محمد سلام/حرب بين ثلاثة أنظمة

497

حرب بين ثلاثة أنظمة
محمد سلام

الإثنين 1 أيلول 2014

هي حرب تدور في منطقتنا بين ثلاثة أنظمة: النظام العربي المهتز، النظام الفارسي الشيعي المتمدد، النظام السني الهلامي الناشيء(الدولة الإسلامية). أولوية السؤال ليست عن أي نظام سينتصر في النهاية، بل هل سيتحالف نظامان ضد ثالث؟

 نظرية “عدو عدوي ليس بالضرورة حليفي” التي أطلقتها بريطانيا لتوصيف حالة العالم الإسلامي  تبدو واقعية، على الرغم من أن الفارسي يريد أن يتحالف مع العربي ضد “الدولة الإسلامية”، ولكن العربي، الذي يعتبر أن نظام “الدولة الإسلامية” الناشيء هو عدوه الوجودي، غير قادر على المجاهرة بالتحالف مع الفارسي.

 قد يستغرب البعض كيف أن النظام العربي المكوّن شعبياً من غالبية سنية كبرى يعتبر الدولة الإسلامية عدواً وجودياً له.

 لا بد في هذا الصدد من التأكيد على حقيقة أن العالم، بغربه وروسه وصينييه، عندما قرر هدم الدولة العثمانية بصفتها دولة إسلامية، قرر أيضاً أن لا تقوم دولة إسلامية بديلاً منها، لأن ذلك سيقضي على الغاية من إلغائها. لذلك أقام في منطقتنا الشرق أوسطية ثلاث منظومات بديلة: منظومة التغريب والحداثة الإيرانية ممثلة بنظام الشاه، منظومة الطورانية والتتريك الوطنية-العلمانية ممثلة بنظام مصطفى كمال أتاتورك في تركيا … ومنظومة النظام العربي.

  الفكرة الكيانية للنظام العربي كما أوجده والده البريطاني هي ألا يكون هناك نظام إسلامي في الدول الناطقة بالعربية. ولضمان تحقيق الهدف لم يسمح بقيام دولة عربية واحدة كي لا تتحول إلى دولة إسلامية، فتم إنشاء سلسلة الدول العربية هذه، مع تأكيد على أنها كلها غير إسلامية.

  وهذا ما حصل فعلاً.

 وقد يسأل البعض: وماذا عن السعودية. أليست دولة إسلامية؟

 السعودية دولة مسلمة، بمعنى أن شعبها كله مسلم، وإسمها يعرّف بهويتها بما لا يترك مجالاً للإجتهاد في التفسير. هي “المملكة-العربية-السعودية”.

 عاشت المنطقة على قاعدة هذا الحكم غير الإسلامي، بعروبييه، وفرسة التغريبيين، وأتراكه العلمانيين الكماليين، حتى العام 1979. في ذلك العام حصل زلزال إسلامي في الشرق هو قيام “الجمهورية الإسلامية الإيرانية” الشيعية على قاعدة فكر ولاية الفقيه وعلى مركزية تصدير الفكر أو تصدير الثورة عبر مؤسسة الحرس الثوري التي هي المثيل الشيعي للقيادة القومية في حزب البعث. فمن دون تصدير الثورة عبر الحرس الثوري يسقط نظام الولي الفقيه، كما أنه من دون تصدير “الأمة العربية الواحدة” عبر القيادة القومية يسقط البعث.

 بالتزامن مع الثورة الخمينية في إيران شهدت السعودية أول إهتزاز لنظامها العربي تمثل بتمرد إبنها جهيمان العتيبي مع مجموعة من أولاد مدرستها الدينية على الدولة السعودية وإتهامها بالخروج عن الدين في حقبة حكم الملك خالد.

 إحتل العتابنه الحرم المكي في 20 تشرين الثاني العام 1979، بعد 16 يوماً على بدء أزمة الرهائن في السفارة الأميركية بطهران. وتم القضاء على التمرد في 4 كانون الأول، بعد إقتحام عسكري ومعركة شرسة أسفرت عن سقوط 250 قتيلاً وإصابة 600 بجراح.

… وبدأ الغزو السوفياتي لأفغانستان فقط بعد 20 يوماً من إقتحام الحرم المكي وإنهاء التمرد (لاحظوا التسلسل المذهل للأحداث من السفارة الأميركية في طهران إلى الحرم المكي 16 يوماً إلى غزو أفغانستان 20 يوماً)، وتم إستيعاب البيئة الفكرية التي أنتجت جهيمان في السعودية والشرق العربي بإرسال أولادها “للجهاد” ضد “الكفار السوفيات” في أفغانستان.

 حتى الشيخ الدكتور عبد الله عزام الفلسطيني، أحد أبرز مؤسسي الجهاد، قال: “لن نحرر فلسطين تحت الرايات العلمانية” وتوجه إلى أفغانستان.

 الكاتب السوفياتي بارسولاف ترفيمون مؤلف “حصار مكة، الإنتفاضة المنسيّة في أقدس الأماكن الإسلامية وولادة القاعدة” إعتبر أن الأسلوب الذي إعتمد في التعامل مع الحالة العتيبانية عبر ضربها وتصدير ورثتها إلى أفغانستان هو الذي أدى إلى ولادة القاعدة.

 بالتزامن مع ولادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بدأ تساقط العلمانية الكمالية في تركيا، ما أدى في النهاية إلى وصول الأخوان المسلمين الأتراك إلى الحكم عبر حزب العدالة والتنمية.

 هذا يعني أن مسرحين من المسارح الثلاثة التي كونها الغرب لوراثة الدولة العثمانية وضمان ألا يكونا إسلاميين قد سقطا، أي إيران التغريبية وتركيا العلمانية . وجاء دور المسرح العربي، أو النظام العربي لمن يعتبرون أن مفردة مسرح لا تليق بمقامات الدول.

 المنظومة العربية هذه هُزِمت وسقطت في 9 نيسان العام 2003 يوم أسقط الأميركيون تمثال الرئيس العراقي صدام حسين عن قاعدته في ساحة الفردوس ببغداد. يومها صفقت المنظومة العربية غير مدركة أن الحلقة العراقية التي تصلها بعضها ببعض قد إنكسرت، ولم تعد السلسلة دائرة مقفلة. صارت سلسلة، كل حلقة فيها معنية بنفسها.

 صدّقت المنظومة العربية الوعد الأميركي بأن العراق سيتحول إلى دولة ديمقراطية-تعددية-علمانية يأخذ فيها كل مواطن حقه.

 وكررت إيران في العراق ما فعله الخميني في إيران إذ صفّت عبر المالكي ومن معه خصومها العراقيين السنّة كما صفى الخميني خصومه الإيرانيين، وصار عراق المالكي محافظة إيرانية.

 وظلت المنظومة العربية مهزومة من دون أن تدري، أو تدري وتبقى صامتة.

 وتم كسر الحلقة الثانية في سلسلة المنظومة العربية في شباط العام 2004 يوم إغتيال ممثلها في لبنان الرئيس الشهيد رفيق الحريري. المنظومة العربية صدمت … وصدمت وبقيت مصدومة.

 حاولت “تلحيم” الحلقة اللبنانية وإعادة وصلها بالسلسلة علّها تستعيد لبنان إلى المنظومة العربية، فكان الوريث الشيخ سعد الحريري. حاول، سعى، إنفتح … حتى أنه زار بشار الأسد وكيل إيران في سوريا، ومع ذلك أخرجته إيران من الحكم في 12 كانون الثاني العام 2011، وكلّفت (إيران) بديلاً منه الرئيس نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة.

 وصدم النظام العربي وبقي مصدوماً إلى أن إرتأى ضرورة إعادة تلحيم الحلقة اللبنانية، ولكن هذه المرة “بكوكتيل قصدير” عربي-فارسي فكان تكليف الرئيس تمام سلام، ثم تأليف حكومة “المصلحة الوطنية” بمشاركة ممثل إيران حزب “الله”.

 وصدمت المنظومة العربية يوم خرج الإخوان المسلمون من صندوقة الإقتراع فائزين بالإنتخابات المصرية، ما يعني بالنسبة للمنظومة العربية تحويل مصر من دولة عربية إلى دولة إسلامية (بغض النظر عن الموقف العقائدي من الأخوان) لذلك دعموا وموّلوا الإطاحة بمرسي.

  والآن المنظومة العربية أمام تحدي حالة “الدولة الإسلامية” كما النظام الفارسي الشيعي أمام تحدي “الدولة الإسلامية.”

 الدولة الإسلامية أسقطت إنجازات الحرس الثوري الإيراني في العراق وسوريا. بهذا المعنى إيران هُزِمَت، ولكن المنظومة العربية لم تنتصر، فهي أيضاً تواجه “دولة إسلامية” تناقض أساس وجودها. العرب وجدوا أساساً ككيانات سياسية بداية القرن العشرين كي لا يكونوا كياناً إسلامياً.

 فماذا يفعلون الآن.

 ربما يسعون إلى إعادة ترميم، وليس تلحيم، المنظومة كلها وتجميل صورتها بحث تكون “مسلمة عربية” وهو الدور الذي تقوم مصر السيسي بتظهيره الآن عبر مؤسسة الأزهر.

 وكان ملفتأ ظهور التعريف الجديد للمنظومة العربية يوم أمس الأحد ضمن الكلمات التي ألقيت في في لقاء سيدة الجبل إذ برزت عبارة “نحن مسلمون عروبيون…”!!!.

 خير إن شاء الله. ولكن القصة هذه المرة أكبر جغرافياً من مجرد تمرد 300 شخص في الحرم المكي، على عظم أهميته ورمزيته وقدسيته الإسلامية.

 “مسلمون عروبيون.” للتعريف وقعه في الأذن.

 ولكن، ماذا عن وقعه في الفعل؟؟؟

 المسلمون الإيرانيون الشيعة حلفاء؟

 لا يمكن أن يكونوا جزءا من مواد ترميم المنظومة العربية لأنهم إيرانيون، ليسوا من نوعها، وكما يقول المثل الشعبي “لا يمكن تلحيم الحديد على الألمنيوم.”.

 هل يطبّق العرب صيغة “عدو عدوي صديقي” بما يتناقض من نظرية “الأب” البريطاني فيتحالفوا مع إيران ضد “الدولة الإسلامية”؟؟

 سبق أن تحالفوا مع أميركا يوم صفقوا لجورج بوش عند إسقاط حلقة صدام … ودفعوا ثمنها … ويدفعون.

 هل تتحالف المنظومة العربية مع أميركا ضد الإسلامين الإثنين (الولي الفقيه الشيعي والدولة الإسلامية السنيّة)؟

 هل تتحالف “الدولة الإسلامية” مع المجتمع الدولي ليس ضد أحد، لا ضد إيران الشيعية ولا ضد المنظومة العربية، بل كي تبقى ضمن المشهد الجديد للمنطقة مقابل … بقاء إيران ضمن حدودها “الوطنية”؟

 أم أنها ستكون مطحنة لا يتحالف فيها أحد مع أحد، ومن يعش يعرف عندما يعيش أين يعيش؟؟؟

 الملفت واللافت هو أن الأمم المتحدة عيّنت مندوبين للتفاوض مع جبهة النصرة لإطلاق سراح جنودها المحتجزين في الجولان، وفق ما ذكرته فضائية الجزيرة.

 هل هو بداية الإعتراف من قبل المجتمع الدولي بطرف جديد في سوريا غير نظام بشار؟؟؟

أما الحديث اللبناني عن تسويات لبنانية على أي مستوى فهو ليس أكثر من الرقص على صفيح الجمر.

(صفحة كلام سلام)