علي نون: حدود السوخوي/رندة تقي الدين: مهمة هولاند الصعبة/وسام سعادة: موسكو أمام التحدّي: ترشيد قفزاتها فوق أوكرانيا وتركيا/خيرالله خيرالله: تركيا لاعب وشريك في تقاسم سوريا

218

مهمة هولاند الصعبة
رندة تقي الدين/الحياة/25 تشرين الثاني/15

هل ينجح فرنسوا هولاند في تحركه الدولي لتعبئة واشنطن وموسكو وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا لسحق تنظيم «داعش» الإرهابي؟ هل باستطاعة القوات البحرية والجوية لهذه البلدان تدمير «داعش» ولماذا لم يتم ذلك قبل سقوط ابرياء في بيروت وباريس وسيناء؟ مما لا شك فيه ان هولاند حاول منذ بداية الحرب السورية القيام بجهود كبيرة كي يقنع اوباما بالتحرك لوقف قوات بشار الأسد من استخدام السلاح الكيماوي. وتراجع اوباما في اللحظة الأخيرة. اما الآن وقد ضُربت فرنسا في قلبها من الوحش «داعش» وأعاد الإرهاب هاجس تفجيرات 11 ايلول فقد تغيرت الأوضاع، وتضامن اوباما مع هولاند الذي زاره امس في واشنطن بدأ يتحسن لجهة تبادل الاستخبارات ومحاولة سحق «داعش» ضمن ائتلاف يريده هولاند واسعاً وقوياً. فهولاند الذي سيلتقي غداً في موسكو الرئيس فلاديمير بوتين بعد زيارة واشنطن ولقاءات ماراتونية في باريس مع ديفيد كامرون والمستشارة الألمانية انغيلا ميركيل ورئيس الحكومة الإيطالية ماتيو رنزي يريد تدمير «داعش» ولكنه ايضاً مصرّ على ايجاد حل سياسي في سورية يستبعد بشار الأسد من المرحلة الانتقالية، لأن هولاند يدرك كما يردد باستمرار، انه لولا سياسة الأسد وقتله شعبه لما تغلغل «داعش» بهذا الشكل في كل مكان. المشكلة اليوم ان هولاند يدرك تماماً ان الحرب الجوية ضد «داعش»، لا تكفي. فوزير دفاعه جان ايف لو دريان قال بوضوح انه في لحظة ما سيكون نشر قوات على الأرض ضرورياً. وهولاند وأوباما وغيرهما من الرؤساء غير مستعدين لنشر قواتهم على الأرض، فمن يتحمل هذا العبء؟ قوات اقليمية في المنطقة؟ الأكراد او قوات اردنية او عربية؟ كل ذلك غير واضح. والاحتمال كبير ان يكون هولاند تطرق الى هذا الموضوع مع اوباما. ولكن في غياب تدخل على الأرض من الصعب توقع تدمير «داعش» كليًا. اما مسعى هولاند مع بوتين لإقناعه بأن التنسيق مع روسيا لضرب «داعش» يتطلب التزاماً روسياً بعدم ضرب «الجيش السوري الحر» والمعارضة فهو فاشل مسبقاً. فبوتين دخل الى سورية لحماية نظام بشار الأسد أولاً ولحماية مصالح روسيا في منطقة المتوسط في طرطوس وسورية عمومًا. وفي الوقت الراهن بوتين مقتنع ان لا بديل لبشار الأسد للقيام بهذه المهمة، حتى ولو أصبح جيش الأسد ضعيفاً ونفوذه تراجع في شكل كبير. لكن التدخل العسكري الروسي لمساعدته لن يتغير ليصبح متركزاً فقط على «داعش» على رغم الإرهاب الذي ضرب روسيا بإسقاط الطائرة الروسية فوق سيناء. لذا فإن تحرك هولاند السريع والنشيط سيكون معقداً وصعباً في موسكو. وموسكو ايضاً تدعي انها تبحث عن حل سياسي، وضغطت لمشاركة اطراف عدة في مسار فيينا، منها ايران، لكنها غير عازمة على التراجع عن بقاء الأسد على رغم كل ما يقال في الغرب من ان موقف موسكو مختلف عن موقف ايران. فأين الاختلاف؟ ربما بالكلام اذ يدعي المسؤولون الروس انهم غير مرتبطين بزواج مع بشار الأسد لكنهم دخلوا عسكرياً الى سورية لإنقاذه وضرب المعارضة.ان سحق الإرهاب وجذوره في سورية يتطلب تضامناً دولياً حقيقياً واستئصاله يكون بالتخلص من سياسات بشار الأسد وممارسات نظامه التي لا تقل وحشية عن ممارسات «داعش». فلا ننسى في لبنان كل التفجيرات والقتل والقنص الذي مارسه النظام السوري فيه. ان رهان هولاند صعب ومعقد، لكنه لا يستطيع الا ان يحاول نتيجة ما حصل في باريس.

موسكو أمام التحدّي: ترشيد قفزاتها فوق أوكرانيا وتركيا
وسام سعادة/المستقبل/25 تشرين الثاني/15

ما كادت وزارة الخارجية التركية تستدعي السفير الروسي في أنقرة اندريه كارلوف احتجاجاً على مشاركة طائرات بلاده في الهجوم الذي يشنّه جيش النظام السوريّ على منطقة جبل التركمان في ريف اللاذقية، وسط تدفق آلاف اللاجئين التركمان باتجاه الإسكندرون، حتى جاء إسقاط المقاتلات التركية الأميركية الصنع لطائرة السوخوي ليتجاوز مسألة التضامنية القومية التركية مع التركمان السوريين، وبالذات لأنه يصيب الغلواء القومية الروسية الراهنة كما لم يصبها أحدٌ من قبل في السنوات الماضية. قبل أيام قليلة كان فلاديمير بوتين في انطاليا التركية يخرج الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية عن تهريب النفط من المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية» الى الداخل التركي. وقبلها بأيام مزيدة كان تفجير الطائرة المدنية الروسية فوق سيناء الذي تبنّاه «داعش» وإن لم يحلّ لغزه بعد. في المقابل، جاءت الغارات الروسية في سوريا، حتى في مرحلة ما بعد هجمات باريس، لتطاول بنك أهداف لا علاقة لأغلبها بمواقع ونقاط حيوية خاصة بـ»داعش»، ولتشمل ما تعتبره تركيا غارات على المدنيين التركمان في جبلهم بريف اللاذقية، ثم جاء إسقاط «السوخوي» بمثابة «إدغام» بين مسألة تتعلّق بسيادة تركيا على أجوائها، وبين بيانها المعلن في حماية الوجود التركماني في سوريا والعراق، وبين استدعائها لآلية يخطئ من يعتبرها منقضية بالانكفاء الأميركي النسبي عن الشرق الأوسط: حلف شمالي الأطلسي التي تنتسب تركيا اليه. بوتين أراد إحراج تركيا «الإسلامية» في انطاليا، وتركيا «التركمانية» في جبل التركمان، فحرّكت تركيا مقاتلاتها الأميركية، وعضويتها الأطلسية. وصحيح أن لا وجه شبه البتة بين تفجير طائرة مدنية فوق سيناء، وبين إسقاط «السوخوي»، لكن من موسكو، انعدام الشبه لا يخفي حصيلة تجمع على بعضها البعض: خسائر ترد من منطقة الشرق الأوسط. ليس من الشرق الأوسط فقط. الأوضاع في القوقاز الروسي عادت تتحرّك تحت يافطة تنظيم «الدولة الإسلامية» هناك أيضاً. بالأمس كانت الاشتباكات في جمهورية كاباردينو بالكاريا جنوب روسيا، وتحدثت السلطات عن مقتل مجموعة من المقاتلين يتبعون لتنظيم «الدولة» هناك. حادثة إسقاط الطائرة بالأمس، على خطورتها، من شأنها الدفع باتجاه بعض الواقعية في تناول الخطط المبتغاة لمحاربة «داعش». فإذا كان الموقف الأوروبي، وتحديداً الفرنسي، يتأثر بالضغط الذي يمارسه اليمين («الجمهوريون» بقيادة ساركوزي) لرفع الحصار الأوروبي عن روسيا، بدعوى أنه لا يمكن الدخول في حلف عريض معها ضد «داعش» وتبادل المعلومات العسكرية والاستخباراتية معها مع استمرار وقف الصادرات في الوقت نفسه، فإن تركيا، وبعدها الرئيس الأميركي باراك أوباما إثر اجتماعه مع فرنسوا هولاند بالأمس، يشددان على أنه لا يمكن أن تضحك روسيا على العالم طول الوقت وتقول إنها تحارب «داعش» فيما هي تحارب فصائل معارضة محاربة من داعش والنظام على حد سواء. بشكل موازٍ، لا يمكن لموسكو تجاوز تركيا. مفارقة الأمس: أنّه في وقت يفكر فيه فلاديمير بوتين في كيفية الرد على الخطوة التركية، فإنّه بات بحاجة فعلية الى التنسيق مع أنقرة في الشأن السوري أكثر من ذي قبل. صحيح أن وزير خارجية روسيا سيلغي زيارته لأنقرة، لكن التنسيق يفرض نفسه أكثر من قبل، وهو ما يعود أيضاً لانعدام المنفعة، بعد انقضاء السكرة الأولى، على تدخل روسيا في سوريا. لا يمكنها أن تحفظ نظام بشار الأسد بمقاتلاتها الجوية طول الوقت، ولا يمكنها أن تتولى الشيء ونقيضه: سحب ملف «العملية السياسية» في سوريا من الأميركيين وتعطيلها بدلاً من تحقيقها. الاتفاق على محاربة «داعش» بين الروس والغربيين لم يعد بإمكانه أن يكتفي اذاً بالتبعات المباشرة لهجمات باريس. أمام الروس عقبتان لإنجاز هكذا اتفاق جدياً: حصر الضربات بداعش، والتنسيق مع تركيا، وليس تجاوزها شرقاً، باتجاه إيران، وغرباً، باتجاه فرنسا الجريحة. كل هذا وروسيا لا تزال بحاجة الى تهدئة في أوكرانيا لترفع عنها العقوبات الأوروبية والغربية، ولا يمكن أن يعوض التفاهم مع الغربيين حول «داعش» في حال حصوله، ودونه إذاً عقبات، غياب التفاهم حول تطبيق اتفاقية مينسك والتهدئة في أوكرانيا. وحالياً يحدث العكس: بالأمس أيضاً، أوقفت موسكو تصدير الغاز الى أوكرانيا، بعد أيام من انقطاع التيار الكهربائي في شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو من طرف واحد، والذي يأتي من أوكرانيا، حيث تم تفجير خطوط الإمداد السبت الماضي، لتغرق القرم في ظلام دامس باستثناء اللجوء لبعض مولدات الطوارئ. لا يمكن القفز فوق أوكرانيا وتركيا لإصلاح العلاقة مع الغرب، وحفظ الغلواء روسياً، انطلاقاً من سوريا نفسها، هذا ناهيك أن موسكو تخوض حربها دفاعاً عن النظام ضد فصائل غير «داعش» في أغلب الوقت. لن يذهب العالم الى سباق تصاعد التوتر بعد سقوط السوخوي. هذه ليست لحظة تراجيدية. هي بالأحرى دعوة الى الواقعية. سقوط السوخوي ليس «حدثاً» مزلزلاً الى الدرجة التي يمكن توهمها بعد قليل على ورود خبره. لكنه كحدث «ترشيديّ» يقلّل الى حد كبير من المبالغة في التأسيس على هجمات باريس لتلفيق تحالف روسي غربي كيفما كان. فرنسوا هولاند يزور موسكو الخميس. فهل تكون محطة لإفهام الروس بأنّ الغرب والشرق، في آن، في مأزق، حيال.. المسألة السورية؟!

تركيا لاعب وشريك في تقاسم سوريا
خيرالله خيرالله/المستقبل/25 تشرين الثاني/15

بغض النظر عمّا إذا كانت الطائرة المقاتلة الروسية اخترقت الأجواء التركية أم لا، هناك رسالة أرادت أنقره توجيهها الى كلّ من يعنيه الأمر. فحوى الرسالة أنّها موجودة في سوريا وأنّها شريك في تحديد مستقبلها أيضاً. أسقطت تركيا طائرة «سوخوي« روسية. كان سقوطها في الأراضي السورية. هناك طيّار احتجز وآخر قتل. هذا يعني بكلّ بساطة أن تركيا موجودة أيضاً في سوريا. هل كان رجب طيب إردوغان يردّ على قول علي خامنئي وفلاديمير بوتين بعد اجتماعهما في طهران أن وجهة نظرهما «موحّدة« حيال سوريا ويرفضان «أيّ محاولات خارجية لإملاء فرضيات في شأن تسوية في سوريا«؟ المفارقة أن لتركيا حدوداً طويلة، بل طويلة جداً، مع سوريا، فيما هناك تدخل مباشر لروسيا وإيران في داخل سوريا، علماً أن ليس لأيّ من البلدين تماس مباشر مع الأراضي السورية. كلّ ما فعلته تركيا أنّها أبلغت الجانبين أنّ ليس في الإمكان تقرير مصير سوريا ومستقبلها في غيابها. إذا كان لا بد من تقسيم لسوريا، فهي مصرّة على أن تكون لديها حصّتها السورية. يتجاوز إسقاط المقاتلة الروسية قضية مستقبل بشّار الأسد والنظام. هذا المستقبل صار محسوماً. انتهى بشّار وانتهى النظام الذي تسعى روسيا إلى المحافظة على جزء منه، خصوصاً المؤسسة العسكرية التي تعتقد أنّها شريك في صنعها.جاء الآن وقت تقسيم سوريا وفق مصالح محددة تأخذ في الاعتبار الوجود التركي أيضاً. بات مفهوماً ماذا تريد إيران، كذلك معروف ماذا يهمّ روسيا. كذلك، جاء الآن وقت دخول تركيا على الخط لتأكيد أنّها لا يمكن أن تقبل تقسيم سوريا بين إيران وروسيا، وأنّها ترفض وضعها أمام أمر واقع تفرضه الميليشيات المذهبية التابعة لإيران والقوّة العسكرية الروسية. لن تستسلم تركيا للمنطق الروسي والإيراني القائل إن الأولوية للحرب على «داعش«. صحيح أن «داعش« يمثل تهديداً للأمن والسلام الدوليين وأنّه تنظيم إرهابي من الدرجة الأولى استفاد الى حدّ كبير في مرحلة معيّنة من الحدود التركية، لكن الصحيح أيضاً أنّ ليس في الإمكان الفصل بين «داعش« والنظام السوري. لم يكن لـ«داعش« أن ينمو وأن يتمدد لولا النظام السوري ولولا ما فعلته إيران في سوريا والعراق. لم يكن لـ«داعش« أن يسيطر على كلّ هذه المساحة من الأراضي السورية والعراقية لولا النظام السوري ولولا السياسة الإيرانية في هذين البلدين العربيين، أقلّه نظرياً. تدخّلت إيران في سوريا من منطلق مذهبي بحت. لم ترسل «حزب الله« وميليشيات عراقية وأفغانية وباكستانية لقتال الشعب السوري، إلّا تحت شعارات مذهبية مثل حماية المقامات الشيعية، على رأسها تلك القريبة من دمشق. وفي العراق، عملت إيران كلّ شيء من أجل القيام بعمليات تطهير ذات طابع مذهبي، خصوصاً في بغداد. جاء بعد ذلك تشكيل «الحشد الشعبي« من أجل قتال السنّة العرب وتهجيرهم من مناطق معيّنة وذلك تحت غطاء الحرب على «داعش«.
ما فعلته إيران بالتواطؤ مع النظام السوري أدّى الى خلق حواضن لـ«داعش« في كلّ من سوريا والعراق. كان الهدف واضحاً كلّ الوضوح في كلّ وقت من الأوقات. كان الهدف محاولة إنقاذ النظام السوري بحجة أن الخيار بينه وبين «داعش« وأن بشّار الأسد يظلّ أفضل من «داعش«. كانت النتيجة أنّ المستفيد الأوّل من هذه الممارسات الإيرانية «داعش« ولا أحد آخر غير «داعش«. الملفت أن روسيا، ركّزت، منذ باشرت تدخلها المباشر في سوريا، على الفصائل السورية التي تقاتل النظام. كانت الضربات الموجّهة الى «داعش« قليلة جداً. لم تحدّ من نشاط «داعش« بأي شكل، بل زاد هذا النشاط منذ بدء الحملة العسكرية الروسية وشمل بين ما شمل تنفيذ عمليات إرهابية طالت الطائرة الروسية التي سقطت فوق سيناء وبرج البراجنة في ضاحية بيروت وباريس… هناك بكلّ بساطة سياسة تركية أكثر هجومية، خصوصاً بعد الانتصار الذي حقّقه رجب طيب إردوغان في الانتخابات الأخيرة. كان الرهانان الإيراني والروسي، كذلك رهان بشّار الأسد، على أن إردوغان سيخرج ضعيفاً من هذه الانتخابات. على روسيا وإيران والنظام السوري أخذ علم بأنّ إردوغان المطالب برحيل بشّار الأسد أوّلاً أصبح أقوى. جاء إسقاط الطائرة الروسية لتذكير هذه الأطراف بأن ليس في الإمكان تجاهل تركيا بعد الآن. إذا كان من تقاسم لسوريا، فإن الشمال السوري تركي لا أكثر ولا أقل. حلب مدينة تركية، كذلك المناطق المحيطة بها. يدلّ ما حصل، خصوصاً بعد تذكير تركيا روسيا وإيران، بأنّها عضو مهمّ في حلف الأطلسي (ناتو) إلا أنّه لا يمكن البحث في مستقبل سوريا في غياب تركيا وذلك بغض النظر عن الموقف الأميركي المائع. أكّدت إيران وجودها في سوريا عبر خبرائها الذين أرسلتهم لنجدة بشّار الأسد وعبر ميليشياتها المذهبية. كذلك فعلت روسيا عبر طائراتها وجنودها المنتشرين في اللاذقية ومحيطها. تؤكد تركيا وجودها عبر إسقاطها الطائرة الروسية. تؤكّد أيضاً أنهّا لن تسمح بلعب ورقة أكراد سوريا ضدّها.في الواقع أثبتت تركيا، بإسقاط الطائرة الروسية، أنّها أيضاً لاعب في سوريا وشريك في تقرير مصيرها، بغض النظر عمّا إذا كانت الإدارة الأميركية متواطئة مع موسكو وطهران أم لا. فوق ذلك كلّه، بات على روسيا أن تأخذ في الاعتبار أن لديها ما يزيد على عشرين مليون مسلم في أراضيها وأنّ معظم هؤلاء على علاقة ما بتركيا، عرقياً ومذهبياً. هناك بكلّ بساطة مرحلة جديدة دخلتها الأزمة السورية. قد يكون عنوان هذه المرحلة كيف سيكون تقسيم سوريا بعد سقوط النظام هذا السقوط المريع الذي أجّله التدخل العسكري الروسي، لكنّه لم يستطع الحؤول دونه؟

 

حدود «السوخوي»..
علي نون/المستقبل/25 تشرين الثاني/15

يأخذ فلاديمير بوتين على القيادة التركية أنها توجهت الى «الناتو» للبحث في تداعيات إسقاط الطائرة الروسية «وكأننا نحن من قمنا بإسقاط طائرة تركية» على حدّ تعبيره الحرفي. لكن هذا الاحيائي الجامح يتجاهل حقيقتين واضحتين. الأولى هي أن الطائرة الروسية كانت تشتغل في نطاق جغرافي سوري، معنية به تركيا أكثر من روسيا، (قبل واقعة خرقها الأجواء التركية).. بحيث أن تركيا هي التي تملك حدوداً مشتركة مع سوريا تمتد على مسافة 900 كيلومتر وأكثر بقليل. وهي التي تتلقف منذ سنوات تداعيات النكبة الجارية في جوارها، وتستقبل وتؤوي وتعين، على سبيل المثال وليس الحصر، مئات الألوف من النازحين، في حين أن روسيا بوتين لم تستقبل نازحاً سوريًّا واحداً. والثانية التي يتجاهلها عامداً متعمداً الرئيس الروسي، هي أن الوقائع تثبت أشياء أخرى معاكسة لادعائه بمحاربة الارهاب.. وحادثة الأمس تحديداً تدل على ذلك. إذ إنها حرب فوق منطقة لا وجود فيها لأي «داعش». بل المعروف تماماً، انها خاضعة للفصائل التي يستهدفها «داعش» كما لم يستهدف غيرها على الاطلاق، عدا أن أكثرية أهلها من التركمان. ومع ذلك، فإن الذي حصل لا يُتوقع له أن يفتح باباً للنار بين الروس والأتراك، مع انه رسم ما يمكن اعتباره، خطًّا عريضاً لتوزع مناطق النفوذ بين الطرفين، بانتظار إستكمال عدّة «التسوية» الموعودة. وبهذا المعنى وليس بغيره، يمكن افتراض شيء من قبيل ان أنقرة «ترد» على لقاء طهران بين خامنئي وبوتين ولكن ضمن هذه الحدود وليس فوقها. أي تحت سقف اللجم الاستباقي لأي إشكال كبير يمكن أن يسببه الجموح الروسي ويؤدي في النتيجة الى تعطيل «الجهود السلمية» ودفع الأمور الى نواحٍ تصادمية كبيرة لا يريدها أي طرف في واقع الأمر. والتذكير واجب، بأن الحادثة تمت عشية انطلاق الحملة التركية لإنشاء المنطقة الآمنة في الشمال السوري. أو بالأحرى، في رقعة جغرافية تعتبرها أنقرة حيوية لأمنها إزاء التمدد الكردي من جهة، وتنفيذاً لما تعتبره ملاذاً يخفف عنها المزيد من أعباء النزوح من جهة ثانية.. كما جاءت بعد فشل اتصالات جرت في الآونة الأخيرة بين أنقرة وموسكو لوقف الغارات على جبل التركمان، من دون نتيجة ايجابية.. وبعد ذلك، جاءت في ظل استمرار الروس باعتماد أجندة ملتبسة ومحيّرة: يلتزمون السعي الى «تسوية» لا تستقيم من دون إزاحة بقايا السلطة الأسدية، لكنهم يتحركون عسكريًّا وفقاً لبنك الأهداف الذي وضعته تلك السلطة. وأخطر ما فيه، ليس فقط عدم التعرض لـ»داعش» بالشكل المطلوب والموازي للادعاءات بمحاربة الارهاب، وإنما اعتبار كل معارض «إرهابيًّا»! .. وفي الاجمال، فإن ما جرى بالأمس يقدّم إضافة لا بدّ منها على واقعة أن «عاصفة السوخوي» لم تؤتِ أُكلها، وأن موسكو ذهبت بعيداً في التطاول على مصالح غيرها تحت حجة تأمين مصالحها.. وراهنت على أن الآخرين لن يجاروها في التصعيد وخسرت ذلك الرهان، برغم أن الجميع (تقريباً) يراهن في المقابل، على نجاحها هي في إنضاج متطلبات حل هذه النكبة الفظيعة!