سامر فرنجيّة: لبنان: من تسوية إقليمية إلى صفقة داخلية/حازم الامين: نفط داعش يتدفق على الجميع وقبحه بلغ وجوهنا

275

لبنان: من تسوية إقليمية إلى صفقة داخلية
سامر فرنجيّة/الحياة/13 كانون الأول/15
قد يكون المفعول الأساسي للتسوية الحالية، إضافة إلى تحسّن قيمة سهم سوليدير، طرح المبادرة التي طرحها سعد الحريري بذاتها، وهذا بغض النظر عما إذا كانت ستؤدي إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية أم لا. فترشيح سليمان فرنجية حوّل قواعد اللعبة السياسية، بحيث بات الترشيح ذاته يشكّل حدثاً يفصل بين مرحلتين، وإن كانت معالم المرحلة الجديدة غير واضحة بعد. فقد حاول الحريري من خلال تياره وإعلامه تسويق هذا الحدث المفصلي، إمّا كجزء من حل إقليمي أوسع أو كخيار يفرضه الانهيار الاقتصادي الوشيك. غير أنّ التبريرين، كما لاحظ عدد من المراقبين، غير مقنعين. فمعالم التسوية الإقليمية التي تقتضي تقديم موقع الرئاسة لـ «صديق بشار» غير واضحة بعد، بخاصة إذا أضفنا إلى هذا التنازل العلني تنازلات أخرى ضمنية تفرضها التسوية، من تطبيع العلاقة مع النظام السوري إلى سحب مسألة سلاح «حزب الله» من التداول وصولاً إلى طي صفحة المحكمة الدولية. فمقولة «نهاية الأسد»، وهي الفرضية التي يقدّمها بعض من يسوّق التسوية، باتت المدخل لوضع يسيطر فيه حلفاء بشار على مجمل السلطة في لبنان، تطميناً وتعويضاً عن خسارتهم السورية المتخيلة.
فالسؤال، إذاً، ما كان سيكون عليه الوضع لو فاز الأسد؟ الجواب عن هذا السؤال الافتراضي قد يكون التسوية ذاتها من دون عودة الحريري، وهي عودة أفرغتها التسوية من أي معنى سياسي.
بعض المقربين من تيار المستقبل قدم تبريراً آخر للتسوية، وهو الأزمة الاقتصادية المرتقبة التي تتطلب ترتيب المؤسسات لمواجهتها. وهنا أيضاً يبدو التبرير غريباً. فإذا كان معيار التسوية اقتصادياً، فقد يكون من الضروري البحث في أسماء للرئاسات الثلاث من خارج نادي المسؤولين عن الانهيار الحالي. ذاك أن هذه الجوقة من السياسيين التي فشلت في حل أزمة النفايات، سيصعب تخيّل كيفية حلّها الأزمة الاقتصادية، بخاصة أن التسوية لا تتضمن أي بند اقتصادي أو اتفاق مسبق على خطة إنقاذية.
عندما سقطت هذه الحجة، لم يجد أمين عام تيار المستقبل وهو يخطب في العائلات البيروتية، غير التهويل بالدم لتسريع الصفقة. لكن بدل التهويل، كان الأجدى تسويق التسوية من باب خسارة 14 آذار والثورة السورية، وضرورة القبول بها كحد أقصى للطموحات بعد عقد من الاعتراض على النظام السوري وسلاح «حزب الله». وربّما في هذا التبرير الذي لم يقدّم، يكمن سرّ التسوية المعروضة حالياً، أي انهيار 14 آذار وبدء بعض مكوّناتها في البحث عن مخرج من الثنائية أو عن تموضع يسمح لهم بالاستمرار في مرحلة «ما بعد 8 و14 آذار».
فتحالف 14 آذار شهد في الآونة الأخيرة تضعضعاً متزايداً، ظهر في الحراك والانتخابات الطالبية والنقابية التي تلته، وصولاً إلى «استقالة» بعض المستقلين عنه قبل أن ينفجر الخلاف بين المستقبل والقوات اللبنانية. ومع اختفاء 14 آذار، فقد التحالف المقابل «آخره» الذي أمّن له أحد أسباب وجوده وتماسكه.
بهذا المعنى، قد يكون مصدر التسوية داخلياً، أي فعلاً سيادياً قد يريح نبيه بري المنتفض ضد «الفضيحة السيادية». ومن هنا، تبدو التسوية أقرب إلى صفقة، يحاول البعض إلباسها أبعاداً إقليمية واقتصادية للدفاع عنها.
قد تكون الصفقة المعروضة إشارة إلى تحوّل في قواعد اللعبة يأخذ شكل بروز قطب ثالث، يكسر ثنائية 8 و14 آذار. فالداعمان الأساسيان لهذه الصفقة، أي نبيه بري ووليد جنبلاط، يبحثون عن وسط يخرجهما من تجاذب التحالفين، ويريحهما من المكوّنين المسيحيين فيهما. أما الوافد الجديد إلى هذا «الوسط»، أي الحريري، فبات ضعفه السياسي والشعبي والمالي المتزايد يهدّد استمراريته السياسية وقد يجد في هذا الوسط الجديد منفذاً يعيده إلى رئاسة الحكومة، وإن بصفة جديدة، أي كطرف سني في نظام يشبه «ترويكا» التسعينات. وهذا «الوسط»، الذي يؤمن الاستقرار من خلال علاقات المصالح التي تربط مكوّناته بمالية الدولة وعلاقات «الصداقة» التي تربط أركانه بالدول المجاورة، مرشّح للتوسع، مع انضمام رئيس الجمهورية المقبل إليه، ومعه بعض سياسيي لبنان ممن باتت مصالحهم مهددة من استمرار الثنائية وجمودها.
وربما كانت صفقة النفايات التي أسقطها الحراك في أيامه الأولى مسوّدة عن الصفقة هذه، ما أملى ضرورة تعميمها في أعلى المناصب كدرس فهمه أصحابه من تجربة الحراك.
وقد تعود سهولة تمرير الصفقة المقترحة إلى فقدان أي موقع للاعتراض عليها، بعد مسار طويل من الانحدار السياسي. فالتحالفان الآذاريان باتا في حالة اهتراء، غير قادرين على ابتكار تسوية مقابلة. أما الاعتراض المسيحي، فأصبح بلا أفق نتيجة حسابات ممثّليه السياسيّين. فترشيح فرنجية ليس إلّا النتيجة المنطقية لمقاربتهما الوضع المسيحي، الذي فضحته الصفقة على حقيقته، أي كمجرّد ابتزاز بلا أفق. وربما كان مُحقاً رئيس «التيار الوطني الحر» عندما حذّر، من تحت أكبر علم لبناني، من العودة إلى أيام السجن والمنفى. لكنّ ما لم يلحظه أنّه وتياره مسؤولان عن هذه العودة. وبهذا المعنى، إذا كان السؤال المفروض هو إنتاج رئيس يأتي من نادي المرشحين الأربعة ونتيجة وفاق داخلي تتلاقى على أساسه القوى السياسية المتحاربة، فهذه الصفقة تغدو الرد الوحيد، وإن كان ثمنها استبدال السياسة بالإقطاع والمالية بالفساد والعلاقات الخارجية بالصداقات والخطاب بالتلاعب.
بعد الحراك، الذي أظهر، على رغم فشله السياسي، فقدان الطبقة السياسية كل شرعية، جاءت صفقة السلطة للقول إن ثمن الاستقرار هو انحدار إضافي في إدارة البلاد. الاعتراض على ذلك من داخل السياسة اللبنانية بات مستحيلاً، فهذه هي النهاية المنطقية للسنوات الأخيرة. وإذا كان من موقع يمكن منه الاعتراض على تسوية كهذه، فهو من الفراغ الذي خلقه الحراك، والذي يعرّي هذه الصفقة ويظهرها على حقيقتها، ابتزازاً فاشلاً من طبقة سياسية ساقطة.

نفط «داعش» يتدفق على الجميع… وقبحه بلغ وجوهنا
حازم الامين/الحياة/13 كانون الأول/15
فجأة، استيقظ العالم على «اقتصاد داعش» بصفته مدخلاً لتجفيف منابع التنظيم. إنه العالم نفسه الذي صنع لـ «داعش» اقتصاده، وجعل له موقعاً في دوراته الموازية، ها هو يعود ليصنع صورة لاقتصاد التنظيم الإرهابي موازية في قبحها للصورة التي صُنعت للتنظيم في السنوات الثلاث الفائتة.
ها هو العالم يقصف اقتصاد «داعش»، وتبث محطات التلفزيون صوراً ملتقطة من الطائرات المقاتلة لقوافل من الصهاريج التي تتحول أثناء عرضها حرائق وهباء وغباراً. وفي هذه الأثناء، يتهم النظام السوري تركيا بالمتاجرة بالنفط مع «داعش» فتردّ أنقرة بأن لديها وثائق تؤكد أن علاقة نفطية تربط التنظيم الإرهابي بالنظام في دمشق، وتتضامن واشنطن مع تركيا فتكشف أسماء رجال أعمال قريبين من بشار الأسد يتولون التوسط بين النظام والتنظيم، وتُدرجهم في لوائح عقوباتها.
والحال أن كل ما ورد صحيح. نفط «داعش» يتدفق على الجميع، وسعر البرميل الواحد أقل من نصف سعره العالمي. النظام يتزوده عبر أنابيب النفط الممتدة من حقول شرقي سورية إلى دمشق، وتركيا عبر تجارٍ وسطاء يعبرون به الحدود. كذلك يُلبي نفط «داعش» حاجات المناطق التي يسيطر عليها أعداء «داعش» من فصائل المعارضة السورية، خصوصاً في محافظة إدلب. وقوافل الصهاريج التي شاهدناها تحترق بعد أن قصفتها طائرات التحالف في حقل دير الزور، ليست لـ «داعش» إنما لزبائنه من المواطنين السوريين الذين يتقاطرون لشراء نفطـ «ـه» وبيعه في مناطق مختلفة من سورية وتركيا.
ومثلما كشفت الوقائع أن التنظيم توطن في المناطق التي يسيطر عليها، وأقام علاقات متفاوتة بين الجماعات الأهلية في تلك المناطق، وهذا مغاير للصورة التي رسمت له بصفته وحشاً غريباً يفترس كل من يقع تحت أنظاره، أقام التنظيم اقتصاداً هو استمرار لنوع من العلاقات الزبائنية السابقة على نفوذه وسلطته، ووفقاً لمنطق العرض والطلب، وللاستثمار في الحاجات. فصوامع القمح في محافظتي الرقة ودير الزور لا تعمل وفق منطق الانقسام والحرب الدائرة هناك. من يريد قمحاً عليه أن يشتريه، مهما كانت هويته، وإلى أي طرف انتمى في الحرب الدائرة. لوزارة الاقتصاد السورية في دمشق علاقات تجارية مع التنظيم، ولفصائل «جيش الفتح» في إدلب أيضاً. وبما أن الأسعار تبلغ نصف مستواها السوقي، فإن الإتجار مع «داعش» أكثر إغراء وإدراراً للأرباح.
لا أحد بريء عندما نتحدث عن اقتصاد التنظيم المتوحش. لا بل إنه في هذه اللحظة يكف عن كونه متوحشاً وقبيحاً. العلاقة الزبائنية تفرض شروطاً مختلفة، وهو إذا ما قتل سائق الصهريج الآتي إليه من إدلب ليشتري نفطاً، فسيكف سائقو الصهاريج عن القدوم وسيخسر زبائن يحتاجهم لاقتصاده. كما أنه إذا ما أخل بالكميات التي يُرسلها للنظام في دمشق عبر الأنابيب فلن يُسدد له النظام أثمانها.
هذا ليس «اقتصاد داعش»، إنه اقتصاد التنظيم واقتصاد السكان في دولته واقتصاد الجماعات المجاورة. ثم إن «داعش» لم يُفكك البنية الاقتصادية والخدمية التي ورثها عن النظامين السوري والعراقي في المناطق التي انقض عليها في هذين البلدين. حقول النفط ما زالت تُدار من المهندسين والعمال أنفسهم، وهو لم يأت بخبراء زراعيين لإدارة صوامع القمح، وهذا ما يجعل استهداف «اقتصاده» موازياً لاستهداف البنية الخدمية المحلية، ويحوّل الطائرات التي تطارد الصهاريج إلى مخلوقات معادية في وعي السكان.
ثمة بطء متعمد في الإنجاز تشهده الحرب على «داعش». الأطراف المتورطون في الحرب وفي الاقتصاد وفي الغنائم لا يشعرون بالحاجة إلى نصر وشيك على التنظيم. تركيا لديها أولويات قبل تحقيق النصر عليه، بدءاً برأس النظام في سورية ووصولاً إلى حزب العمال الكردستاني. النظام في سورية وإيران وروسيا ستفقد بهزيمة التنظيم عدواً ضرورياً في الحرب الإقليمية. الغرب قبل تفجيرات باريس كان منشغلاً عن المنطقة بأزماته وتحولاته، وهو بعد التفجيرات يعيش تحت وطأة صدمة لم تُحدث تحولاً جوهرياً في الحرب على التنظيم. وفي هذا الوقت يوغل «داعش» في البنية الاجتماعية والاقتصادية المحلية، ويتحول بقبحه ووحشيته إلى جزء من تركيبة معترف بدورها في الاقتصاد والاجتماع وأنماط العيش والاستهلاك، ومن المرجح أن يُعترف لها بحقها في موتنا وفي تعميم قبحها على وجوهنا طالما أنه لا يعيق جريان هذه الوظائف.
هنا يكمن الثمن الموازي لبطء الحرب على «داعش»، أي في توطنه وتحوله قوة «عادية» ومتمكنة من إدارة مصالح تتعدى المناطق التي يسيطر عليها. أما الرعايا فسيتحولون في تعاملهم مع الأمر الواقع إلى كائنات مطوَّعة، على نحو ما طوع البعث رعاياه. وما التهويل بفظاعة سلطة «الخلافة» سوى صورة عن الانقسام، وتحت هذه اللغة تُجري الدول والقوى والفصائل والعشائر صفقاتها. فكل أهل الموصل يعرفون أن التنظيم احتل مدينتهم قبل سنة من الموعد الرسمي لاحتلالها، وأن الحكومة العراقية كانت تعرف أنه يجبي الضرائب منهم منذ 2013. وكل سكان المحافظات الشرقية والشمالية في سورية يعايشون يومياً الصفقات بين التنظيم والنظام. الخطر يكمن في أن تتحول الحرب على «اقتصاد داعش» حرباً على اقتصاد السكان. فالصقيع الآتي إلى ادلب هذا الشتاء لن يُساعد في تحمله سوى «نفط داعش» المخفوض الأسعار، ويصح ذلك جزئياً على دمشق، وكل يوم يمر من دون هزيمة التنظيم سيساعده في التعامل مع الحاجات العادية لـ «رعاياه»، وسيزيد ذلك من إمكان قبوله قوة عادية. حتى الآن، الحرب الفعلية هي في مكان آخر. هي بين موسكو وأنقرة، وبين طهران وأنقرة أيضاً. «داعش» الذي يُراد لنا أن نكون صورة عن قبحه ليس سوى قناع في هذه الحرب. يتوغل الجيش التركي في العراق فتنتفض حكومته لكرامتها الوطنية، بينما تعبر الصواريخ الروسية من فوق أرض بلاد الرافدين مقفلة المطارات من دون أن تنبس «حكومة الكرامة الوطنية» ببنت شفة. هنا، في هذه المعادلة يكمن الجوهر الفعلي للصراع، وتحته يجرى اقتصاد وتجرى صفقات ويكون برد وسلام