّل الحزب عبور الجنرال الى القصر. في الاحتمال الثاني، هل ينفّذ عون وعوده ليصبح حَكَماً؟ القراءة ذاتها تفترض انكفاءً قريباً لـ «حزب الله» من سورية لم تَبدُ بعد مؤشراته، وفي كل الأحوال لبنان ليس أولوية إقليمية ودولية، فيما براكين الحروب على حالها، من العراق إلى اليمن وسورية وليبيا، وإيران الحاضن الأول للحزب تتلمّس طريقها ما بعد الاتفاق النووي، وسحب الروس البساط من تحت وصايتها على سورية.

“صُنع في لبنان” لا يوافق إيران والأسد
عبد الوهاب بدرخان/النهار/20 كانون الثاني 2016

الكل طرح السؤال: هل أن تتويج مصالحة “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” بترشيح سمير جعجع خصمه السابق ميشال عون سيساهم فعلاً في حل أزمة الشغور الرئاسي؟ لم يكن هناك أي جواب. كالعادة، لا يمكن تأثيم أي توافق إذ يقيمه طرفاه بإرادتهما، والمهم كيف يمكن أن يكون ايجابياً في واقع مفعم بالسلبيات. هذا أيضاً غير واضح. عندما وقّع “حزب الله” والتيار العوني على تفاهمهما عام 2006 انطلقا بعده بـ “حملة لطافة” مفادها أنهما ليسا ضد أي طرف، وأنهما استناداً الى النصّ يريدان مصلحة البلد. لكنهما في التطبيق نسيا النص ودخلا في سلسلة سياسات تخريبية تبدو معالمها واضحة في مختلف أنحاء البلد، بل ذهبا بعيداً في استهداف فريق وطني عابر للطوائف (14 آذار) فضلاً عن الطائفة السنّية، من محاولة اسقاط المحكمة الدولية الى السعي لإسقاط الدولة مروراً بكل ما تعرفون ولا بأس بالتذكير ببعض منه، غزو بيروت، الى مزيد من الاغتيالات والتورّط في الصراع السوري، وصولاً الى أبشع جريمة قضائية بتخلية سبيل ميشال سماحة. واقع الأمر أن الاحتفال “القواتي” بترشيح عون كان له انعكاس أولي مباشر تمثّل عملياً بحرف الأنظار عن تداعيات هذه الجريمة، والايحاء بتجاوزها، وكأن ردود الفعل على اطلاق متهم بالتخطيط لفتنة طائفية لا تخصّ سوى الجمهور المسلم، أو كأن هذا الحكم القضائي يختلف عن ذلك الحكم الذي انتزع من عمر جعجع 11 عاماً سجناً. لا شك في أن واقعة اطلاق سماحة أثبتت بشكل نهائي ضرورة المحكمة الدولية للنظر في الاغتيالات السياسية، فالقضاء اللبناني، عسكرياً أو مدنياً، واقع تحت وطأة الخارج. كان السوري مَن حاكم جعجع وحكم عليه، وها هو الأسدي – الايراني يُخرج سماحة من السجن ويحاول تبرئته. لعل أفضل استطلاع يمكن أن يُجرى الآن هو الذي يسأل اللبنانيين ما اذا كانوا يصدّقون فعلاً أن الجنرال عون يؤمن بـ “الثوابت العشرة” التي رشّحه جعجع على أساسها، وهل يعتقدون أن “حزب الله” معني بهذه “الثوابت” في حل أزمة الاستحقاق الرئاسي؟ الأرجح أن يكون الجواب سلبياً، فالسياسة هي ما نشاهد لا ما نتخيّل. أما اذا كان الجواب بالايجاب، واذا توافق مع ما يحصل في الواقع، فيكون الثنائي جعجع – عون توصّل أخيراً الى حلٍّ “صنع في لبنان”، لكنه يعني عملياً أن عون تغيّر في الاتجاه الذي يفترضه جعجع. هذا لا يوافق الايراني – الأسدي الذي يرى أن انتخابه يجب أن يبقى النتيجة الطبيعية لتحالفه مع “حزب الله” وبعدما أدّى عون دوريه الايراني والأسدي على أكمل وجه، وهذا يعني عملياً أن جعجع هو من يتغيّر في الاتجاه الذي يفترضه عون.